العنوان حقوق الكلاب في العراق
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 25-أكتوبر-2008
مشاهدات 70
نشر في العدد 1824
نشر في الصفحة 17
السبت 25-أكتوبر-2008
....(في العراق يعاملون الكلاب بقسوة وينفرون منها؛ لأنهم يخشون أن تحمل الأمراض إلى البيوت لذلك فإن، راتشت، سيموت لو غادرت من دونه)... بهذه العبارة المفعمة بالرفق والرحمة أنهت السير جنت جوين ببرج إحدى المجندات الأمريكيات في العراق رسالة استغاثتها خلال حملتها التي نظمتها على الإنترنت دفاعا عن كلبها، راتشت، الذي عثرت عليه في أحد مقالب قمامة العراق ومن ثم اعتنت به وصاحبته.
وترفض السلطات الأمريكية عودة كلبها معها إلى الأراضي الأمريكية بعد انتهاء خدمتها هناك، قتلا وتدميرا للعراق وأهله...المجندة لم تستسلم لرفض سلطات بلادها، فنظمت حملة واسعة على الإنترنت تضامن معها فيها أكثر من ١٥ ألف أمريكي تحت عنوان حلمي الأكبر في الحياة ووقعوا عريضة تطالب الجيش الأمريكي، بالسماح لهذه المجندة بالعودة إلى بلادها وبرفقتها كلبها.
ولم تكتف ببرج، بحملتها على الإنترنت بل حرضت كيث أليسون، عضو الكونجرس عن ولاية مينسوتا.. فوجه بدوره رسالة عبر الإنترنت إلى وزارة الدفاع الأمريكية، يحثها فيها على الرفق بكلب أنقذته المجندة من الموت، وهو داخل كومة قمامة كانت تشتعل نارا في بغداد قريته بعطف وحنان، واعتادت عليه، وذلك طبقًا للرسالة التي نشرتها الجمعية العالمية للرفق بالحيوان في موقعها على الإنترنت.
وقد كانت مشاعر المنسق العام للجمعية العالمية للرفق بالحيوان تيري كريسب أكثر التهابًا من كل الذين تضامنوا معها، فاستقل طائرة من كاليفورنيا إلى بغداد لتحقيق حلم المجندة، يحمل كلبها إلى حيث تقيم في مدينة مينابوليس.. بولاية مينسوتا.
وبهذه المناسبة تجدر الإشارة إلى أن عددا لا بأس به من الأمريكيين يطالبون بإنقاذ كلاب وقطط العراق من الموت في ظل الأوضاع المأساوية القائمة، وقد أعلنوا عبر موقعهم على الإنترنت أنهم تمكنوا من إنقاذ ونقل ٥٠ كلبا، و ١٠ قطط من العراق كانت مهددة بالموت، وهي تعيش الآن بأمن وسلام في مدن أمريكا!!
تلك صورة مشرقة من الرحمة والعطف والشفقة بالكلاب والقطط التي تلبس بها عدد كبير من الأمريكان، وهي صورة جميلة بحق فالرحمة بالحيوان، وحسن التعامل معه (مسألة إنسانية)، وهي تعد من معالم الإسلام العظيم لكن أن تفرغ كل عاطفتك في (كلب)، أو (قطة) وفي نفس الوقت تحتقر أو تقتل، أو تعذب إنسانًا مثلك فذاك هو الشطط بل الشذوذ الإنساني الذي يدعو للرثاء لأصحابه.
وقد تخيلت المجندة الأمريكية الهمامة.. وهي تواصل مهمتها بحماس متدفق وإصرار على تحقيق ما أسمته (حلمها)، وسألت نفسي أي قلب هذا الذي يحترق ولا يهدأ من أجل كلب، بينما تشاهد صاحبة ذلك القلب كل ساعة.. بل كل لحظة.. القتل والتعذيب والتدمير الواقع على أم رأس المدنيين العراقيين؟!!
إن مثل تلك المشاهد التي تقطر شفقة ورحمة على الكلاب تضع المرء في حالة من الأسى، وهو يضع أمامها صورة ما يجري في العراق منذ أكثر من خمس سنوات، فقد أصبح ٤٠% من الشعب العراقي تحت خط الفقر، وقتل منه ما يقرب من المليون ونصف المليون، وتم تشريد أكثر من مليونين ناهيك عن المرضى والأيتام والأرامل الذين أصبحوا يعيشون في أوضاع، وصفها أحدث تقرير للصليب الأحمر الدولي صدر في 17/۳/۲۰۰۸م بأنها الأخطر والأسوأ في العالم.. وجاء فيه: إن ملايين العراقيين لا يجدون ماء صالحًا للشرب، وقد تابعنا انتشار مرض الكوليرا في بعض المناطق بسبب تلوث المياه في بلاد النهرين!!
وقد كشف كتاب نشر مؤخرًا في الولايات المتحدة الأمريكية أن الحرب على العراق ستكلف الأمريكيين 3 تريليونات دولار وواضع هذا الكتاب هو، جوزيف ستيجليتز حائز جائزة نوبل في الاقتصاد وليندا بيلمس الأستاذة في جامعة هارفارد.. يقول الكتاب، إن كلفة العمليات العسكرية الأمريكية تخطت كلفة حرب فيتنام.. وتمثل أكثر من ضعف ما كلفته الحرب في كوريا.. وأن ثلثها كان يكفي لبناء ثمانية ملايين مسكن وتوظيف ١٥ مليون أستاذ، وتقديم العلاج لـ ٥٣٠ مليون طفل، ومنح تعليمية لـ ٤٣ مليون طالب.
إن التقارير والدراسات والإحصاءات والبيانات الرسمية، وغير الرسمية التي صدرت في العالم عبر مؤسساته الحقوقية والسياسية والاستراتيجية خلال السنوات الخمس الماضية تملأ مكتبات، وكلها تصب فيما أنزله الاحتلال بذلك الشعب من الأفاعيل التي يشيب لها الولدان، ومع ذلك لم يجد من يبكي عليه، أو يكلف نفسه الاحتجاج على ما وقع عليه.
وبالمناسبة فإن كل الأصوات التي صدرت على مستويات مختلفة تطالب بسحب القوات من العراق، والتي كان آخرها صوت باراك أوباما المرشح الديمقراطي القادم لرئاسة أمريكا، كان الدافع وراءها الخسائر الفادحة وتزايد أعداد القتلى في صفوف الأمريكان، وليس من بينها صوت صدر احتجاجا على ما وقع على الشعب العراقي من أهوال.. فقط الصوت القوي الذي سمعناه هو صوت المجندة الأمريكية ومعه عشرات الآلاف الذي انطلق مطالبا بحق الكلب إياه!!
يبدو أن هؤلاء الجنود ذهبوا إلى هناك وهم يعلمون أن مهمتهم إخلاء الأرض من البشر حتى تنعم الكلاب والقطط بالحياة!! إنها حقًّا.. حضارة غريبة!