; فرحة القرآن وفرحة تحكيمه | مجلة المجتمع

العنوان فرحة القرآن وفرحة تحكيمه

الكاتب منير الغضبان

تاريخ النشر الثلاثاء 25-مايو-1999

مشاهدات 71

نشر في العدد 1351

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 25-مايو-1999

حاز د. منير الغضبان - بعد مداومة على الدرس استمرت أربع سنوات - شهادة الإجازة في التجويد والقراءات على قراءة حفص، وبهذه المناسبة أرسل د. الغضبان الرسالة التالية إلى شيخه.

سيدي الشيخ أبا عبد الله([1]) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أضع بين يديك مشاعري وأنا أتلقى هذه الشهادة العظيمة من يديك، وقد حاولت أن أصوغها شعرًا فعجزت لأني متعد على هذه الصنعة، ورأيت أن الشعر سيقيدني ويأسر مشاعري، وإن كان الشعر أخلد وأذكر وأنبه.

سيدي الشيخ:

هأنذا أشارف على الستين، ولا أنكر أنني ما شعرت بفرحة غمرتني تعادل هذه الفرحة فقد اتصلت برسول الله r عن طريق شيخي أبي عبد الله، وأصبحت الآن فرعًا في هذه الشجرة النبوية المباركة، إنني الآن أحس بالإسلام إحساسًا حقيقيًّا مباشرًا، وليس فكرًا نظريًّا مجردًا، لقد اتصل نسبي برسول الله r وصرت بهذه الشهادة فردًا غير معزول عن  أهل القرآن بل انضممت إليهم وأنا إذن أتلو القرآن كما يتلوه رسول الله r ويسنده المتصل به ، ويتحرك في فمي ويدور لساني، وأنطق كما ينطق، فإذا كان رسول الله r خاف أن ينسى القرآن، فراح يردده بشفتيه وهو يتلقاه من أمين الوحي جبريل - عليه الصلاة والسلام - فطمأنه ربه أن استمع لكتاب الله ولا تخش النسيان، فالله قد حفظه لك.

﴿لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦٓ  إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ  فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ (القيامة : 16-18) وهأنذا أتبع قرآنه كما اتبعه رسول الله r، كما علمني شيخي أبو عبد الله، وكأني استمع إلى رسول الله r أمين الله تعالى على وحيه في الأرض، فأقرأ كما يقرأ، وأتلو كما يتلو، ولم يعد تلقي للقرآن من مصحف إنما تلقي له من الرجال من شيخي الذي تلقى عن شيخه فتلا كما تلا، ثم شيخه عن شيخه، ثم شيخه عن صاحب رسول الله ، ثم صاحب رسول الله r عن رسول الله r، ثم رسول الله عن جبريل الأمين، ثم جبريل عن ربه جل وعلا.

فأين أنا إذن أنا في هذه الأرض متصل علمًا إلى رب السماء والأرض، اخترق الزمان واخترق المكان وبحثت عن أي علم آخر، وأي شهادة أخرى تلقيتها فيما مضى من حياتي، أو أتلقاها بعد في حياتي تعدل هذه الشهادة بله أن تسمو فوقها فلم أجد، ولن أجد اللهم إلا الإجازة بالقراءات المتواترة وغيرها.

هناك سندان في الأرض ينتهيان إلى رسول الله r سند النسب والاتصال بهذه الشجرة النبوية المباركة، وهي على عظمتها والفخر بها، فلا تذكر أمام السند الثاني، لأنها لا تعني إلا الاتصال المادي هي عظيمة حقًا، ولكنها إذا قيست بهذا السند، فهي المظهر الخارجي له هي الجسد، أما الروح، وأما الحياة، وأما القلب، فهي هذا السند الثاني.

ورسول الله له لم يورث دينارًا ولا درهمًا. وإنما ورث علمًا، فمن أخذه فقد أخذه بحظ وافر، ولا يوجد علم يستطيع أحد أن يدعي بسنده الذي يوصله إلى رسول الله r، إلا سند الحديث الشريف المتصل به لكن سند القرآن أضبط واكد فهو باللفظ نفسه وبالنطق نفسه، أما في الحديث فهو بالمعنى، وهذا نادر أن يتصل برسول الله r أو بعض صحابته، وفي بعض أحاديث، وكثير من هذه الأسانيد تنقطع في جيل من الأجيال، وقليلون اليوم من يتصل سندهم في الحديث برسول الله r.

أما هذه الشهادة وأمثالها فلا يعدلها شهادة في الأرض بله أن يفوق عليها، إنها تلاوة كتاب الله لا كما سمعته من أفواه المشايخ، ولا كما قرأته في المصحف، إنما كما تلاه شيخي عن شيخه عن رسول الله.

