العنوان القضاء الإسلامي.. وجه ما أنصعه!
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1981
مشاهدات 67
نشر في العدد 517
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 24-فبراير-1981
* العلماء والقضاة كانوا يمثلون مركز القيادة في المجتمع المسلم
القضاء الإسلامي.. وجه ما أنصعه!
تعددت الميادين في الحضارة الإسلامية تنوعًا وتوافرًا وثراءً ووضاءة، تقوم على العقيدة الإسلامية الربانية كلها وترتبط بشريعتها السمحاء، تنطق بها وتشير إليها وتقدم ثمارها، وكل ذلك واضح لذي بصيرة منصف مقدام، يمر ولو عابرًا بالحياة الإسلامية المنيرة التي وعت وحدها إنسانية الإنسان بحقيقتها وأصالتها وعمقها في كل جانب بها تجري وتسير طافحة واضحة مليئة بكليتها حياة المسلمين مزدهرة بسمائها أيامهم منيرة في ظلها مجتمعهم، وذلك صبغة حضارتنا الإسلامية المؤمنة واحدة من ثمار الإسلام هذا الدين الذي أنزله الله رحمة للعالمين، وما حفظته بطون كتب علمائنا تنطق بذلك وتبينه دليلًا مكينًا أمينًا.
إطار ومنظار
وتقديم الحضارة الإسلامية لا بد أن يتم في الإطار الحقيقي الواقعي العلمي، يعبر عن قوتها ويفصح عن طبيعتها ويتسع لأبعادها ويسير أغوارها وصولًا وحصولًا وحقولًا، لا يصلح لذلك أي أسلوب يكون متمشيًا مع غيرها تختلف عنها، فلكل فن أسلوبه وعلم أدواته وحياة حالها وحضارة طبيعتها وخصائصها ومقياسها واعتبارها وقوانينها ومقوماتها وطريقة تعبيرها وسعة آفاقها مما يجعل دراسة الحضارة الإسلامية تقوم على طريقة خاصة بها تتناسب ومواصفاتها وتنسجم ومقوماتها وتتلاقى مع خصائصها وتستجيب لمتطلباتها كي تستطيع الغور والغوص وقوة التصوير وصدق التعبير والإفصاح عن حقيقتها ومعرفة بيئتها وإجادة فهمها والتطلع إلى إدراك أبعادها.
وعليه فلا بد أن يكون تناول هذه القضايا بطريقة ونظرة ومواصفات وإمكانيات خاصة بها متفردة مثل تفرد الحضارة الإسلامية وخصوبتها وسموها. حيث إن هذه الحضارة نبتت في جو العقيدة الإسلامية واستمدت منها وترجمت عنها وعبرت عن ندائها وأضاءت بنورها، وهي التي رسمت الحياة الكريمة وأقامتها وصاغتها بكل فنونها وألوانها وميادينها، فأثمرت وأزهرت على الدوام وبلا انفصام في تناسق وانسجام، فكانت منبعًا ومرتعًا ومهيعًا، فالعقيدة الإسلامية أساس البناء وشريعتها النقية البيضاء تمد النماء بقوة عريقة حقة أصيلة إشراقًا وإغداقًا بلا مثيل وبغير بديل في كل الأحوال متفردة بكافة أحوالها سامية عالية نامية.
والحضارة الإسلامية هي وحدها حضارة الإيمان والالتزام والدقة والأمانة للاستمرار في ذلك وحده دون أي اعتبار، وهو أمر لا يكون إلا في الإسلام لعقيدته الربانية وشريعتها الإلهية الحقة.
الربانية وإنسانية الإنسان
وليست الحضارة الإسلامية فقط دراسة الإنتاج المتنوع وحده بل مثلًا وأهم دراسة الحياة الإنسانية في مجتمعها، الذي كان ذلك الإنتاج–كما وكيفا ونوعًا–إحدى حصائلها فكيف أن يدرس بعض هذا الإنتاج مجرداً بعيدًا عن أصله وفي غير جوه ومحرومًا من مائه وإشراقات ضيائه بل لا يكفي دراسة هذه الحياة عن طريق الإنتاج المتنوع الكريم، بل لا بد من دراسة الحياة الاجتماعية والسلوك الإنساني وأسلوب التعامل والنوعية الخلقية والعلاقات الإنسانية ونوع البنية لمعرفة هذه العقيدة السمحة وروعتها وقيمتها الفريدة وقيمتها المتفردة وضرورتها الملحة اللازمة والحتمية الخيرية والفطرية فيها.
فالحضارة الإسلامية مصدر الإنسان المتحضر والإنسانية المتحضرة وقوامه المبنية على العقيدة الإسلامية وشريعتها المشرقة، فلا حضارة إلا حين تفلح البشرية في إقامة هذا اللون من البناء لإنسانية الإنسان بربانيتها وفطرتها الإلهية وعبوديتها الله رب العالمين، كاملة شاملة دائمة، وهو الطريق الوحيد الفريد المجيد.
وبذلك يمكن التعرف على المعجزة التكوينية البنائية في حياة الإنسان وبه نستطيع كشف هذا التفرد الحياتي الإنساني المؤمن بدين الله سبحانه ومعرفة فرائده وبيان خصائص الدعوة الإسلامية ومقوماتها ودقتها وعمقها وكرامتها في معرفة الإنسان وتقويمه وتقدسه وهو الأسلوب الوحيد ممكن فهمه والاقتداء به والدعوة إليه ولمثله تكون أهدافها البناء والاهتداء، وبه نفهم أن الحياة الحقة دنيا وآخرة تلك التي يكون أساسها ومقومها العقيدة الصحيحة في الله تعالى خالصة في كل حال واتجاه وابتناء الأشياء والأحياء كافة عليها والقيام بشريعتها عبادة الله تعالى رب العالمين وزيادة لبني الإنسان خليفة الله في أرضه وكل ما عداها لا يورث غير الشقاء والانزواء والفناء فهي وحدها المنقذ وفيها الخير كله ولا صلاح بدونها.
( ﴿فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلحَقُّ فَمَاذَا بَعدَ ٱلحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُ فَأَنَّىٰ تُصرَفُونَ﴾ (يونس :32)
الحضارة البارة الطهور
في حياة المسلمين والحضارة الإسلامية وتاريخها الباهر قصص وأحداث ومواقف ذات طعوم وألوان كلها طيب حملت نكهة خاصة متميزة متفردة. وهي كثيرة مليئة بالحياة حركة ومعنى ورفعة إنسانية، رقة وجمالًا، حتى أيام العسر فيها والشدة وكذا الضعف والحيرة، ظلت ماضية تموج بتلك الصور، بل هذه كلها كانت تظهر الجوهر الأصيل والمعدن الصافي إذ تفيء إلى عقيدتها الربانية وتهرع إلىشريعتها الإسلامية.
والواجب اليوم– ونحن ندعو إلى نهضة إسلامية، ابتداءً من الفرد والأسرة إلى المجتمع والدولة، فالعالم– أن يتم تناول صفحات هذه الحضارة الإسلامية الفاضلة ودراسة أحداثها معتمدين على المناهج العلمية الحقة الأصيلة والأمان النزيهة والمتابعة الصابرة لاستخراج حقائقها الوضيئة من بطون مراجعنا الثرة الغنية رغم ما ذهب منها وافتقد وعرضها بلمعانها لتكون قدوة ومثالًا تخدم الهدف العام في بيان الإسلام.
والمادة العلمية في ذلك كثيرة تزداد كل يوم توافرًا لما ينشر من كتب كانت مدفونة أو مفقودة.
وكل الميادين في حضارتنا الإسلامية مرتبطة بأصول العقيدة والشريعة وبعضها ما زال بحاجة أشد من غيرها إلى الخدمة والعناية لتظهر على طبيعتها تحمل القوة والنصاعة بجانب وفرة مادتها وعطر هدايتها، ومن هذهالميادين القضاء الإسلامي.
