العنوان الوأد ... عاد مع حملات التغريب بأبشع صوره المادية!
الكاتب د. حمدي حسن
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-1989
مشاهدات 62
نشر في العدد 927
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 08-أغسطس-1989
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (التكوير: 8-9): كنت وأنا صغير لي أخوات يرتعن حولي وأحبهن حبًا جمًا، فإذا مرت بي الآية ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ (التكوير: 8) أستغلظ تلك الفعلة المجرمة الفظة وأنظر إلى أخواتي وأقول «أي وحش لئيم صخري القلب يفعل هذا وما ذنب هاتيك الأخوات الجميلات أن يقضين بهذه الصورة المرعبة دفنًا، وأنفاسهن تتردد ولعًا بالحياة، وقلوبهن تنبض حبًا بآبائهن الجفاة».. ثم أعتبر أن الآية تصوير لحقيقة تاريخية غابرة مضت ووأدها الزمن ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (التكوير: 8-9).
في سياق حملة تحديد النسل العنيفة التي
تشنها السلطات الصينية، اتخذت قرارًا إجباريًا بعدم إنجاب أكثر من طفل واحد لكل
أسرة- هكذا- وقد كنت أظن العرب فقط تفضل الذكور على الإناث- ولكنني ذهلت حين علمت
أن الأسرة الصينية كانت إذا رزقت بذكر أمسكته وإذا كانت أنثى ألقمتها إلى الموت
بطريقة ما حتى تأخذ فرصة جديدة في إنجاب طفل ذكر فتحتفظ به.
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ
سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (التكوير: 8-9): قرأت في مجلة الميديكال دايجست
بالإنجليزية خبرًا مفاده أن سلطات ولاية ماهراسترا كان لها قصب السبق في منع إجراء
اختبار تحديد جنس الجديد «ذكر أم أنثى» في المخابر والعيادات الخاصة بسبب سوء
استعمال هذا الاختبار في إجهاض الأجنة المؤنثة حال تشخيص الحمل أنه أنثى.
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ
سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (التكوير: 8-9): قلت أبحث عنها في الغرب الذي
حمل لواء التحرر والمساواة حتى تعب... ترى هل كانت حملة حق وتحرير أم وأد وتغرير؟؟
وذهلت حين وجدتها هناك مسننًا بين المسننات- وترسًا بين الآلات- خلعوا من عنقها
قيد الأسرة ومسؤوليتها، ووضعوا قطعة حديد في رحمها تطرد عنها تبعة الأنوثة وتحرر
اللذة من مستلزمات الفطرة، وتجعلها أكثر استعدادًا لصراع الثيران الحضارية ومعاشرة
الآلات البربرية وتجعلها آلة في النهار وفراشة ترفرف على موائد الرجال في الليل...
ووجدت صورتها الباسمة الجميلة دعاية على كل شيء وفي كل مكان، تشيع البهجة في كل
قلب إلا في قلبها هي تتزين وهي تختنق، وتبتسم وهي تحترق فعرفت أنه الوأد الجميل.
وأنه الوأد الحضاري الحديث، تدفن المرأة حية بين المكائن بعيدًا عن عش الزوجية
الآمن، بعدما ذهب هذا العش مع الرياح، تعيش بين المكائن وتتزوج عشقًا بينها وتنجب-
خطأ- بينها وتموت مسحورة بينها. وكأن هذه التروس والمسننات أم زوج وأخوات، أو
كأنها قدر لا فكاك منه بأي حال ورأيت كثيرًا من الرجال أثروا وأصبحوا رجال
أعمال... ولم أجد بينهم نساء أعمال: بل نساء قهر ووأد وإذلال.
