; تقرير أمني صهيوني: تكثيف استخباراتنا في شمال الخليج | مجلة المجتمع

العنوان تقرير أمني صهيوني: تكثيف استخباراتنا في شمال الخليج

الكاتب عامر الحسن

تاريخ النشر السبت 16-يونيو-2001

مشاهدات 52

نشر في العدد 1455

نشر في الصفحة 30

السبت 16-يونيو-2001

بسبب الانشغال الأمريكي بالعراق.. تزعم تل أبيب أنها تستطيع مواجهة إيران منفردة.. ولكن كيف؟

كشفت مؤخرًا تفاصيل تقرير صهيوني أمني اعتبر إيران أكبر خطر يهدد أمن إسرائيل، مقارنة بالخطر العراقي، التقرير الاستخباراتي يسجل اهتمام تل أبيب بمنطقة الخليج، لا على مستوى المركز» -أي دول مجلس التعاون- وإنما على مستوى الأطراف» -إيران والعراق- لاحتمالات امتلاك كل منهما أسلحة دمار شامل على مدى منظور وتأتي أهمية التقرير، الصادر عن استخبارات قوات الدفاع الصهيونية «أمان» من أنه صادر عن جهة أمنية تفوق في التأثير جهاز الموساد، فعلى الرغم من أنها أقل شهرة من الموساد، إلا أن «أمان» تحظى بمدخل أوسع لصناع القرار، وتأثير أكبر، سيما وهي المؤسسة الأمنية الرئيسة المعنية بتقييم مصادر التهديد في المنطقة.

ويتزامن توقيت صدور التقرير مع فشل سياسة الاحتواء المزدوج الأمريكية إزاء العراق وإيران، والتركيز أكثر على احتواء الخطر العراقي، ورغبة واشنطن في التعامل مع النظام الإيراني على أنه أمر واقع لتحقيق مكاسب بترولية ضخمة، وهذا التحول يضع أمام العدو تحديات بخصوص تطوير أساليبه في جمع المعلومات العسكرية التي تعتمد حتى الآن على مصادر خارجية مثل الاستخبارات الألمانية وتعتقد مصادر استخباراتية أن تل أبيب لديها قصور في دقة معلوماتها عن المنطقة وتحتاج لتجديد متابعاتها للتطورات العسكرية السريعة التي تحصل داخل طهران وبغداد، ويفصح المحلل الأمني الصهيوني، داني شوهام من مركز «بيجن- السادات للدراسات الاستراتيجية» عن النوايا بصورة أوضح بقوله إنه يتوجب على إسرائيل أن تكثف وتحسن من قدراتها الاستخباراتية على جمع المعلومات الأمنية الدقيقة الخاصة بالمنطقة الشمالية من الخليج لمستوى تكون فيه مستعدة لشن ضربات ردع احترازية تدمر مراكز التهديد المحتملة، كما فعلت بمفاعل العراق النووي عام ١٩٨١م.

 حقيقة الخطر الإيراني وعلى الرغم من أن العراق هو الذي وجه صواريخه أثناء حرب الخليج إلا أن قيادات صنع القرار الصهيونية مازالت تصنف إيران على أنها عدوها الأكبر في المنطقة، ويؤكد التقرير أنه لا يزال هذا الانطباع موجودًا بقوة، خاصة بعد نجاح إيران في إطلاق صاروخ «شهاب۳» بمدى يصل لـ ۱۳۰۰كيلومتر، وفي عام ۱۹۹۷م، كانت التقارير الصهيونية تستشرف أن تتمكن إيران من امتلاك هذا المستوى من الصواريخ بحلول عام ٢٠٠٧م، إلا أن سرعة إيران في تحقيق نجاحاتها العسكرية أوجدت حالة قلق من تداعيات تجربة صواريخ «شهاب» بعدها مباشرة اعترفت تل أبيب على لسان الجنرال شاؤول موفاز، بأن صواريخ «شهاب۳» تشكل أكبر خطر يهدد كيانه.