مكانة القضاء والعصور
ظل القضاء الإسلامي – وعبر عصور التاريخ الإسلامي، وفي أحواله كلها– وجهًا ناصعًا شديد النصاعة وتحكمًا عالي الراية وإشعاعًا بالغ القوة في أحواله ورجاله وكافة أهله وفي مكانته وحياته وفي قوته وروعته، يحوز الاحترام من الكافة كبارًا وصغارًا نساء ورجالًا، كان موئلا يلجأ الناس إليه في المجتمع الإسلامي مسلمين وغير مسلمين يحق الحق لأهله ويوصله لطالبه وغير طالبه كائنًا من كان في الظروف لا سيما وقت الشدائد، وقيادة يهرعون إليه عند الأزمات يملك الزمام ويقود الجموع ويدعو الجماهير المتطلعة إليه الواثقة به المؤيدة له لتقف بإباء مع الحق تحميه وتعليه تنافح عنه وتكافح من أجله حتى يسقط الباطل ويزول ويرعوي الجاهل ويؤول إلى الرشد، وتصفو الأجواء وتلمع الأنواء.
وكان القضاء، وأمثالها، خطة وعمالًا على الدوام يرقب الأحداث ويوجه نحو الخير بكل وسيلة. وكان المثال الأصيل والقدوة الرفيعة، التزامًا بشرع الله وخضوعًا لأوامره وورعًا في تقواه في التصرفات وغيرة على حدود الله، يتعبدونه بذلك ويتقربون إليه سبحانه طاعة مفروضة عينًا رغبة من آل رغائب ثمرة من ثمار الوقوف بين يدي الله سبحانه والتوجه إليه ونفض ورفض كل عبودية لما سواه والخضوع الكامل للعبودية الصادقة لله رب العالمين.
والتاريخ الإسلامي وحضارته مليئة الصفحات بيضاء ناصعة مزهرة كثيرة الكتب وفيرة النتاج عن هذا الجانب وأمثاله، أحمالًا وعن كل موضوع آخر.
كتبه وإنتاجه
وهناك الكتب المتخصصة في الحديث عن القضاء بلهجة العامة تناولت كل جانب منه شرعًا وواقعًا به ناطقًا وعليه قائمًا وإليه داعيًا شرحت هذه التصانيف أموره وفنونه ومهماته وخططه واختصاصاته ومؤسساته مثلما تناولت إعلامه ورجاله بالترجمة الأمينة والمعلومات الرصينة والبيان الدقيق، تغمره الدسامة ويسمه الغنى مع اعتبار قضية مهمة تعتبر ظاهرة في الحضارة الإسلامية ذلك أن لقبًا مثل القاضي والعالم لا يحمله صاحبه إلا بعد اجتياز الاختبار ليس العلمي فحسب بل العملي السلوكي في الحياة وهو أهم وأقوم، فلا يحمله إلا من ثبتت كفاءته العلمية والعملية وكان منفذًا للشرع الذي يستدل عليه بمواقفه، فلا غرور ولا تغرير ولا خداع أو ادعاء.
أهل القدوة والمثال والآمال
كان القضاة من الذين اشتهروا بالفقه والورع إلى حد الحيطة، خوفًا من الله تعالى وعقابه بحيث جعلهم– أحيانًا وفي ظروف– يبتعدون عن كل منصب– ومنصب القضاء– لما فيه من مسؤولية تأثمًا مما قد يقعون في غير الحكم الحق قد يجهلون ظروفه أو يفوتهم جلاؤه أو يرون أنهم ليسوا لها أكفاءً – ولو تواضعًا– وفي المجتمع المسلم من هو أكفأ منهم. وقد يكون بعض ممن استعفى من أكفأ من يملأ هذا الموضع لكنه تحرجًا وتأثمًا، وكم من القضاة الأعلام كلفوا به ففروا واختفوا وبعضهم سجن ولم يلن وبعضهم دعا على نفسه بالموت طلبًا للنجاة من هؤلاء، وفرارًا من الوقوع فيما قد يغضب الله تعالى ويبعد عن رضاه أين هذا ممن يلهثون وراء المناصب لا يبالون بالسبيل الموصل إليه؟
ولم يقتصر المجتمع الإسلامي على هذا اللون من الخيرين الهداة بل هو ملجأ أجيال منه وأجيال، وفي أصعب العصور مشاكل وأشدها غيومًا كانت فئات أخرى كذلك تعمل للإسلام من عموم علمائه ومعلميه ورجاله ونسائه تفتديه، فنرى جهودهم التي تحمي المجتمع وترعاه، وعما قريب نرى أعلامهم منيرة تقود السفينة إن شاء الله تعالى.