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ
سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (التكوير: 8-9): ويوم رأيت أن الوأد قد انتفى
في المجتمع العربي بفضل الإسلام- «عاد أخيرًا للأسف مع حملة التغريب»- ورأيت أنه
ما زال يمارس في صورته المادية الدموية في الهند والصين، وفي صورته المعنوية
الروحية في الغرب المكين، ورأيت أن هذه الآية ما تزال محفوظة في القرآن كما نزلت
عرفت أنها باقية لتؤدي دورها في حل مشكلة باقية وعرفت أنها سؤال استنظاري مستمر
لجريمة عالمية مستمرة وعرفت أن هذا الكتاب ليس للعرب وحدهم ولكنه مرجع عالمي بلسان
عربي يقدم علاجًا ناجعًا كلما رجع إليه. وما مهمة العرب إلا الترجمة النظرية
والعملية إلى واقع جميل فهل يفعلها العرب؟؟
وسيبقى هذا السؤال الخالد يشهد على عالمية
الرسالة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً
لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)، ما دامت هذه البشرية سادرة في غيها عمياء
في جاهليتها، تعبث بالمرأة- شجرة الأرض- تتمتع بجمالها وثمارها ثم تكسر أفنانها
وتفرك براعمها المؤنثة وتدوسها بالنعال..
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ
سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (التكوير: 8-9) ويوم ترد هذه اللفتة
الاستنكارية في معرض آيات الزلزلة وعلامات القارعة السماء تنفطر والكواكب تنتثر،
الجبال تسير، والعشار تعطل، والوحوش تحشر والسماء تكشط ثم تبرز المؤودة في ذلك
الجو المتفجر الرهيب ويجلجل سؤال على رؤوس الأشهاد ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ
قُتِلَتْ﴾ (التكوير: 9): ولا جواب. ألسنة المجرمين انخرست والوحوش سكنت
واستسلمت، والصمت الرهيب يجثم بكلكلة على صدور الخلائق، عندها تكون الإدانة الكبرى
للجاهلية بشقيها القديم والحديث، كيف تمتد يد الوأد الآثمة لتقتل براعمًا آمنة
على غصن الحياة، فطرها الله بيديه. أي وحشية هذه وأي استكبار ونذالة، إنه
استفظاع الجريمة واستقباحها الرهيب.
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ
سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (التكوير: 8-9): مسكينة أيتها الأنثى، كم
تذهبين ضحية القوانين الجائرة والعقائد البائرة وكم من الإناث وثدن تحت تراب الهند
والصين، قضين نحبهن صمتًا، وسفكت دماؤهن هدرًا وهن خلق كريم أتت به مشيئة الله
ليحيا فكان امتحانًا عمليًا لهذه العقائد الساقطة ومحكًا لمدى صلاحيتها ومصداقيتها
في إسعاد الناس، ألأنهن خلق ضعيف والبقاء للأقوى حسب قانون الغاب؟ أم لأنهن رمز
الشر كما يحلو لهم أن يصوروهن، إنها الحالة الإجرامية التي تسيطر على العقل البشري
وقد حشته العقائد الفاسدة وأشرب حب بوذا في الصين، وحب البقر في الهند، وحب المادة
واللذة الآنية في الغرب، كما كان قد أشرب حب اللات والعزى في عرب الجاهلية من قبل،
فراح يفسد في الأرض ويهلك الحرث والنسل.
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ
سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (التكوير: 8-9):
ونحن المسلمين نحبك ونعرف قدرك أيتها
المرأة، نحبك أمًا وأختًا وزوجة وبنتًا، فحبك فطرة وحبك سنة سنها النبي الكريم
«حبب إلى من دنياكم الطيب والنساء» فحبك عبادة في الإسلام. نحن نحبك ونقول ذلك
لأننا واقعيون، ولأننا جادون في حبنا لا عابثين بطرين.
ولأننا نحبك لا نئدك، كما يفعل الجاهليون
القدامى وأدًا سلبيًا بالقتل، ولا نئدك كما يفعل الجاهليون الجدد وأدًا إيجابيًا
بالاسترجال والمسخ. ولكننا ننزلك في قلوبنا، في منزلك الوسط الصحيح، ولا نخشى عليك
غبار المصانع واستغلال الوظائف ومزايدات الصفقات ودموع التماسيح فحسب بل نخشى عليك
حتى من سهام العيون فهل تقبلين؟؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل