العنوان العالم صامت أمام «الحيونة» اليهودية
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 28-نوفمبر-2000
مشاهدات 60
نشر في العدد 1428
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 28-نوفمبر-2000
ماتت عملية التسوية، وعاد الحال إلى ما كان عليه قبل أوسلو هذا ملخص ما يجري على الأرض الفلسطينية المحتلة والذي تفاقمت خطورته خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة من انتفاضة الأقصى، وحتى لو حاول المستفيدون من هذه العملية نفخ الروح في أوسلو وأخواتها من الاتفاقات العديدة التي وقعتها سلطة الحكم الذاتي، وهي اتفاقات أثبتت فشلًا ذريعًا في إحلال السلام حتى هذه اللحظة. حتى لو حاولوا ذلك فسيظل جوهر الصراع قائمًا دون حل، ويمكن أن ينفجر انتفاضة أو حربًا أو فوضى عارمة في أي وقت ومرحلة.
لم يشهد الفلسطينيون في الأراضي المحتلة مثل هذا الإجرام الصهيوني المتجرد من كل قيمة إنسانية إلا عندما أوشك الموقعون أن يوقعوا! وليس من تفسير لهذا التطور الغريب إلا أن ما يسمى بالسلام ليس في مصلحة أي من الطرفين المعنيين مباشرة بالعملية وهما الشعب الفلسطيني وقبول الصهاينة، فالسلام العادل والشامل لا يعني الفلسطينيين، مهما تفلسف منظرو السلطة وأدعياء السلام، غير حقيقة واحدة وهي زوال الدولة اليهودية عن وجه الأرض فالفلسطينيون نقيض الصهاينة وأما فلسطين أو الكيان الغاصب.
وهو مفهوم يدركه الصهاينة أكثر من غيرهم فكيانهم يفتقر إلى مقومات الحياة ما دام على فلسطين المحتلة فلسطيني يتنفس.
ولم تنفع «شروم» الشيخ في كبح جماح انتفاضة الفلسطينيين ولم تنجح وعود رئيس السلطة الفلسطينية لباراك وكلينتون بوقف الانتفاضة، كما لم تنفع القرارات التي أصدرها لوقف إطلاق النار على جنود الاحتلال فما يجري من تصعيد لعمليات المقاومة في المناطق المحتلة هو عكس رغبة القيادة الفلسطينية مهما أبدت غير ذلك في مؤتمرات القمة العربية والإسلامية وعندما يستجدي قائد ما يسمى بالأمن الوقائي في قطاع غزة جيش الاحتلال كيلا يقصفوا مقره في غزة يدرك الفلسطينيون كم هي مخترقة هذه السلطة حتى نخاعها ولا يغير القصف لمقارهم في الضفة وغزة من حقيقة ارتباط غالبيتهم بأجهزة الأمن الصهيونية، والحقيقة التي يعرفها الجميع أن هؤلاء هم آخر من يمكن أن تستهدف سلطة الاحتلال حياتهم من بين الفلسطينيين.
عامة الشعب هم الذين يدفعون الثمن ومسؤولو السلطة ما زالوا يحملون بطاقات كبار الشخصيات للمرور عبر الحواجز الصهيونية، ومطار غزة مغلق إلا لطائرة الرئيس، والمعبر الآمن ليس أمنًا إلا لحفنة من مسؤولي السلطة.
لقد أثبتت الأيام الأخيرة أن الإرهاب الصهيوني لا يمكن أن يخلف إلا «إرهابًا» فلسطينيًا مضادًا وأن قمع انتفاضة الأقصى بهذه الوحشية و«الحيونة» اليهودية المعهودة لا يمكن أن يمر دون قصاص حتى لو بقي العالم على صمته وهو يرى ما يجري ضد الفلسطينيين العزل فقد عاد الصهاينة يجنون حصاد إرهابهم وبطشهم.