ومع أن القضاة– وأمثالهم وغيرهم– لم يكونوا يملكون سلطة إدارية أو سياسية ذات تأثير رسمي على الناس لكنها أحد الأصناف التي كانت لهم الكلمة المتقدمة النافذة في المجتمع وفي الحكام كذلك أهل السلطة. مثلهم مثل أصناف أخرى كالعلماء في المجتمع المسلم تمثل مركز القيادة والتوجيه والتأثير الأصيل المرتبط بالدفع الذاتي الإيماني للناس والرفق الأصيل للنفس المسلمة للمجتمع، وهذا يلمسه بوضوح مراقب الأحداث المعاصرة في بعض بلدان العالم الإسلامي الواسع رغم ما أصيب به هذا العالم حاليًا من ذهاب خلافته وإزالة قوته بل والوقوف ضد تياره في بعض العالم الإسلامي من قبل سلطاته ونحفظ العديد من القصص المشهورة التي تتذكر أحداثها ونرى وقائعها.
وإن هذه الأصناف من أعلام المجتمع المسلم عالية المكانة لأنها أكثر ارتباطًا وإدراكًا لمتطلباته ومقتضياته من أي صنف آخر بل حاملة راية هذا الارتباط الحق والحقيقي ببقية المجتمع ومقوماته الشرعية ومنتماه الذي يرتبط به ويؤول إليه ويفتديه.
وأكثر فقهًا فيه وحرصًا عليه وعملًا له وتمثلًا به فكانت لهم القيادة وفيهم الريادة، فهم الحكام الحقيقيون للمجتمع وقادته الأصليون. فكان الحكام يكرمونهم ويسعون إليهم. ويسألونهم الرأي والتأييد ويعتبرون مواقفهم ويرتضون رأيهم تقديمًا لها وأخذًا بها نبوغًا من الشرع ونبوغًا في فقهه وورعا في بيانه وأخذه وأمانته وحمله فقاضي الجماعة ابن رشد الأكبر (٥٢٠ه) جد ابن رشد الفيلسوف كان للناس كهفًا ولقيادتهم في الأندلس مرشدًا وهو حمل رأي أهله إلى أمير المغرب في وقت ترأسه فتلقاهم الأمير بالقبول والاستنصاح، وكانوا أوضح وأصرح ما تعهد في القول والبيان والمواجهة للسلطان، وكم من مرات كثيرة بل وكل المرات مع المعرفة المقدمة بخطورة ذلك إدراك ما تورثه عنده المواقف من تكاليف تقتضي الحياة وتوصل إلى الموت وأجرهم على الله يحوزون جنته ورضاه ويتم ذلك أحيانًا حتى في أمور جزئية لكنها متماسكة ومع التحذير لثقل التكاليف المهددة بالموت في أوقات وذلك شأنهم الفاضل.
ومن الحكام من لم يود ذلك بذاته أو لم يرتضه لتوه، قبله منهم لمكانتهموارتضاه لتأثيرهم أو لقوامته واستقامته، فخضعوا لهم وغلبوا رأيهم الذي قد يفيؤون إليه احترامًا والتزامًا مثلما نعرف من مواقف القاضي والعالم المجاهد العز بن عبد السلام ( ٦٦٠ هـ) وفي أحلك الظروف وأمثاله كثير وكثير جدًا مليئة بها الصفحات عامرة بها الحياة في كل الميادين والأحوال والمواقف.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل