; تفسير د. عمر الأشقر للقرآن الكريم: سورة البقرة (٢٨)- النص القرآني الحادي والعشرون دعوى اليهود والنصارى وعباد الأوثان أنهم الأفضل | مجلة المجتمع

العنوان تفسير د. عمر الأشقر للقرآن الكريم: سورة البقرة (٢٨)- النص القرآني الحادي والعشرون دعوى اليهود والنصارى وعباد الأوثان أنهم الأفضل

الكاتب د. عمر سليمان الأشقر

تاريخ النشر السبت 04-يونيو-2011

مشاهدات 55

نشر في العدد 1955

نشر في الصفحة 58

السبت 04-يونيو-2011

ادعى كل من اليهود والنصارى أنهم الأفضل والأكمل، وادعى كل فريق أنه الذي يستحق جنة الله في الآخرة، وانتقص كل واحد من الفريقين الفريق الآخر، وادعى أن الفريق الآخر ليس على شيء، ومع أن الذين لا يعلمون وهم مشركو العرب لم يكونوا مؤمنين بالآخرة، فإنهم كانوا يدعون مثل دعوى اليهود والنصارى، يعني أنهم الأكمل والأفضل.

وقد أكذب الله الفرقاء الثلاثة فيما ادعاه كل فريق منهم، وهي أماني باطلة ليس لها دليل قويم تقوم عليه، والصواب من القول: إن أهل الفضل الذين يستحقون الجنة هم الذين أسلموا وجوههم لله وحده لا شريك له، وسيحكم الله في يوم القيامة بين الفرقاء المتنازعين فيما ادعوه وتنازعوا فيه.

آيات هذا النص من القرآن الكريم:

﴿وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ (111) بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ (112) وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ لَيۡسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيۡسَتِ ٱلۡيَهُودُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُمۡ يَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ مِثۡلَ قَوۡلِهِمۡۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ (113)﴾ (البقرة: ١١١- ١١٣).

المعاني الحسان في تفسير هذه الآيات: 

1- دعوى كل من اليهود والنصارى أنه صاحب الجنة دون غيره: 

أخبرنا الله تبارك وتعالى أن كلا من اليهود والنصارى ادعى أنه صاحب الجنة دون غيره: ﴿وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ (البقرة: ١١١)، والمعنى أن اليهود قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديًا وأن النصاري قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيًا، وأجاز القراء أن يكون «هودا» بمعنى يهوديًا حذف منه الزائد، أو يكون جمع هائد.

وأخبرنا ربنا في سورة المائدة أن كل واحد من الفريقين ادعى أنه أبناء الله وأحباؤه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ﴾ (المائدة: ١٨).

وقد أكذبهم الله جميعًا فيما ادعوه، فقال: ﴿تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ﴾، أي هذا الذي يدعونه أماني كاذبة على الله سبحانه، وليس عندهم على ما يزعمونه حجة ولا برهان، ولذلك فإنه طالبهم أن يأتوا ببرهان على ما ادعوه: ﴿قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ (البقرة: ١١١)، والبرهان: الحجة والدليل أي هاتوا الدليل الدال على صدق ما تدعونه، وما زلنا ننتظر منهم أن يأتوا بالدليل ولا دليل. 

وأكذبهم الله في سورة المائدة في دعوى كل منهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، فقال: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (المائدة: 18).

2- أصحاب الجنة في حكم الله:

ثم بين الحق -تبارك وتعالى- من يستحق الجنة فقال: ﴿بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ (البقرة: ١١٢)، أي الأمر ليس كما يدعيه هؤلاء كذبًا وزورًا، فالمستحق للجنة هو الذي أسلم وجهه لله -تبارك وتعالى- وهو محسن، وإسلام الوجه لله، توجيهه إليه سبحانه، وإذا انقاد الوجه لله انقاد الجسد كله، وخص الوجه بالذكر لكونه أشرف ما يرى من الإنسان، ولأنه موضع الحواس.

وقوله: ﴿وَهُوَ مُحۡسِنٞ﴾ أي باتباعه ما جاءه من عند الله على رسوله صلى الله عليه وسلم. 

والمراد به إخلاص الدين لله الواحد الأحد، وقد قرر أهل العلم أن العمل لا يقبل عند الله إلا بشرطين: أحدهما أن يكون خالصًا لله وحده، والثاني: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، فمتى كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل.

ومن هذا النوع الذين يعبدون الله بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم على غير منهجه، أعمالهم تكون يوم القيامة هباءً منثورًا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ (الفرقان: 23)، وجاء في الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم، قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» «البخاري، ٢٦٩٧، ومسلم ۱۷۱۸».

والذي يأتي بالعمل موافقًا للشريعة، ولكنه ليس بخالص لله مردود أيضًا، فإنَّ الله أغنى الأغنياء عن الشرك، فمن عمل عملًا أشرك معه فيه غيره، تركه الله وشركه.

3- دعوى كل من اليهود والنصارى ومشركي العرب أنه الأفضل:

تنازع كل من اليهود والنصارى ومشركي العرب الفضل فيما بينهم، فادعى اليهود أنهم هم الأفضل والأكمل عند الله، وقد سبق دعواهم أنهم أصحاب الجنة، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وقد ادعى النصارى مثل دعوى اليهود.

ومع أن مشركي العرب ليس لهم كتاب، ولا يؤمنون باليوم الآخر، فإنهم ادعوا الدعوى نفسها، وزعموا أنهم أصحاب الفضل والمنزلة العالية، وقد سماهم الله بالذين لا يعلمون في الآية التالية، فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (البقرة: 113).

لقد اشتط كل فريق في رفض الطرف المقابل، فكل من اليهود والنصارى يدعي أن الآخر ليس على شيء يعتد به، بل إن هذه المقولة سرت إلى الطوائف المتنازعة من النصارى فيما بينهم، والطوائف المتنازعة من اليهود فيما بينهم، وادعى هذه الدعوى المشركون من العرب، وهم الذين لا يعلمون.

4- قضاء الله وحكمه بين الفرقاء المتخاصمين في يوم القيامة:

 أخبرنا ربنا -تبارك وتعالى- أنه سيقضي في يوم القيامة بين هؤلاء فيما اختلفوا فيه في الدنيا: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (البقرة: 113). 

وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (الحج: 17).

فقه الآيات وفوائدها:

بتدبير آيات هذا النص الكريم، يظهر لنا أن فيها من الفقه والفوائد ما يأتي:

1- يدعي كل من اليهود والنصارى 

أن الجنة لهم دون غيرهم من الناس، وأعلمنا ربنا أن ذلك ظنون وتخرصات، وأمرنا أن نطالبهم بالدليل الدال على صدق دعواهم. 

2- عرفنا ربنا -تبارك وتعالى- أن أصحاب الجنة هم الذين أسلموا وجوههم به وأتقنوا أعمالهم لله، فهؤلاء هم أهل الجنة المثابون عند ربهم الذين لا يخافون من الآتي، ولا يحزنون على الأهل والذرية. 

3- يدعي اليهود أنهم الأفضل دون غيرهم من الناس، ويدعي النصارى أيضًا أنهم هم الأفضل دون غيرهم، ويدعي الذين لا يعلمون وهم مشركو العرب أنهم هم الأفضل دون غيرهم، وكلهم ليسوا كذلك، فكل من لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وكتابه فهو كافر في نار جهنم، وقد أعلمنا ربنا أنه سيفصل في يوم القيامة في هذه القضية التي اختلف فيها العباد، ويُظهر الفريق الأفضل.

  • يدعي اليهود والنصارى أن الجنة لهم دون غيرهم وأعلمنا ربنا أن ذلك ظنون وتخرصات، وأمرنا أن نطالبهم بالدليل
  • عرفنا ربنا تبارك وتعالى أن أصحاب الجنة هم الذين أسلموا وجوههم لله وأتقنوا أعمالهم له
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

1639

الثلاثاء 24-مارس-1970

حَديث صَريح للشيخ محمد أبو زهرة

نشر في العدد 11

152

الثلاثاء 26-مايو-1970

تفسير زئبقي للقرآن

نشر في العدد 46

129

الثلاثاء 02-فبراير-1971

كيف يفكر أشبال الجيل الجديد؟