 ولا تكمن الخطورة في صواريخ شهاب كونها تقطع هذه المسافة الطويلة نسبيًا، وإنما في قدرتها على حمل رؤوس كيماوية وبيولوجية تستطيع حرق تل أبيب، ومما يزيد من المخاوف العبرية هدوء المراحل التي تطور بها إيران تدريجيًا قدراتها النووية عبر علاقاتها مع دول مثل كوريا الشمالية وروسيا للحصول على مواد مشعة مثل اليورانيوم المشبع وما يقلق الصهاينة أنه إذا تمكنت طهران من الحصول على مثل هذه المواد النووية، بصورة شرعية أو غير شرعية، فإنها ستتحول لقوة نووية لها وزنها في غضون ستة أشهر فقط، وهذا ممكن إذا تمكنت من تطوير مفاعلاتها للقيام بعمليات انشطارية مطلوبة ضمن مراحل تشييد آليتها النووية، بالإضافة للحصول على المواد المطلوبة التي يمكن أن تحصل عليها بسهولة من موسكو، وتراهن تل أبيب في مطامحها عرقلة تطوير إيران قدراتها، بالضغط على واشنطن لوضع ملف العلاقات الروسية- الإيرانية العسكرية على سلم أولوياتها، لكن مصادر واقعية ترى أن الأمر لن يكون بهذه السهولة. ففي المحصلة، لا تزال هناك مصالح أمريكية- روسية مشتركة، لن تخاطر الإدارة الأمريكية بتعريضها للخطر.

حزب الله

ويفرق التقرير بين نوعين من الأمن: «أمن استراتيجي»، متعلق بوجود الكيان الصهيوني و أمن طارئ متعلق بما تشنه قوات «حزب الله» من ضربات تطال القوات المتمركزة بالقرب من الحدود اللبنانية والسورية، وبصرف النظر عن أبعاد وطبيعة علاقة إيران بمجموعات حزب الله فإن تل أبيب تنظر لهذه العلاقة باهتمام، يصفه بعض المحللين بأنه مبالغ فيه، ولم يتوان شارون في زيارته الأخيرة لواشنطن في أن يكشف لبوش تقريرًا أمنيًا يزعم وجود جسر جوي غير مسبوق بين حزب الله وإيران لشحن معدات عسكرية متطورة تشمل ما أسمته به صواريخ فجر قادرة على استهداف مواقع حتى مدينة حيفا.

 وينفي محللون أمنيون في بيروت وخبراء من مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية وجود أي أدلة لارتباط واضح بين حزب الله وإيران ويشيرون إلى أن طموحات حزب الله منحصرة في تحقيق هدفين: تحرير مزارع شبعا، وعودة أسراه من المعتقلات اليهودية، ويعزون إبراز دور إيران إلى رغبة تل أبيب في توتير علاقة السلطة الفلسطينية بأمريكا، خصوصًا بعدما روجت إشاعات بأن القوة ۱۷المسؤولة عن حماية عرفات تلقى أفراد منها تدريباتهم العسكرية مع حزب الله.

وتعزو مصادر أمنية لندنية مبالغة الكيان الصهيوني في توصيف الخطر الإيراني إلى صعوبة تحديد أهداف إيران الإقليمية، التي تبدو في مراحل كثيرة غامضة وغير واضحة، ويؤكد ذلك مصدر آخر داخل مجلس الأمن القومي الصهيوني الذي يعترف بأن نوايا إيران تظل لغزًا بالنسبة للاستخبارات الصهيونية، بسبب تعدد المؤسسات الإيرانية التي تتحدث حول استراتيجيات متعددة يلعب عنصر التعبئة والشعارات فيها دورًا كبيرًا وإزاء ذلك تحاول بعض مراكز الفكر القيام بعملية التمييز بين الدعاية والحقيقة، ومن ذلك مركز حيفا للدراسات الاستراتيجية، وفي هذا المركز، يقرر المحلل اليهودي إفرايم كام بأن «إسرائيل» لعبت في أحيان كثيرة دورًا غير حكيم في تحديد انطباعات إيران عن نفسها. بمعنى أن تل أبيب من كثرة حديثها عن الخطر الإيراني، ساهمت في تعزيز انطباعات إيرانية موازية بأن الدولة العبرية هي أكبر خطر يتهددها، ولم يقتصر هذا الانطباع، حسب اعتقاد كام على الدوائر الإيرانية، وإنما على دوائر لها وزنها داخل تل أبيب. لكن يظل هناك شبه إجماع على أن إيران لن تستعمل أسلحة الدمار الشامل إلا كحل أخير ضد خطر حقيقي.

صدام وخيار شمشون

أما بالنسبة للعراق فإن تقرير «أمان» يرجح أن صدام حسين لن يستخدم أسلحة دماره الشامل ضد الكيان الصهيوني إلا إذا شارف نظامه على حافة السقوط، وهو ما تطلق عليه الدوائر الأمنية بخيار شمشون، وحسب هذا السيناريو، فإن تل أبيب -على حد وصف التقرير- تبدو أكثر ارتياحًا لوجود نظام بعثي يحكم بغداد من نظام ثوري- إسلامي يحكم إيران وتضيف أن وجود صدام كحالة عدائية واضحة المعالم ومفهومة للدوائر الغربية ولدوائر الأمن الصهيوني تظل في النهاية حالة صحية وآمنة.

