; النهج التربوي في ظل الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان النهج التربوي في ظل الإسلام

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1993

مشاهدات 60

نشر في العدد 1037

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 09-فبراير-1993

النهج التربوي في ظل الإسلام: رسالة المربي والأسرة

الإعلان عن الدورة وأهدافها

تقيم اللجنة النسائية بجمعية الإصلاح الاجتماعي دورة تربوية في «النهج التربوي في ظل الإسلام» تحاضر فيها السيدة سمية عبد العزيز المطوع، وذلك في صباح يوم الثلاثاء من كل أسبوع بمقر اللجنة بمنطقة الشامية، وتحتوي الدورة على ما يلي:

•       سر استقرار الأسرة المسلمة.

•       فهم تصرف الأبناء وأسباب سوء التصرف.

•       خطة لإصلاح الذات وتحسين العلاقة مع الأبناء.

•       التشجيع، بناء ثقة الطفل وإحساسه بأهميته.

•       التعامل مع الأطفال- حسن الاستماع- عرض البدائل- التعبير عن مشاعرنا وأفكارنا للطفل.

•       النتائج الطبيعية والمنطقية- أسلوب تربوي ينمي الإحساس بالمسؤولية.

•       اللقاء الأسري.

المحاضرة الأولى: إصلاح المربي قبل المتربي

ليس من السهل أن نشكل الطفل كما نشاء، ذلك أن هذا الأمر صعب جدًّا، وعلينا قبل أن نبدأ بإصلاح أطفالنا أن نحاول إصلاح أنفسنا، فهذه خطوة النجاح الأولى في تربية الطفل؛ حيث إن المربي هو القدوة الأولى للطفل. تربية الأبناء يجب أن تقوم على ركن أساسي ألا وهو العقيدة في الله، وإن وصايا الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الأمور التربوية كثيرة، أهمها وصيته الخالدة: لا تغضب، وهذا الأمر يتطلب منا جهدًا كبيرًا، فالمرء لا يستطيع أن يغير طباعه الذاتية بين يوم وليلة.

بعد ذلك ننتقل إلى المرحلة الأولى وهي العلم: «اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه»، علينا أن نحاول معرفة الطريق السوي ثم بعد ذلك محاولة تدريب أنفسنا على اتباع ذلك الطريق، الأمر سيكون صعبًا جدًّا في البداية ثم مع التدريب المستمر للنفس نستطيع أن نصل إلى ما نريد، فهدفنا هو تحويل معرفة الحق إلى عادات سلوكية نمارسها.

إن النفس بحاجة إلى عون دائمًا وتقوية العزم ومراقبة الله في كل صغيرة وكبيرة، وحضور مجالس الذكر حتى ينصلح حالها وتتقوم سلوكياتها. عليّ أن أُعَوِّدَ نفسي دائمًا على محاسبة النفس عند تقصيري، وأنقل هذا الطبع مني إلى طفلي بعد ذلك فأجعله يحاسب نفسه بنفسه، ومن ثم يظل على نفس الأخلاق الرفيعة في حضوري وأثناء غيابي عنه، فعلى سبيل المثال عليَّ أن أعوده على أن يصلي لمنفعة نفسه وليس لِمَرْضَاتِي فقط. هناك الكثير من الأمور التي تحرص بعض الأمهات على التمسك بها أثناء معاملتها للآخرين، وهي ذات الأمور التي تغفل عنها حين يتعلق الأمر بأطفالها مثل الغضب والقسوة والغيبة والإهانة... إلخ.

ضوابط التربية: الإرشاد لا السيطرة

ليس من الصواب في عملية التربية أن تقوم الأم بدور المسيطر، فالآية الكريمة تذكرنا بأنه ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾، لذلك على الأم أن ترشد وتوعي، ولكن حذارِ من السيطرة التي تقود الطفل إلى أن يمارس أمامها فقط ما تحبه من سلوكيات ثم هو في غيابها يتصرف كما يريد. تخطئ بعض الأمهات حين تنسب صلاح أبنائها إلى تربيتها لهم وتعبها من أجلهم وتنسى فضل الله عليها في هذا الأمر، مثل قارون حين نسي فضل الله عليه وأنكره فخسف الله به وبداره الأرض.

هناك قاعدة تربوية رئيسية يجب أن يفهمها المرء المسلم أمام عينيه، هذه القاعدة نجدها في الآيتين الكريمتين، قال الله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هؤلاء الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (النساء: 78). ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (النساء: 79).

في الآية الأولى عليَّ التحرز قدر الإمكان من تَحَسُّس أخطاء الآخرين ونقدهم، فالمرء يستسهل جدًّا انتقاده لسواه، لكن الآية الثانية لا تطالبنا بمثل هذا التحرز، بل أن نواجه عيوبنا ونتبينها حتى نعمل على التخلص منها بعد ذلك. وهذا ما قلناه في البداية وهو: أن يحاول المربي إصلاح نفسه قبل أن يحاول إصلاح أطفاله، فالطفل العصبي يكتسب هذه العصبية من أمه، وكذلك خصلة العناد وغيرها من السلوكيات، فالإصلاح يجب أن يكون للمُربي قبل أن يكون للمتربين.

سر استقرار الأسرة وهرم الحاجات

هل تحتاج الأم اليوم إلى دروس في التربية؟ هل كان المسلمون الأوائل يحتاجون إلى دروس في التربية؟ بالطبع لا، فالمجتمع المسلم كان وحدة متكاملة متشابهة، أما اليوم فقد تعددت الاتجاهات الفكرية واختلط الحق بالباطل حتى داخل الأسرة الواحدة، فبات المربي يحتاج إلى من يرشده إلى أسس عملية التربية، والأسرة هي اللبنة الأولى في عملية التربية، وسر استقرار الأسرة المسلمة يكمن في الآيتين التاليتين: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: 228). ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (النساء: 34). إن هذه نعمة من رب العالمين أن يكون هناك تنظيم إداري في الأسرة المسلمة، والذي هو على النحو التالي: «الأب - الأم - الأبناء»: في كثير من المجتمعات الغربية ألغت الأم مكانة الأب، فكانت النتيجة أن الأبناء ألغوا مكانة الاثنين معًا. بينما الإسلام يحفظ للأسرة المسلمة عوامل نجاحها، فيبين أن المكانة الأولى فيها للأب ثم الأم بعد ذلك، فالإسلام يحث الزوجة على طاعة الزوج وأن له المرتبة الأولى في هذا الأمر ما دامت طاعته لا تتعارض مع طاعة الله، لكن حين يتعلق الأمر بالأبناء فإن الأم هي أحق الناس بحسن صحابتهم ويليها الأب.

حتى تسعد الأم في حياتها الأسرية مع زوجها وأطفالها عليها أن تغض الطرف عن كثير من الهفوات، فمن السهل عليها أن تقطع علاقتها بشخص بعيد الصلة بها، لكنها لا تستطيع قطع علاقتها بالأبناء والزوج كيفما شاءت. من المهم أن يشعر الطفل بالاستقرار داخل الأسرة وأنه عضو مهم فيها، وأن له مكانته وحقوقه، وقبل أن نجيب عن سؤال: لماذا يسيء الطفل التصرف أحيانًا، علينا أن نعرف أن هناك حاجات أساسية يحتاجها الإنسان هي كالتالي:

•       التقوى ومراقبة الله.

•       الحاجة إلى التقدير والتشجيع.

•       الحاجات الاجتماعية.

•       الحاجة إلى الأمن والاستقرار.

•       الحاجات الطبيعية: مأكل- مشرب- مأوى.

