العنوان قصة قصيرة.. والعود أحمد
الكاتب عبير الطنطاوى
تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-1989
مشاهدات 61
نشر في العدد 908
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 14-مارس-1989
يبدو أنها تعاني من أشد الصراعات واللكمات الفكرية والشعورية المتصادمة. كانت تفكر ألهذا الحد من الانحطاط العقلي والنفسي والفكري يمكن أن أصل؟ ألهذا الحد من الضياع والمتاهة في خضم تيار الحياة المتلاطم.؟
دموعها كانت سيلًا يجرف ذنوب الدنيا ليغفرها.
بدأت قصتها التي أوصلتها إلى هذه الزاوية المعتمة من الحياة بعد أن كانت مثالًا للفتاة المرحة التي تقلد حركات الممثلات باستهزاء وتشبه أصوات المغنين بأصوات الحيوانات فهذه تموء وهذا يعوي وذلك ينبح أو ينهق... ﴿إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (لقمان:19)، كانت مثالًا للفتاة المؤدبة التي كان حلمها أن تصل إلى مرحلة من الحياة تمكنها من لباس الحجاب بحرية ودون معارضة من قبل أحد، كانت وكانت مثالًا للشرف والعفة والأخلاق العالية. أما الآن فقد ابتعدت عنها فابتعدت عنها أخواتها وتركتها صويحباتها....
كانت إحدى أربع فتيات يسكن في نفس الشارع وفي نفس المدرسة ونفس الفصل والمرحلة الدراسية، تعيش حياتها كأية فتاة في المرحلة الثانوية مع صديقاتها الثلاثة إلى أن بدأت أفكار جديدة تحط على عقل هؤلاء المقبلات على الحياة... أفكار تدور حول ما يسمى بحرية المرأة ومساواتها بالرجل، وإن حقوق المرأة ليست بأقل من حقوق الرجل ولكن... في أي شيء؟ في تبادل النظرات واللقاءات والهمسات والضحكات وما إلى ذلك من ألوان الغرام و«الحب» على الطريقة الغربية البوهيمية.. كما أن للمرأة الحق في استخدام جمالها وتكسترها وميوعتها في إغواء الرجال.… تلعب بعقولهم كما يحلو لها اللعب.
بدأت هذه الأفكار تتسرب إلى عقلها وقلبها كما يتسرب المرض الخبيث في الجسد العليل.. وبدأت بنفش شعرها ، ولبس التنورة الضيقة والقصيرة والمفتوحة، والبلوزة العريضة ذات الأكمام الواسعة والقصيرة،والحزام العريض، والإكسوارات الكبيرة ذات الألوان الفاقعة، ومن ثم نظرت فابتسمت، ومن ثم تكلمت وسلمت ثم أعطت موعدًا ورقم هاتف، وبدأت القصة التي نسجت الأفكار الخاطئة خيوط بدايتها... الأفكار الكاذبة المصبوغة بالألوان الزاهية التي تبهر عيون من في مثل عمرها... وظلت علاقتها مع ذلك الشيطان في الظلام الدامس دون علم أهلها الذين كانوا غافلين عن المتغيرات في حياتها، الواثقين بها وبحسن تصرفها وسلوكها، إلى أن وقع الفأس بالرأس كما يقولون.
لقد تعرفت إلى شاب مستهتر، كان صنو الشيطان في تفكيره وسلوكه... طلب منها ما يطلبه الفارغون التافهون، وتمنعت الفتاة بما كان لديها من مخزون أخلاقي.. ولكن الشيطان لم ييأس من الإيقاع بفريسته... فقد كان يوسوس لها هو الآخر، ويدعوها إلى الاستجابة «لحبيبها» ووقعت الحمامة في فخ الصياد... وبكل لؤم راح الصياد يبتز فريسته... يهددها بالرسائل التي بعثتها إليه، وبالصور التي تصورتها معه.. حاولت أن توقظ ضميره... ذكرته بإخوانه خوفته من الله المنتقم الجبار، ولكن دون جدوى، فإما أن تستسلم له، وإما أن تعطيه ما يريد من مال أو متاع تسرقه من بيت أهلها، وإما أن يفضحها على رؤوس الأشهاد... قال لها: سأرسل نسخًا من كل رسائلك وصورك إلى أبيك وأخوتك وإلى معلماتك وجيرانك وأقربائك... بكت توسلت، انكبت على قدميه، ولكنه ركلها وأمهلها ثلاثة أيام وإلا... في جوف الليل قامت وتوضأت وصلت بضع ركعات، ثم ابتهلت إلى الله القادر على كل شيء أن يصرف عنها السوء، ويخلصها من ذلك الشيطان الخبيث.
«يارب.. إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على ذلك الشيطان... يا رب... أنت رب المستضعفين وأنت ربي... اسألك بأسمائك الحسنى أن تنقذني من براثن ذلك الأثيم، وأن ترشدني إلى السلوك المستقيم وإلى الرأي السديد... كيف اتصرف يا ربي مع ذلك المجرم»
وفيما كانت الصبية غارقة بدموعها وآهاتها ودعواتها، كانت أمها تصغي إليها بقلب منقطع. وانتبهت الصبية إلى أمها، فأسرعت تختبئ في حضنها وتقص عليها قصتها مع ذلك الشيطان المريد..
هدأت الأم الرصينة من روع ابنتها وقالت:
- لا عليك يا بنية، كوني مع الله ولا تبالي بكيد الكائدين، ولن يضيعك الله أبدًا، فالله مع عباده المتقين... وحذار حذار من هؤلاء الشياطين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل