; مشاعر الإحباط تسود الشارع الفلسطيني بعد القمة العربية | مجلة المجتمع

العنوان مشاعر الإحباط تسود الشارع الفلسطيني بعد القمة العربية

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-2000

مشاهدات 55

نشر في العدد 1424

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 31-أكتوبر-2000

خيبت نتائج مؤتمر القمة العربي الذي عُقد في القاهرة الأسبوع الماضي آمال الشارع الفلسطيني والعربي في اتخاذ موقف السلب من العدوان الصهيوني المتواصل في الأراضي المحتلة؛ فقرارات المؤتمر التي كانت قد صيغت مسبقًا وقبل مدة من عقد المؤتمر -بما كشف ذلك الرئيس الليبي خلال مقابلة على قناة الجزيرة الفضائية- لم تلبِّ حتى الحد الأدنى من مطالب الجماهير العربية التي ملأت الشوارع تضامنًا مع انتفاضة الأقصى المباركة.

الحد الأدنى من المطالب العربية كان قطع العلاقات الدبلوماسية بين عدد من الدول العربية والكيان الصهيوني، حيث أصبح من غير المعقول ولا القبول استمرار هذه العلاقات بعد أن أمعنت قوات الاحتلال في بطشها وجرائمها. وإذا كانت بعض الحكومات العربية غير المعنية مباشرة بعملية التسوية «عمان، وتونس، والمغرب» قد جمدت أو أطلقت مكاتب التمثيل الدبلوماسي والتجاري بينها وبين تل أبيب استجابة للشارع العربي الغاضب الهادر، إلا أن استمرار كل من مصر والأردن في إقامة علاقات تطبيعية ودبلوماسية كاملة مع الكيان الصهيوني لا يمكن تبريره على الإطلاق، القمة فشلت إذًا في الاستجابة للحد الأدنى من المطالب الشعبية وأهمها قطع العلاقات مع تل أبيب وإلغاء ما يسمى باتفاقات السلام معها ومقاطعتها اقتصاديًّا وثقافيًّا وسياسيًّا.

أما السلطة الفلسطينية التي استماتت من أجل عقد القمة العربية ظنًّا منها أن مثل هذه القمة تعزز كيانها المترهل والضعيف، فلا يمكن وصف تماديها في التنسيق الأمني مع الجانب الصهيوني، بعد أن قُتل أكثر من ۱۳۰ شهيدًا فلسطينيًّا خلال ثلاثة أسابيع، وبعد أن دك بصواريخه وقنابله المدن الفلسطينية والمراكز الأمنية التابعة للسلطة نفسها بعد أن جعل هذه السلطة أضحوكة في وسائل الإعلام، لا يمكن وصف هذا السلوك إلا أنه نوع من الشيزوفرانيا السياسية (!).

القمة العربية أصابت الفلسطينيين والعرب بشكل عام بالإحباط، وكان الأولى ألا يتفاءل هؤلاء كثيرًا، لكن يبدو أن سنوات الجفاء العربي -العربي طويلة أنست الناس عدم جدوى مثل هذه المؤتمرات.

محبَط وغاضب

الفلسطينيون كما أكدوا في مظاهراتهم مواجهاتهم كانوا بحاجة إلى دعم عربي حقيقي في سلاح لمواجهة الآلة العسكرية الصهيونية التيتحصد المدنيين منهم على مسمع العرب ومرأى منهم، وكما تساءل أحد المتظاهرين: «ماذا فعل العرب لنا؟ لقد أعطونا الضمادات وسيارات الإسعاف، كان يجب على الدول العربية قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل ومقاطعةبضائعها، ما نحتاجه حقيقة هو السلاح».

وقد برزت حاجة الفلسطينيين إلى السلاح في ضوء الكفة غير المتعادلة التي تحكم الصراع بين المتظاهرين وقوات الاحتلال التي ترد على الحجر برصاصة، وردت على رصاص بعض «الدخلاء» المتسلقين على انتفاضة الأقصى بالصواريخ وقذائف المدفعية. وقد يتساءل الكثيرون عن سر وجود بعض العناصر الفتحاوية ومن بعض الأجهزة الأمنية الفلسطينية بين جموع المتظاهرين يطلقون الرصاص على الجنود الصهاينة، ولو كانوا جادين في مقاومتهم لقوات الاحتلال لقاموا بعمليات مقاومة حقيقية بعيدًا عن المتظاهرين المدنيين، كان يمكن أن تكون أكثر فاعلية وتأثيرًا. التحليلات زعمت أن السلطة كانت تريد تفجير الشارع وإراقة الدماء الفلسطينية لتحقيق مصالح سياسية لدى السلطة ورئيسها أثناء انعقاد القمة العربية، إذ لا جدوى من عقد «قمة انتفاضة القدس» إذا كان الشارع الفلسطيني هادئًا. وعلى الرغم من أن هذا التحليل قد يخدم الجانب الصهيوني المعتدي، إلا أنالواقع يؤيده مع شديد الأسف.

إن الإعلان عن إنشاء مليشيات فتح المسلحة في هذا الوقت بالذات لم يكن عن قناعة من هذه الحركة بجدوى العمل المسلح أو مقاومة الاحتلال بقدر ما هو محاولة منها لسرقة الشارع المنتفض، والذي امتلأ بأعلام حماس الخضراء وشبابها مما لم يسمح للفتحاويين بمساحة واسعة من اللعب وإبراز العضلات.

لا جدوى من التمثيلية التي تقوم بها السلطة أو رموزها أو عناصرها، لأن ما تقوم به من أعمال خلال الانتفاضة إنما هو دور تخريبي أكثر من أن يكون بنَّاءً أو مفيدًا.

فالمعلومات التي رشحت عن قمة شرم الشيخ أشارت إلى أن مدير السي أي إيه جورج تينيت «اليهودي» كان هو اللاعب الحقيقي في قمة شرم الشيخ التي سبقت القمة العربية بأيام قليلة. وتضيف المعلومات أن كل ما اتفق عليه الجانبان الفلسطيني والصهيوني هناك لم يزد على اتفاق أمني يعيد معتقلي حركة حماس إلى معتقلات السلطة وسجونها بعد أن أفرج عنهم المتظاهرون الفلسطينيون. كما تقول المعلومات إن رئيس السلطة وعد باراك بإخماد الانتفاضة بعد ثلاثة أسابيع من شرم الشيخ، وإذا ما صحت هذه المعلومات فما معنى هذا «التشبيح» من جانب مليشيات فتح الموالية لعرفات مهما حاول بعض قادتها إظهار غير ذلك؟ وما معنى دعوة عرفات لباراك بأن يذهب إلى الجحيم؟ الجواب ربما سنعرفه بعد انتهاء الأسابيع الثلاثة.

سلطات الاحتلال التي أغلقت مطار غزة ومنعت حركة الطيران منه وإليه استثنت طائرة رئيس السلطة الفلسطينية، الذي بادر فور عودته إلى غزة من اجتماع القمة العربية ليعلن: «فليذهب باراك إلى الجحيم». وللعلم لم تمنع الصواريخ المتساقطة على رفح ولا على بيت جالا والخليل الرئيس الفلسطيني من استعراض حرس الشرف عند عودته.

حركة حماس رأت في أحد بياناتها أن ما كان مطلوبًا من القمة العربية هو قرار واضح ومباشر لدعم خيار المقاومة الشعبية والمسلحة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسنادها بالدعم المالي والإعلامي، كما أعربت عن مخاوفها من عدم وصول الأموال التي قرر القادة العرب تخصيصها لصالح انتفاضة القدس والأقصى إلى الجهات الموثوقة والمؤتمنة على مصالح الشعب الفلسطيني.

ناقضت الحكومة الصهيونية نفسها حين رحبت ابتداءً وعلى لسان المتحدث باسمها بما اعتبرته «انتصارًا للعقلانية» في البيان الختامي، ثم هاجمت على لسان باراك نتائج القمة والتشدد العربي فيها. كما رد باراك على القمة بأن أعلن تعليق «عملية السلام» وإغلاق المناطق الفلسطينية «المحررة» وقصف بعض المدن الفلسطينية خصوصًا رفح والخليل وبيت جالا بالصواريخ وقذائف الدبابات.

ورأى باراك في تصاعد المواجهات الفلسطينية مع جنود الاحتلال فرصة لترتيب أوراقه السياسية؛ خصوصًا أنه سيواجه مأزقًا كبيرًا عند استئناف عمل الكنيست بداية نوفمبر، بعد أن انهار الائتلاف الذي تشكلت منه حكومته. باراك رأى في الانتفاضة فرصة لخلق حالة حرب مع الفلسطينيين تبرر مسعاه لتشكيل «حكومة وحدة وطنية» أو حكومة طوارئ مع غريمه الليكود.

الرابط المختصر :