الهرم السابق يبين لنا من القاعدة فما فوق الحاجات التي يحتاجها الإنسان حسب أهميتها وضروريتها، فبعد الحاجات الطبيعية تأتي الحاجة للأمن والاستقرار، تليها الحاجة إلى الانتماء الاجتماعي، ثم الحاجة إلى التقدير والتشجيع وهو أمر ضروري في حياة الفرد، وأخيرًا تأتي مرتبة التقوى ومراقبة الله على رأس الهرم في آخر مرحلة في البناء، وهي مرحلة صعبة لا يستطيع الكل أن يصل إليها، فعلى سبيل المثال: المدرسة التي تهمل في عملها بحجة أنها لا تجد التشجيع الكافي من الناظرة أو الوزارة... إلخ هي امرأة وصلت إلى مرتبة التقدير، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة التقوى، تلك المرحلة السامية التي تجعلها تندفع إلى إتقان عملها بدافع مراقبة الله أولًا وقبل أي اعتبار آخر. إن مرتبة التقوى الأخيرة هي التي نريد أن نزرعها في نفس الطفل فيندفع إلى تقوى الله بدافع من نفسه وليس خوفًا من تسلط الأم أو غضب الأب.

المسؤولية الفردية تجاه قضايا الأمة

قف: إنك لمسؤول: من قلب الأشياء الميتة تولد أحيانًا الحياة، وفي وسط الصحراء القاحلة توجد أحيانًا نبتة صغيرة خضراء لا يأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس، هذا ما يجب أن نؤمن به ونصدقه ونعتقد به حتى نستطيع تحقيق آمالنا وطموحاتنا. لا بد من الثقة بالبشر والناس والصبر عليهم والتفاؤل بهم، ليس كل الناس سواسية، هناك من يشعر ويحس بغيره، وهناك من لا يتأثر بما حوله، هناك من تدمع عيناه لرؤية أقل مشهد مؤثر، وهناك من لا يخفق له قلب ولا ينبض له عرق لأي موقف مهما كانت قسوته، هذا لا يدعونا إلى الاستسلام والتخلي.. كلا، بل هذا يجعلنا نبدأ ونحاول ونتوكل على الله للعمل والشروع مع هذه الفئة القليلة.. وإن كانت قليلة.

إننا جميعًا مسؤولون ومحاسبون أمام الله على كل صغيرة وكبيرة نفعلها، نحن محاسبون في الدنيا قبل الآخرة ومسؤولون في الدنيا قبل الآخرة. كوننا بشرًا نعيش مع غيرنا ونتعايش أحداثهم ونمر بظروفهم ونرى ونسمع ما يحصل لهم، علينا أن نفعل شيئًا لهم، لا أن نقف صامتين ننظر لهم وكل ما نستطيع أن نفعله هو أن نهز رؤوسنا ونطرقها أسفًا عليهم. كلا.. ما هكذا أُمرنا نحن البشر وبالأخص المسلمين، أُمرنا أن نتحرك. قد تتساءل أيها الإنسان: ما الذي أستطيع أن أفعله؟ أنا مخلوق ضعيف لا حول لي ولا قوة، أنا هنا في هذه الأرض البعيدة عنهم، كيف أصل إليهم؟ أنا لا أملك أي سلاح لأدافع به عنهم. كلا.. هذه ليست (بحجج) بل هذه كلها أقوال باطلة، تملك أيها الإنسان طاقات فذة وقوة خارقة وجناح عظيم تطير به لتصل إليهم في أي مكان كانوا، تملك سلاح الدعاء والإرادة والإيمان والقناعة برسالتهم، تستطيع أن تصلهم بقلبك ولسانك وفي روحك، تستطيع أن تمنح نفسك القوة وتمنحهم أيضًا ذلك، قد تتساءل كيف! إن أبسط ما تفعله أيها الإنسان تجاه إخوانك المسلمين المعذبين المبعدين المعتقلين المشردين هو أن تنطلق أنت من مكانك وتبرز دورك في هذه القضية وأن تنشرها للملأ. فالأم مسؤولة عن أبنائها يجب أن تعلمهم عن هذه القضايا وما يدور بالعالم من حولهم، يجب أن تطلع أبناءها على كل ما يجري من حولهم حتى لا ينخدعوا.

يجب أن يعرفوا أن لهم إخوة وأخوات يعانون أشد المعاناة على أيدي أعدائهم ليكبروا ويتربوا على الحب والإحساس بغيرهم من المسلمين. وكذلك الأب أيضًا، يجب أن يغرس وينمي في أبنائه روح الحمية والدفاع عن بني جنسهم من المسلمين، يجب أن يكشف الستار عن وجوه المتنكرين. وكذلك نحن المدرسين، هنا تكمن رسالتنا، هنا تبدأ قضيتنا، إن التعليم ليس بكتاب وموضوعات مدونة يجب أن تسرد على الطلبة والطالبات، كلا.. إن التعليم والرسالة الحقيقية هي هذه الرسالة، رسالة تبليغ ونشر وإثارة كل ما يهم الفرد والمجتمع من قضايا متعلقة بالدين والحياة الاجتماعية. إن دورنا الحقيقي يبدأ من هنا، ما الذي فعلناه من أجل إخواننا في البوسنة والهرسك مثلاً؟ هذا هو السؤال الذي يجب على كل معلم ومعلمة أن يسأل نفسه ويطرحه عليها. هل قدمنا شيئًا للطالب وللمسلمين؟ أم إن كل ما يهمنا هو أن نختم المقرر من الجلدة إلى الجلدة! لا التحضير ولا العلامات ولا رأي الموجهين هو الحكم على صلاحيتنا وجودتنا، إن مدى صلاحيتنا وجودتنا وفاعليتنا بصفتنا مدرسين ومدرسات ينبع من مدى استجابة الطالب وحبه واهتمامه بالقضايا الحقيقية التي تتعلق بحياته كفرد وكإنسان، ومدى فشل الطالب يحدده مدى فشله في تحقيق ذاته وإنسانيته من خلال تفاعله مع أحداث العصر ودوره البارز تجاه هذه الأحداث ومدى إيجابيته.

إن ما قادني للحديث عن هذا الموضوع ما حدث في ثانوية الروضة، فقد قامت إحدى المدرسات -جزاها الله كل خير- بتجسيد مشاعرها الإنسانية النبيلة عن طريق تحريك مشاعر طالباتها وإثارتهن لقضية مهمة، وهي قضية البوسنة والهرسك. إن هذا أبسط شيء نستطيع أن نفعله انطلاقًا من دورنا، فقد قامت طالبات أحد الفصول بالتبرع وجمع مبلغ للبوسنة والهرسك لدى بيت الزكاة، إن هذا العمل لم يأتِ من لا شيء، بل جاء كتعبير صادق عن مدى مشاركتهن وإحساسهن بأخواتهن هناك، إن المشاعر الحقيقية لا تقاس بمدى التبرع ولا بقيمة المال، بل تقاس بمدى إحساس هؤلاء الطالبات وهذا ما نريده. فهذه المعلمة هي رمز وشعار وقدوة حبذا لو سار على نهجها كل المدرسات.

إننا لنقف خَجِلِين من سلبية بعض المدرسات، لكن ولله الحمد هناك ولو القليل من المدرسات المدركات لحقيقة عملهن وأهمية دورهن، فانطلقن من مكانهن، فحيا الله هذه المدرسة والطالبات والمدرسة التي تحوي هذه النوعية من الطالبات، فلنعمل جميعًا وننطلق من أماكننا، الأم تبدأ في بيتها والأب أيضًا والمدرس والموظف والكاتب، وكل إنسان، فلا بد أن نتوقف لحظة ونسأل أنفسنا ما الذي قدمناه لخدمة هذا الدين، فنحن جميعًا مسؤولون.

القوامة وأثرها في استقرار الأسرة والمجتمع

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2184

1993

الأحد 01-أكتوبر-2023

الأب حينما يصارع الهاتف!

نشر في العدد 40

104

الثلاثاء 22-ديسمبر-1970

ندوة الأسرة - الوضوء

نشر في العدد 74

103

الثلاثاء 24-أغسطس-1971

هي... هو...   ومن المسئول؟