خلال ستة أسابيع من عمر الانتفاضة الحالية هرب المستوطنون من أكثر من عشرين مستوطنة يهودية في الضفة والقطاع وبمزيد من تصعيد المقاومة لن تبقى مستوطنة واحدة في الأرض المحتلة هكذا يمكن أن تحل مشكلة المستوطنات اليهودية التي يقال إنها إحدى المشكلات الشائكة في مفاوضات ما يسمى بالوضع النهائي أما استجداء حكومة باراك لتنسحب من مساحات محدودة من الضفة الغربية فلم يزد الصهاينة إلا تعنتًا وصلفًا وإرهابًا.
الانتفاضة تستنزف اقتصاد الصهاينة
يعترف الصهاينة بخطورة استمرار الانتفاضة وتساعدها على اقتصادهم الذي عاد يتدهور بعد انتعاش غير مسبوق سجلته أرقام مكتب الإحصاءات المركزية هذا العام وسجل الاقتصاد اليهودي في الربع الثالث من هذا العام نموًا كبيرًا فيما يسمى بالناتج القومي الإجمالي بلغ أكثر من ٩٪ وهو انتعاش لم يشهده من قبل.
إلا أنه مع استمرار المواجهات وانتفاضة الأقصى حدث تراجع كبير حطم آمال سلطات الاحتلال في حل مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية المزمنة وفي الهيمنة الاقتصادية على المنطقة. فقد أشارت الأرقام الصادرة عن المكتب عن مرحلة ما قبل الانتفاضة إلى زيادة في ناتج القطاع الخاص بنسبة ١٢.٥٪ عما كان عليه الحال في الربع الثالث من العام الماضي كما ارتفعت الصادرات من البضائع والخدمات بنسبة ٤٧.٦٪ خلال الفترة نفسها، وغالبية تلك الصادرات أجهزة كمبيوتر وبرمجيات إذ يعتبر الكيان الغاصب من أكثر دول العالم تقدمًا في هذا الجانب وزاد كذلك مؤشر الاستهلاك الفردي وهو ما يعني زيادة مستوى المعيشة بنسبة 5.3٪.
ويعترف الصهاينة أن تأثير الانتفاضة الجديدة على نشاطهم الاقتصادي كان فوريًا وحادًا مع بداية أكتوبر الماضي، فصناعة السياحة توقفت توقفًا شبه كامل، كما أن قطاعات اقتصادية أخرى على رأسها قطاع البناء والإنشاءات ازدادت تراجعًا، إضافة إلى ذلك مُنِيَ قطاع الزراعة بخسارة كبيرة وخصوصًا سوق الصادرات الزراعية، وتقوم تل أبيب بتسويق جزء كبير من منتجاتها الزراعية في المناطق المحتلة ويحول دون ذلك الآن الإغلاق المفروض على هذه المناطق.
الصهاينة كانوا يأملون أن وقف الانتفاضة سيعيد مؤشرات النمو الاقتصادي عندهم إلى ما كانت عليه في الربع الثالث من هذا العام، لكنهم الآن يتخوفون من عودة المظاهر التي كانت سائدة في الانتفاضة الشعبية الأولى فهناك تشابه كبير بين الانتفاضتين من حيث الشعبية والعفوية مهما حاولت تنظيمات معينة ادعاء قيادتها وتوجيهها وفي الانتفاضة المالية كما في الأولى رفع الفلسطينيون شعار مقاطعة البضائع اليهودية وطبقوه ونجحوا في ذلك إلى حد بعيد.
كما يتخوف الصهاينة من تحول الفلسطينيين السريع والفجائي من رمي الحجارة إلى العمليات المسلحة والاستشهادية لقد تطورت الانتفاضة الأولى خلال ست سنوات من رمي الحجارة إلى استخدام السكين ثم الأسلحة الرشاشة ثم العمليات الاستشهادية الكاسحة. أما اليوم فقفرت الانتفاضة من الحجر إلى التفجيرات والعمليات الاستشهادية في أسابيع قليلة.
الأيام المقبلة لن تكون سهلة على الصهاينة وأجهزة أمن السلطة المكبلة باتفاقات أوسلو بواي ريفر وشرم الشيخ بدأ يظهر من بينها من يتمرد على قيادته ويتحول وبالًا على الصهاينة ومهندسي أوسلو.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل