; ملوك الآخرة | مجلة المجتمع

العنوان ملوك الآخرة

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 04-أبريل-2009

مشاهدات 75

نشر في العدد 1846

نشر في الصفحة 52

السبت 04-أبريل-2009

عندما تقوم القيامة يرفع الله أقوامًا ويذل آخرين، يرفع أقوامًا كانوا منخفضين، ويخفض أقوامًا كانوا مرتفعين يقول تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الواقعةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (الواقعة:1-3).

أورد الإمام السيوطي في تفسيره رواية الإمام محمد بن كعب القرظي عن هذه الآية قال: «تخفض رجالًا كانوا في الدنيا مرتفعين وترفع رجالًا كانوا في الدنيا منخفضين» (۱). 

وممن يرفعون يوم القيامة ملوك الآخرة، الذين لم تكن لهم تيجان، ولا نياشين، ولا قصور أو عروش، ولا ذهب، ولا فضة، وما كانوا ممن يُشار إليهم بالبنان، بل كانوا ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا  وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (الفرقان:63-66)، إنهم أسياد الموقف يوم القيامة، وهم ملوك ذلك اليوم، وهم المرتفعون وخصومهم في الدنيا هم الأذلاء الصاغرون، المنخفضون.

صفات هؤلاء الملوك

صفات أهل الجنة وملوك الآخرة: جاءت في سور مختلفة من كتاب الله تعالى، ومن أبرز هذه الصفات ما جاء في سورة الفرقان حيث يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا  إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا  وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا خَالِدِينَ فِيهَا ۚ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ( الفرقان:64-76).

 الصفة الأولى: العبودية: في هذه الصفة صفات متعددة، حيث وصفهم الله تعالى بالعباد، ولا يوصف بالعباد إلا المشتغلون بعبوديته، المدركون للهدف الذي خُلقوا من أجله، فالله سبحانه تعالى خلق الإنسان لهدف محدد ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (الذاريات:56).

خلقه لهذا الهدف لعبادته، والناس قد انقسموا حيال هذا الهدف قسمين: قسم - وهم الأقل - أدركوا حقيقة الخلق فكرسوا حياتهم كلها، غدوهم ورواحهم، ويقظتهم ونومهم، وعلاقاتهم وولاءهم وبراءهم، وضحكاتهم وحزنهم، وبكاءهم ودموعهم، كل شيء في حياتهم كرسوه لذلك الهدف الذي أيقنوا وأدركوا واستشعروا، وعاشوا حياتهم كلها من أجله، أما العدد الأكبر من الناس فقد اشتغلوا بالثانويات، اشتغلوا بالوسائل ولم يشتغلوا بما خلقوا من أجله، وما وضع لهم من هدف عظيم، فالله سبحانه وتعالى من رحمته بالإنسان عندما خلقه جعل له وسائل كثيرة تعينه على تحقيق ذلك الهدف خلق له الهواء والأكسجين ليستنشقه فيكون سببًا في بقائه فيعبد الله سبحانه وتعالى، وخلق له الأرض والجاذبية لتجذبه إلى الأرض فيستقر عليها فيكون ذلك سببًا في بقائه وعبادة الله سبحانه وتعالى. 

وخلق له الماشية والأنعام ليركبها ويشرب منها ويأكل لحومها، فيكون ذلك سببًا في بقائه على الأرض فيعبد الله سبحانه وتعالى، وخلق له من نفسه زوجا ليستقر لها ويستعين بها، فتكون سببًا في عبادة الله سبحانه وتعالى وخلق له كل شيء في هذه الحياة يعينه على العبادة حتى يمضي في هذا الطريق، يستمتع بالحياة ويعمرها كما يريد الله سبحانه وتعالى، هؤلاء الذين أدركوا الهدف من الخلق هم الأقل، أما غالب الناس فقد عبدوا الوسائل وانشغلوا بها، فمنهم من عبد الدينار والدرهم ومنهم من عبد النساء وعبد الشهوات، ومنهم عبد المباني والقصور، ومنهم من عبد المناصب، ومنهم من أحرق نفسه من أجل لعاعة من لعاعات الدنيا، فكرسوا حياتهم كلها للدنيا أصبحوا عبيدًا للدنيا، والدرهم، وحُقَّ للنبي ﷺ أن يدعو على هؤلاء بقوله: «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم» (۲).

 ومن خلال هذه الآية، نستطيع أن نلمس أن الله سبحانه وتعالى قد نسبهم وأضافهم إلى أعظم أسمائه وهو الرحمن، وكأنه رد على الكافرين الذين يكفرون باسم الرحمن ويقولون: وما الرحمن؟

إذًا من حبه لهم أنه أضافهم لأعظم أسمائه فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ (الفرقان:63)، فهم أصفياؤه وهم القريبون منه، وهم الذين ميزهم عن الآخرين وجعل هذه الصفات في آخر سورة الفرقان، وكأنما هم كما قال سيد قطب يرحمه الله: «خلاصة البشرية في نهاية المعركة بين الهدى والضلال بين البشرية الجاحدة المشاقة، والرسل الذين يحملون الهدى لهذه البشرية، وكأنما هم الثمرة الجنية لذلك الجهاد الشاق الطويل» (۳).

الهوامش

(1) الدر المنثور. للسيوطي، 8/4 - ط/ دار الفكر.

(۲) رواه البخاري وله تكملة (فتح الباري 6/81) ط/ السلفية

(۳) في ظلال القرآن 5/۲۵۷۷ ط/ دار الشروق.

(*) رئيس جمعية بشائر الخير الكويتية 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 16

1035

الثلاثاء 30-يونيو-1970

لقلبك وعقلك - العدد 16

نشر في العدد 32

119

الثلاثاء 20-أكتوبر-1970

الجهاد ماض إلى يوم القيامة