فلدى كيان العدو قناعة بأن قوة بغداد العسكرية تقهقرت بوضوح بعد حرب الخليج ومهما حاولت استعادة عافيتها فإن ذلك يتم ببطء غير مؤثر وبالرغم من أن العراق قام بنشر قواته الكبيرة على حدوده مع الأردن ثلاث مرات منذ أكتوبر ۲۰۰۰م إلا أن تل أبيب اعتبرت تحركاته مجرد تهديدات خاوية، وعلقت على لسان مصدر أمني متسائلة: «إذا كان صدام عاجزًا عن أن يحرر بلده فكيف سيكون بإمكانه تحرير أي شيء آخر؟»، لهذا تعتقد تل أبيب أن دعم العراق للفلسطينيين مجرد شكليات دعائية لا تضير أمن تل أبيب مادامت محصورة في تقديم مساعدات طبية ومعونات للأرامل، لكن هذه القناعة ستصاب بخيبة أمل في ضوء ما أشيع من تقارير مؤخرًا بأن العراق قد يتمكن من الحصول على قدرات نووية بحلول عام ٢٠٠٤م وصواريخ طويلة المدى سنة ۲۰۰٥م إزاء ما ستعتبره تل أبيب واقعًا مؤلمًا تكاثرت في المدة الأخيرة أصوات عبرية تطالب بـ «التعايش» مع واقع «عراق نووي» من خلال بناء علاقات ثقة متبادلة مع بغداد، وبأخذ مجموعة عوامل وشروط في الحسبان فإنه لن تكون لدى الدولة البعثية أي تحفظات على تدشين علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني مقارنة بالتحفظات الممكنة لدى إيران إلا أن تل أبيب تظل حتى الآن تصنف بغداد على أنها «مصدر خطر ضئيل»، وبتعبير وزارة دفاعها خطر على مدى بعيده، برغم تهديدات صدام بقصف تل أبيب في أعقاب الغارات الأمريكية والبريطانية الجوية في فبراير ۲۰۰۰م.

العراق مصدر دعم أمريكا لإسرائيل

في كل الأحوال، تعرف تل أبيب كيف تعزف على الوتر الأمريكي فربما لن تحظى تل أبيب بشيء ذي بال من الإدارة الأمريكية لو أنها ظلت تدق ناقوس الخطر الإيراني، لكنها حتمًا ستلقى أذنا صاغية من واشنطن لو أنها عرفت على نغم الخطر العراقي فطبقًا لمصادر عدة، وعلى غير ما هو متوقع، حظي ملف بغداد بالنصيب الأوفر من محادثات شارون مع وزير الخارجية الأمريكي كولين باول نهاية فبراير الماضي واعتبرت العراق نافذة ضمان حصول تل أبيب على معونات عسكرية أمريكية تصب في مشاريعها المختلفة ومن ضمنها معمل «ديمونا» النووي الشهير، ونظامها الصاروخي لعرقلة وتدمير أي صواريخ قادمة من الخليج، وطبعًا المعلومة غير المنطوقة أو المعلنة على الأقل على لسان الأمريكيين للروس بأن نفس هذه المشاريع ستصلح لتدمير قدرات إيران، مثلما هي صالحة لتدمير قوة العراق ويسجل معالم الاستراتيجية الصهيونية- الأمريكية بوضوح تصريح نائب وزير الدفاع اليهودي إفرايم سنيه «الآن لدينا إدارة أمريكية جديدة، وبوجود خطر عراقي متزايد نستطيع أن نعمل سويًا لمعالجة هذه القضايا».

كما لعبت تل أبيب على الوتر نفسه من خلال توظيف تنامي علاقات سورية الاقتصادية وعلاقات السلطة الفلسطينية مع النظام العراقي، واستفادت من تركيز إدارة بوش على الخليج للربط بين تداعيات هذه العلاقات على التسوية علها تحظى بمزيد من تعاطف، وبالتالي دعم البيت الأبيض، أما بخصوص إيران، فتزعم تل أبيب أنها ستواجهها منفردة لانشغال أمريكا بالهم العراقي لكن أحدًا لم يخمن ماذا يعني ذلك وما سيناريوهاته لكن تظل هناك حقيقة يجمع عليها المحللون المنصفون وهي أن تل أبيب ستظل تعيش ذهنية الهولوكوست وتوظف صورتها كضحية تعيش وسط مجموعة من الذئاب، حتى لو تحققت أمانيها كافة.

الرابط المختصر :