; شيء عن تصور هذا الدين | مجلة المجتمع

العنوان شيء عن تصور هذا الدين

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر السبت 28-يناير-2006

مشاهدات 65

نشر في العدد 1686

نشر في الصفحة 66

السبت 28-يناير-2006

 كاتب ومفكر إسلامي عراقي.

في الإسلام -هذا الدين الإلهي المعجز- يبدو واضحًا ذلك التخطيط الموحد، القائم على تصور شامل للوجود والعالم، وتنظيم مبدع لالتزامات الإنسان تجاه خالقه وتجاه الطبيعة من حوله، وتجاه البشرية المحيطة به، ثم تجاه ذاته وتكوينه الخاص، ونحن نجد في القرآن الكريم صورة مثلى لهذا التوحد والتكامل والانسجام الداخلي بين العقيدة والطبيعة والقيم الإنسانية، هذه الأقطاب الثلاثة التي جاء الدين الإسلامي كمنهج ليخطط لما يجب أن تكون عليه العلاقات بينها وبين الإنسان المسؤول -المستخلف في الأرض- عن إعمار هذه الأرض على عين الله ورعايته. 

فالعقل وقدراته في التفكر والتدبر والإدراك يبدو من خلال القرآن حجر الزاوية في فهم الطبيعة والتعامل معها، ومن ثم الإيمان بقدرة الله الخلاقة، بل الإيمان بوجوده ابتداء، والإرادة الإنسانية تبدو -من خلال القرآن- الوسيلة الأساسية التي يثبت الإنسان بها إيجابيته كمخلوق عاقل متفرد، ومسؤوليته كخليفة منوط بأمانة التحضر والتقدم والإعمار، والنزعة الجمالية المنبثقة في حس الإنسان عن أعمق تياراته الوجدانية تبدو -من خلال القرآن- ميزة أصيلة تدفعه -من جه - إلى تنسيق ضروراته و «تجميلها» لكي يرتفع على عالم الحيوان، وتسهم -من جهة أخرى- في تعميق وجوده الإيماني وإغنائه.

والعقيدة، بكل ما تحويه من شعائر يومية وموسمية دائمة ليست تجربة عزلة وفصام ورفض للنشاط الملموس وتقطيع للعلاقات العامة، بل على العكس أنها تبدو في الإسلام المولد الذاتي الذي يدفع الإنسان دومًا إلى الارتفاع بكل دقيقة من دقائق حياته الخاصة والعامة وكل كبيرة من كبائرها، إلى المستوى الذي يليق بكرامة الإنسان.. المولد الذاتي الذي يدفع المؤمنين أنى كانوا إلى أن يصدروا في كل فاعلياتهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة المادية والروحية القريبة والبعيدة عن الإيمان بخالقهم، ويتوحدوا دوما مع مصائرهم.

أما الطبيعة فلم تبد يومًا  في الرؤية الإسلامية مجرد أرض صلبة وصخرة صماء تتفاعل في داخلها مجموعة من القوى المادية، أو تتحرك ذاتيا، تحت ضبط قوانين ميكانيكية أو كيماوية، وأن وظيفة الإنسان لا تتعدى الاستقراء الطبيعي القائم على التجريب لتفسير كل ظاهرة وتطبيق معطياتها على أساس مادي محض دون التزام بعقيدة أو عرف إنساني بحيث ينتهي الأمر، كما يقول الفيلسوف الشاعر محمد إقبال، إلى أن «يقطع الإنسان صلته بأعماق وجوده، ويستغرق في الواقع أي في مصدر الحس الظاهر للعيان، ومن ثم إصابة دوره على الأرض بالشلل التام».

لكن الموقف الإسلامي يعلمنا شيئا آخر، ويقول لنا إن هناك قوى «فوقية» تسيطر على حركة الطبيعة وديناميتها، قوى تصدر عن الله، وتشكل المادة على أساس من الطاقة الحركية التي هي من الدقة والإعجاز بحيث تغدو حركة الهباءات الصغيرة -النيوترونات والبروتونات- داخل الذرة إحدى مظاهرها قوى تشرف على حركة الأجرام الهائلة في عرض الكون الكبير الذي يتسع حجه يوما بعد يوم بإرادة الله وحده.. قوى تضبط التفاعلات الحيوية في أعماق الأنسجة العضوية، وتوجه العلاقات الفيزيائية بين الأحياء والعالم الخارجي بشكل معجز، يجعل من «دارون»، صاحب نظرية النشوء والارتقاء، يقول قولته المشهورة: «كلما تذكرت الوقت الذي فكرت فيه بتركيب العين هزتني قشعريرة، أنا لا أعتقد أنه ليس ثمة إله للكون!».. ويجعل رئيس أكاديمية العلوم في أمريكا يقول: «إن وجود الخالق تدل عليه تنظيمات لا نهاية لها، تكون الحياة بدونها مستحيلة».

إن الفكر الغربي يناقض نفسه -حقًا- عندما يفترض الطبيعة مصيرًا أوحد لالتزام الإنسان وفاعليته، ألم يشر «أوغست كومت» نفسه إلى دورية هذا الالتزام وأنه لا يقف عند قيمة من القيم، بل هو التزام دائر كدوران الشمس والقمر؟ لقد تطرف الفكر الكلاسيكي والأوروبي الوسيط في إيمانه بالقيم الفوقية والعلم اليقيني، وجاء الفكر الطبيعي ليتطرف في إيمانه بالقيم التحتية والعلم التجريبي، ثم جاءت «البراغماتية» لتوفق بين الاتجاهين وتطرفت هي الأخرى نحو المادية النفعية. 

في الإسلام لا يرتبط النشاط البشري بجانب واحد من هذه الجوانب، بل هي جميعًا تتناسق وتتكامل وتنسجم لتشكل أخيرًا مصير الإنسان المتفرد الموحد، وتلك هي إحدى الميزات الأساسية التي تفرق هذا الدين عن سائر المذاهب والعقائد والفلسفات.

الرابط المختصر :