لقد أخرجت ما لا يقل عن عشرين كتابًا، وتزوجت النساء ورزقت الولد ونلت أعلى الشهادات، وفرحت فرحات غامرة في ذلك كله. وأقر الله عيني بالوظيفة والرزق منذ قرابة أربعين عامًا، ولم يشغلني الله تعالى بالبحث عنهما، ومع هذا كله، قارنت فلم أجد فرحة تعدل هذه الفرحة.

لقد كنت حتى الأمس فردًا تائهًا بين مليار ونيف من المسلمين، أما اليوم، فأنا قد انضممت إلى الشجرة النبوية المباركة عن طريق شيخي أبي عبد الله، والله تعالى يدعوني بل يأمرني بالفرح بذلك ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ  قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ (يونس: 57-58).

إذن: لو عرضت عليَّ اليوم كنوز الأرض مالًا بين يدي فهي مما يجمع، وما أكرمني الله تعالى من هذا الكتاب وهذا القرآن خير منه، أما ما يجمع فلا يحق لي الفرح فيه.

فرح أمرت به فبذلك فليفرحوا، وفرح منعت منه كما منع منه قارون الذي قال له قومه: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ )القصص:76).

تصورت يا سيدي الشيخ، وقد جلست بين يديك قرابة أربع سنين أقرأ بين يديك كل كلمة وكل آية وكل سورة من كلام الله ومن كتاب الله، وأنت تصحح لي ما أخطأت أنما يصحح لي رسول الله r حتى حركة الضم، حتى إخراج الحرف، حتى كيفية النطق، أتعلمها منك كما تعلمتها من قبلك عمن قبلك عن رسول الله r

سيدي الشيخ أبا عبد الله:

لقد انضممت ابتداء إلى الأسرة السعيدية التي تبلغ الآلاف، وأنت تدري كم أقرأت منذ نصف قرن ونيف، وأدخلت في هذه الأسرة، وجميعنا صرنا من هذه الدوحة النبوية المتصلة برسول الله r، ولا أنسى أنني في صفحة شيخي أبي عبد الرحمن حاتم الطبشي الذي قادني إليك وأجلسني بين يديك، بعد أن تلقيت منه الكثير الكثير قبل أن أصل إليك، وأنا وإياه في صفحتك([2])، وأنت وأنا وهو وأمة محمد r في صفحة نبي الهدى والرحمة محمد.

سيدي الشيخ:

ومما يزيدني اعتزازًا وتيها وفخرًا بهذه الشهادة أني تلقيتها في بيتك بجوار حراء في مكة المكرمة في مهبط الوحي حيث تلقى رسول الله r أكثر من نصف القرآن بالقرآن المكي، ثم مضى إلى المدينة يتابع جهده وجهاده حتى عاد بهذا الدين وهذا القرآن من جديد.

سيدي الشيخ أبا عبد الله:

ائذن لي وأنا بين يديك أن أقدم الشكر والعرفان لأعظم منة تلقيتها في حياتي بهذه الشهادة، وأعظم نعمة وأعظم فرحة وأعظم انضمام لحزب أهل القرآن.

ائذن لي يا سيدي الشيخ أن أحلم وتحلم معي. وأعمل وتعمل معي إلى الفرحة الثانية الفرحة الكبرى، الفرحة بنصر الله ينصر من يشاء، فهي النوع الثاني من الفرح الذي قال فيه رب العالمين ﴿وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ  بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ (الروم: 4-5)، النصر بتحكيم كتاب الله على قرى الشام الحبيب، وتعود لها قيادة قوافل المؤمنين في الأرض كما كانت من قبل.

ائذن لي يا سيدي الشيخ أن أضيف الأمل بهذه الفرحة، بعد هذه الفرحة التي كانت أملًا وحلمًا وصارت واقعًا، وعندئذ تكمل الفرحة، وتعود إلى أرض سورية كما عاد عليه

الصلاة والسلام إلى مكة، ويسألونك متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبًا.

ولك سلام الله ورحمته وبركاته وتحياته ياسيدي الشيخ العظيم أبا عبد الله، والحمد لله رب العالمين.

تلميذ كم وابنكم: منير محمد الغضبان

 

[1])) هو فضيلة الشيخ سعيد العبد الله المحمد بقية السلف من كبار علماء القراءات في الديار الشامية.

[2])) ولا أنسي فضل شيخنا الشيخ نبهان المصري الذي تفضل علي بإقراني في مرحلة معينة وهو تلميذ شيخنا أبي عبد الله ومن كبار علماء القراءات كذلك.

الرابط المختصر :