; المجتمع الثقافي (العدد 1694) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1694)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 25-مارس-2006

مشاهدات 64

نشر في العدد 1694

نشر في الصفحة 52

السبت 25-مارس-2006

الحقيقة الكامنة

أميمة أحمد الجلاهمة 

«المد الإسلامي هو اتجاه عام وليس اتجاها متطرفًا، هو دين منفتح وليس منعزلًا» هذه العبارة جاءت على لسان صامويل هنشتنجتون، فالصحوة الإسلامية في نظره ترى نفسها يقظة شاملة في كافة الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية والفكرية.

لقد قرر المسلمون أن يجدوا الحل لا في الأيديولوجيات الغربية التي ثبت فشلها، بل في الإسلام، ففي حين قبلوا بالمعطيات الحضارية الغربية وأقبلوا على فهم أبجدياتها، رفضوا التعاطي مع ثقافتها وقيمها في حال تتعارض مفرداتها مع معطيات الدين الإسلامي، لقد أرادوا أن يتطوروا ولكن ليس بالضرورة أن يستغربوا.

مجتمع عادل:

لقد أكدت كارين أرمسترونج هذا التوجه الإسلامي في كتابها المعنون بـ«الإسلام» حيث قالت: «في الغرب المعاصر، قمنا بوضع حدود فاصلة بين الدين وبين السياسة، أما في الإسلام، فإن المسلمين، قد أوكل لهم كتابهم المقدس «القرآن» مهمة تتمثل في إيجاد مجتمع عادل متساو في كل أركانه، بحيث يعامل الضعفاء بكل احترام، وسيعمل بناؤهم لمجتمع كهذا واستقرارهم فيه على منحهم صلة حميمة بكل ما هو مقدس في حياتهم لأنهم سيعيشون وفقًا لوصيته وإرادته، بالتالي فالدولة الإسلامية لم تكن معزولة عن الروحانيات ولكنها كانت تمثل العقيدة نفسها».

وفي دراستها عن الرؤية الإسلامية للاقتصاد ذكرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: «تختلف المفاهيم الإسلامية عن الرأسمالية في أنها تعارض كنز الثروات، وعن الاشتراكية لأنها تنكر حقوق الملكية، بما فيها ملكية وسائل الإنتاج، فالمجتمع الإسلامي الصحيح ليس بأي حال من الأحوال حلبة تتصارع فيها المصالح المختلفة وتتناحر، بل إنه مكان تسوده العلاقات المنسجمة التي يمكن تحقيقها والوصول إليها من خلال الإحساس بالمسؤوليات المشتركة، ولا بد لحقوق الأفراد أن تكون متوازنة مع مصالح المجتمع بأكمله على نحو متساوي»..

استهداف الإسلام سبق أحداث سبتمبر: 

إن استهداف القوى الغربية للإسلام كطريقة بديلة للحياة الغربية صريح ومكشوف منذ إنهيار الإتحاد السوفييتي، وقبل أحداث 11 سبتمبر، ووفقًا لما ذكره صامويل هنتنجتون: «فإن واحدًا من أكبر مسؤولي إدارة كلينتون أشار إلى الإسلام على أنه المنافس العالمي للغرب» كما أكد هنتنجتون نفسه: «أن الصراع بين الغرب والإسلام أمر مفروغ منه، فطالما بقي الإسلام هو الإسلام، والغرب هو الغرب فإن الصراع الرئيس بين حضارتين عظيمتين وطريقتين مختلفتين في الحياة سيبقى يميز علاقتهما في المستقبل»!

الحقيقة أن العداء الغربي للإسلام لا يجد مبرراته في قيم هذا الدين وأهدافه، ولا في التطرف الذي ألصق به دون غيره، فالتطرف سمة عامة شملت معظم الأديان، وكان التطرف الإسلامي آخر الداخلين في دائرته، وهذا ما أكدته أرمسترونج بقولها: «إن الإعلام الغربي يثير انطباعات بأن التشدد والتزمت الديني الذي يتسم بالعنف ويسمى التعصب، هو ظاهرة إسلامية بحتة، لكن الحقيقة هي أن التعصب ظاهرة عالمية طفت على السطح في كل الأديان الرئيسة، فهناك تعصب يهودي، وتعصب مسيحي، وتعصب هندوسي، وتعصب بوذي بل وتعصب كونفوشي» وتضيف أنه «من بين الديانات الثلاث- اليهودية والمسيحية والإسلام- كان الإسلام آخر الأديان التي ظهر فيها التيار المتعصب أواخر الستينيات والسبعينيات، وفي ذلك الوقت، كان التعصب قد أخذ من المسيحيين واليهود كل مأخذ».

 إذا كان الحال كما تقول أرمسترونج وهو كذلك، فالتعصب، أو الحرب على الإرهاب ليس السبب الرئيس وراء التدخل السافر للحكومة الأمريكية، وحلفائها، في الشؤون الداخلية لدول الشرق الأوسط والعالم الإسلامي!.

اختلاف الثقافة ليس سببًا للنزاعات:

 يرى المسلمون أن دينهم نظم علاقتهم بالآخر تنظيمًا لا يجوز لهم الخروج عنه، وإلا عد ذلك خروجًا عن السياق الإسلامي يستوجب العقوبة، لقد وصل الأمر بسمو هذا الدين أن أوجب على الأبناء بر الوالدين، مهما كانت ديانتهما، ولو كانا يجاهدان أبناءهما لإخراجهم من الإسلام، قال تعالى: ﴿ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ (سورة لقمان آية: ١٥).

 إذا ما الذي حرك الترسانة الغربية بأقلامها وجنودها ومؤسساتها السياسية والاقتصادية باتجاه العالم الإسلامي؟ وإن لم تكن الحرب المزعومة على الإرهاب، فهل الموقع الاستراتيجي الذي يتمتع به العالم الإسلامي في قلب العالم هو السبب؟ هل سيطرته على الممرات المائية الهامة، هي المحرك الأساسي لأطماعها؟ أم هي الموارد الطبيعية التي تزخر بها تلك الأراضي؟ أم أن ما تتمتع به هذه الشعوب من خصوبة، يعد في المفهوم الغربي خصوبة مفرطة يجب كبح جماحها؟

لقد أكدت دراسات غربية للتركيب السكاني للعالم خلال العقود الماضية الخطورة الكامنة خلف تكاثر العالم الإسلامي مقارنة بانخفاض المواليد في العالم الغربي، وإليكم بعض هذه النتائج، ففي عام ١٩٦٠م، شكل المسلمون ١٢.٤% من سكان العالم، استمرت هذه الزيادة لتصل إلى 15.3% عام ۱۹۷۰م، و١٦,٥% عام ١٩٨٠م، و١.١٧% عام ١٩٨٥م، و١٩,٢% عام ۲۰۰۰م، ومن المتوقع أن يصل تعدادهم عام ٢٠٢٥م إلى ما نسبته ٣٠٪ من سكان العالم!! في حين نصت هذه الدراسة على أن العالم الغربي المسيحي في تناقص مستمر، فقد وصل تعدادهم إلى ما نسبته 29.7% عام ١٩٨٤م، و٣. ٢٩% عام ٢٠٠٠م، ومن المتوقع أن يتقلص تعداد سكان العالم المسيحي الغربي في عام ٢٠٢٥م ليصل إلى ۲۵% أي أنه في ٢٠٢٥م وفقًا لهذه الإحصاءات فإن سكان العالم المسلمين سيفوق عددهم سكان العالم المسيحيين. 

يكفي للاستدلال على أن تكاثر المسلمين بمفهومهم المختلف للحياة يدخل في نطاق إهتماماتهم، الإشارة إلى أن إجازة الأمومة في بعض الدول الغربية تعتمد على عدد الأطفال فتزيد بزيادة عدد الأطفال، وهي فيها مدفوعة الأجر ١٠٠٪، بل إن بعض تلك الدول منحت الآباء إجازة أبوة ليتمكن الآباء من تقديم العون المادي والمعنوي للأم ووليدها، في حين يعملون على نشر فلسفة تحديد النسل في الأوساط الإسلامية، ويسخرون في سبيل ذلك كل الطاقات البشرية والمادية، بل وقد تفرض بكل وسائل الضغط على بعض سياسات العالم الإسلامي!

أخيرًا:

اعتقد أن ما وجه للمملكة العربية السعودية حول وضع الحرية الدينية، القصد الحقيقي من ورائه ينصب في صراع الحضارات الذي أشار إليه هنتنجتون، ولا علاقة له البتة بعناوينه الرئيسة المعلنة. 

ولنتأمل ما قاله هنتنجتون: «إن المشكلة بالنسبة للغرب ليست في التطرف الإسلامي، بل في الإسلام كطريقة مختلفة للحياة اقتنع المسلمون بسموها وتفوقها على غيرها»!.

واحة الشعر

لواعج الرعود

لوعت يا زمن الوعود ضلوعًا***ونكأت فيها عاشقًا مطبوعًا

أذكيت في الأعماق حماي التي***نهدت ذهولًا داميًا ودموعًــا

ونزعت ترجيع النحاوى من دمي***أسفًا وأمليت الفؤاد هزيعًا

ورسمتني يا وعد، نايا لم تصغ***في راحتيه اللحن والتقطيعًا

لم تروفي الحب.. لم ترو المنى***في أضلعي أما تَضمَ رضيعًا

أبديتني للأفق وجهًا عابسًا***وسترت وجها بالجمال ولـوعًــا!

هيأتني للائمين وما دروا***أني إلى الذكرى أحن رجوعًا

مهما تلف دمي الماسي.. إنني***صب تثور صبابتي ترجيعًا

أهوى ربى الإبداع أبني بالرؤى***بيتاً من الحرف الرصين بديعًا

إن لم أجد حبرًا أخط به الهوى***حبرت من جسدي النحيف نجيعًا

زمن الوعود الراكضون هناك ما***فتئوا هنا يستمرئون خُنُوعًا

أغضوا إنهمار النابهين وأسرفوا***في الصمت حتى لوثوا الينبوعًا

عشقوا التذاذ الروح.. والأقصى أعب***فؤاده.. من يعلك التطبيعًا

يقتات سم المترفين ويكتوي***ألما.. يضم الخوف والترويعًا

يدمي زواياه الأسى والقائم***الحجري يحسو خسة وخنوعًا

جرح تعتق في مدانا.. والنهى***تحني النواصي ذلة وخضوعًا

قومي.. أصول اليعربية عندما***تهمي الرزايا تستحيل فروعًا

من ذاق قومياتنا لن يرتجي***حصناً- إذا انتضت الخطوب- منيعًا

ما ساد في الدهر الشتات وإنما***لفح الشتات يفرق المجموعًا

هي ذي الحياة شواهد.. ما كل من***أبدى التأنف شامخًا ورفــيــعـًا

أو كل من أشجاه بعد ترابه***فبكى وألهبه الحنين وضيعًا

في عتمة الليل البهيم تنزل الـ***رحمات... تتقد النجوم طلوعًا

تتلو طيوف الانتفاضة نشوة الـ***نصر التي ثملت سنى وخشوعًا

من فتية قرؤوا الحياة فانسوا***من جانبيها مجدها المنزوعًا

فتعشقوا سبل المعالي.. واستد***ذُوا الفقر- حين بدا لهم- والجوعًا

قبسوا من البرق الطموح لموعًا***ومن الرعود اللاعج المسموعًا

لثموا شتاءات الردى حتى غدًا***في دربهم صيف الحياة ربيعًا

الشمس لن تسطيع أن تهب السنًا***في حلهم والبدر لن يسطيعًا

ما استرهبوا لجج الظلام وإنما***يبنون في جوف الظلام شموعًا

جعلوا جوانحهم شظايا.. والأما***ني أسهمًا.. وجوى النفوس دروعًا

في دفة التاريخ هم صفحاته الـ***بيضا.. تراهم سجدًا وركوعًا

سترومهم زهًا يضوع.. وبلسمًا***يشفي.. ونوراً للحياة جميعًا

مثقف السلطة معارضًا:

خلط الأوراق.. وغياب الحقيقة!

د. حلمي محمد القاعود 

  • مناخ الاستبداد يتيح لمثقفي السلطة الطعن في دين الأمة ومعتقداتها.

إن مؤلف «الرهان على المستقبل» في مقالاته التي تتناول حوادث سياسية، أو ثقافية، أو أدبية، ترتبط بمناسبات أو شخصيات، يسعى إلى لعب دور المعارض أحيانًا، فيجنح إلى إشارات مقتضبة حول السلطة وممارساتها القمعية، ولكنه في مقابل هذه الإشارات المقتضبة يطنب في الحديث عن العنف الموازي الذي تمارسه المجموعات الإرهابية التي ترفع راية الإسلام، ويهجوها من خلال تعميم غير علمي، بإسناد نقائص وعيوب ترقى إلى درجة الجرائم التي تضاف إلى جريمة العنف، معتقدا أن هذه العيوب وتلك النقائص من خصائص الحركة الإسلامية والإسلام جميعًا، مع أن مجموعات العنف التي يشير إليها قد تمت السيطرة عليها، وقمعها، وإدخالها إلى السجون والمعتقلات، وبلغت أعدادها عشرات الألوف، ومعهم من لم يقترف ذنبًا ولا إثمًا، فمنهم من حوكم وقضى مدة عقوبته، ومنهم من لم يعاقب، وبقي الجميع سنوات طوالًا في «قعر مظلمة» بناء على قانون الطوارئ، أفرج عن بعضهم مؤخرًا.

إنه- أي المؤلف- يصف الحركة الإسلامية كلها من خلال مجموعات العنف فيراها استبدلت النقل بالعقل، والإتباع بالابتداع، والتعصب بالتسامح، والرصاصة بالكلمة، والخنجر بالفكرة، والقنبلة بالكتاب، وهو ما يدفعه ومن معه إلى التمسك بإبداع الكتابة الذي يراه متمثلًا في مجموعة من الأدباء- وكلهم من اليسار- في مقدمتهم: سعد الله ونوس، رضوى عاشور، أدونيس، محمود درويش، رؤوف مسعد، إدوار الخراط، جبرا إبراهيم جبرا، إبراهيم الكوني، سعدي يوسف، أمين معلوف، عبد الرحمن منيف.

حملات القهر:

ومن المؤكد أن المجموعات الإرهابية لا تستطيع أن تمنع كاتبًا أن يكتب، والثقافة الإسلامية على امتداد التاريخ، أتاحت لخصومها أن يكتبوا ما يشاؤون، ولم تصادر كتبهم أو تحرقها، بل إن علماء الأمة ومثقفيها كانوا أقوى من حملات القهر والمصادرة، ويأتى الأئمة الكبار، ومن قبلهم التابعون في التصدي للجبروت، والتمسك بالمعتقدات، ومقاومة الظلم «سعيد بن جبير، الإمام مالك، الإمام أبو حنيفة، الإمام أحمد بن حنبل، الإمام ابن تيمية، سلطان العلماء العز بن عبد السلام، الإمام المراغي، الإمام عبد الحليم محمود...».

ثم إن وصم الإسلام من خلال المجموعات الإرهابية بصفات ليست منه، هو أمر نربأ بالمؤلف أن يصر عليه، خاصة بعد أن انتهت موجات العنف والعنف المضاد، ولم يبق إلا الإسلام أول من أعلى من شأن العقل، وذكره في القرآن الكريم مرات عديدة وأشاد بمن يستخدمونه ويحركونه، أما النقل فيأتي الإيمان به عن طريق العقل، والنقل في الثقافة الإسلامية يعني القرآن الكريم والسنة المطهرة، ولا يستطيع أحد أن يلغي النقل لحساب العقل الذي يتقاصر عن فهم حقائق الكون جميعًا، فضلًا عما وراء الطبيعة، أو العالم غير المرئي والإتباع في شريعتنا واجب، خاصة في أمور العبادات، والاجتهاد له ثواب حتى لو أخطأ صاحبه، والتسامح أساس العقيدة، ما لم يكن هناك عدوان عليها أو تحرش بها، فلا تحريم للإبداع إذا لم يخالف ثوابت الدين، ولا إقرار للتعصب تحت أي ظرف من الظروف ما لم يكن لرد العدوان، ولو كنا متعصبين حقًا لديننا وأوطاننا، ما جرى لنا ما جرى، من هزائم وانكسارات وانتكاسات، ولكننا فرطنا وأهملنا وتخاذلنا وفررنا من الميدان!

 الإسلام لا يقر العدوان ولا الإرهاب، وأيضًا لا يقر الديكتاتورية، ولا الاستبداد، ولا الطغيان ولا قهر الشعوب، ورحم الله عمر بن الخطاب، حين قال لعمرو بن العاص: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟

هموم الأمة:

إن إبداع المجموعة اليسارية التي يُشيد بها مؤلف «الرهان على المستقبل»، يقف بجانبه إبداع آخرين لا ينتمون إلى اليسار، وهو إبداع أقرب إلى همومًا الأمة وقضاياها، وأقدر على الوصول إلى قلوبها وعقولها، ولكن تعصب المؤلف لمجموعته، هو الذي يجعله لا يرى غيرها، ولا يشيد بسواها، مع أن أدب بعضها يدخل تحت بند الهذيان وأدب البورنو، والتعصب الطائفي الرخيص والولاء الخائن للاستعمار!

ومثلما يدافع المؤلف عن إبداع المجموعة اليسارية، يتبنى الحديث عن قضايا نصر أبوزيد، وسيد القمني، وحسن حنفي، وفرج فودة، وعبد القادر علولة، وجار الله عمر، ولا بأس أن يدافع عن هؤلاء، خاصة أن بعضهم تعرض لعملية اغتيال أودت بحياته أو خلفت آثارًا لا تُمحى لديه.

مناخ الاستبداد:

إن أي عاقل يدين العنف، ويرفضه، ويدعو إلى معاقبة مرتكبيه، ولكن علينا أن نبحث عن المناخ الذي يسمح لأحداث العنف أن تجري، والأسباب التي تحرك مرتكبي جرائمه، إنه مناخ الاستبداد، وأسباب القهر العام الذي يسحق الإنسان ويهدر كرامته بدءًا من الزنازين المظلمة حتى طوابير الخبز أمام الأفران والأكشاك.

إن مناخ الاستبداد هو الذي يتيح لمجموعات من مثقفي السلطة أن تطعن في دين الأمة ومعتقداتها «لا أن تفكر أو تجتهد أو تبحث أو تحاور»، ولا تكتفي بهذا الطعن، بل تريد أن تفرض أفكارها ورؤاها بالقوة على الملايين، ولا تسمح لأحد أن يناقشها أو يرد عليها، لأنها بحكم الاستبداد امتلكت وسائط التعبير والاتصال، التي هي أصلًا ملك الجموع الشعب أو أبناء الأمة، وكان هذه المجموعات تخرج لسانها للناس ولسان حالها يقول: فكرنا هو المهيمن ولا فكر غيره، والمعترض يخبط رأسه في الحائط!! ولكن الناس بدلًا أن يخبطوا رؤوسهم في الحائط يلجؤون إلى أحد أمرين: العنف أو القضاء، وإذا كان الأول مستهجنًا ومرفوضًا، فإن الآخر هو الحل المتحضر، حين تغلق أبواب التعبير أو توصد مسالكه، ولنأخذ على سبيل المثال قضية «نصر أبو زید».

لجنة الترقيات:

لقد كانت قضية معتادة، يتقدم أستاذ جامعي للترقية فترفض اللجنة المختصة الأسباب مقنعة أو غير مقنعة، وعادة تتقبل الجامعة التي ينتسب إليها الأستاذ هذا الرفض، لأنها ترى أن الفرصة متاحة له كي يتقدم مرة ومرات حتى تتم ترقيته- ولكن المجموعة اليسارية التي ينتسب إليها نصر، رأت في ذلك انتقاصًا لها وتحديًا من لجنة الترقيات، ولأنها تملك وسائط التعبير والاتصال في الصحافة والإعلام، فقد قام الكاتب الراحل «لطفي الخولي» بنشر تقرير اللجنة في «الأهرام» على صفحة «الحوار القومي» وتبعته «روزاليوسف»، مع التقرير المناقض الذي صدر باسم مجلس قسم اللغة العربية بآداب القاهرة، وكان يرأسه في الوقت «جابر عصفور»، وأيد مجلس كلية الآداب ما توصل إليه قسم اللغة العربية، وتم رفع التقرير إلى مجلس جامعة القاهرة الذي لم يوافق على تقرير كلية الآداب القاضي بالطعن في قرار اللجنة والمطالب بترقية الأستاذ.. وما بين اجتماع مجلس قسم اللغة وقرار مجلس الجامعة، كان الموضوع قد تداولته الصحف والمجلات والإذاعة والتلفزيون داخل مصر وخارجها، خاصة أن قرار مجلس الجامعة اعتمد على تقرير آخر «محايد» سجل قصورًا شديدًا، وأخطاء فادحة في أبحاث الأستاذ المتقدم إلى الترقية.

موضوع علمي:

لم تعد القضية، وقد صارت قضية رأي عام، مجرد موضوع ترقية، ولكنها تحولت إلى موضوع علمي يمس صلب العقيدة الإسلامية، لأن الأستاذ فسر بعض القضايا الثابتة تفسيرًا يدخله في دائرة ملغومة، وهو ما ترتب عليه الحكم القضائي بالتفريق بينه وبين زوجه.

كان الحكم خاتمة لصراع غير متكافئ، راح ضحيته الأستاذ، بينما أنصاره لم يمسسهم سوء، لأنهم يمارسون قهر أساتذة آخرين من خلال لجنة الترقيات بصفة اعتيادية، ولا يتحداهم أحد، ولا يعترضهم أحد، ولكن دخول الجمهور إلى ساحة المعركة التي شنها هؤلاء الأنصار، وضع الأستاذ في موضع لا يحسد عليه، وألحق بهم هزيمة غير ساحقة، جعلتهم ينتقمون من غير الموالين لهم بصياغة «نظام جديد» للترقيات، يحرم غير الموالين من الترقي، وهو النظام الذي تعدل فيما بعد، حين تولى وزارة التعليم العالي الدكتور مفيد شهاب، بعد إدراك سلبيات النظام ونزعته الانتقامية.

لا شك أن «جابر عصفور» يعلم أن الإرهاب أو المجموعات الإرهابية ليست مسؤولة عن التخلف الشنيع الذي يعيشه الوطن، فالكيان النازي اليهودي في فلسطين المحتلة، يحارب يوميًا، ومع ذلك ينتج ويبدع ويقوى ويفرض شروطه وإرادته على الآخرين، إن التخلف له أسبابه الواضحة ومنها قصور النظام التعليمي وفساده البشع، وخاصة في العقدين الأخيرين، ولو أنه أنصف عند تناوله لكتاب الوزير السابق للتعليم، لتحدث عن إفساده للتعليم المصري، وتحويله إلى حقل تجارب فاشلة، جعلت الطلاب مجرد دمی تردد ما يلقى على أسماعها ثم تلفظه بعد انتهاء الامتحانات، ولا يبقى منه شيء في أذهانها، فضلًا عن تجريدها من الضمير الديني والحس الوطني، بإلغاء التربية الدينية عمليًا، ومادة التاريخ- فالأولى لا تضاف إلى المجموع، فلا يستذكرها الطالب، والثانية تُدرس اختياريًا فيهرب منها الطالب.

اكتفى «جابر عصفور» بالإشادة بكتاب الوزير، ومحتوياته، دون أن يناقشه، أو يبحث فيما وراءه، مع أنه يعلم أنه كتاب نظري إنشائي لا وجود لأفكاره على أرض الواقع حتى لو أشاد بما سماه شجاعة الاعتراف بالسلبيات التي ينسبها إلى الوزير.

 

الرابط المختصر :