; أرتيريَا.. بين اليوم والغد. | مجلة المجتمع

العنوان أرتيريَا.. بين اليوم والغد.

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أكتوبر-1977

مشاهدات 89

نشر في العدد 369

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 04-أكتوبر-1977

 يتركز الصراع الدولي الإفريقي الآن، في النقطة الساخنة الملتهبة من شرق إفريقيا.. ويدور الصراع فيها علانية وسرًا على نحو يتصاعد طردًا وعكسًا يومًا إثر يوم .

 وإذا تجاوزنا الآن الحقيقة الماثلة من هذا الصراع في الصومال وجيبوتي، وفي منطقة أوغادين، فإن الحديث عن الثورة الأرترية يصبح واجبًا لا محيد عنه، بعد أن فرضت هذه الثورة المباركة وجودها فرضًا لا على الساحة العربية وحدها، بـل وعلى الساحة الدولية كلها، من خلال المجاهدة والمصابرة التي انطوى عليها ثوار شعب أرتيريا خلال ستة عشر عامًا من عمرها المليء بالتضحيات والشهداء. 

 ويمكن القول في يقين بأن ثورة شعب أرتريا توشك أن تحقق النصر كاملًا، وأن تنتزع الاستقلال انتزاعًا من براثن الحكم العسكري الإثيوبي، الذي ما يزال يعاني الآن من شتى الاضطرابات الداخلية، بجانب الأثر البالغ الذي سببته الثورة الأرترية في زعزعة ذلك الحكم العسكري، إلى جانب المنازعات والاشتباكات الدموية القائمة بينها من جهة، وبين الصومال والثوار في أوغادين من جهة أخرى. 

 ولا تزال الأنباء تحمل كل يوم نبأ نصر جديد تحققه الثورة الإرترية على الحكم الإثيوبي العسكري، ولا تزال المدن تسقط واحدة إثر أخرى في يد الثوار، حتى أوشكت أرتريا كلها أن تقع في قبضتهم، فيما عدا أسمرة العاصمة ومصوع وعصب، وهما الميناءان اللذان يربطان إثيوبيا بالعالم عن طريق البحر الأحمر، باستثناء جيبوتي التي كانت إثيوبيا تعتمد عليها في صادراتها ووارداتها .

 والمتتبع لتاريخ القضية الأرترية، تبرز أمامه عدة حقائق، ترتبط في حلقات موصولة، حتى تنتهي بالنتائج الكبيرة التي حققتها الثورة في مسارها عبر سنواتها الطويلة:

- ففي عام ١٨٩٠ احتلت إيطاليا أرتريا احتلالًا كاملًا، وأصبحت مستعمرة إيطالية خالصة.

- واحتلها الإنجليز بعد الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤١م باسم قوات الحلفاء، وخضعت للإدارة البريطانية لمدة أحد عشر عامًا، وقد تمت اتفاقات صريحة بينهم وبين الإمبراطور هيلاسلاسي لبسط سلطانه على أرتريا، وروجت الكنيسة بين الجماعات النصرانية فيها لفكرة الدمج هذه .     

- خلال فترة الحكم الإنجليزي، نشأت عدة أحزاب كحزب الانضمام، وحزب حب الوطن، ويناديان بالدمج، وحزب الرابطة الإسلامي وكان ينادي بالاستقلال .

- في عام ١٩٥٠ اتخذت هيئة الأمم المتحدة قرارًا، يقضي بفرض الاتحاد الفدرالي بين إرتريا والحبشة .

- وفي عام ١٩٥٢ أصبحت أرتريا دولة اتحاديةتحت التاج الإثيوبي .

-  مارست إثيوبيا عند ذلك كل أساليب الضغط والإرهاب ضد كل من يقف معارضًا الوضع الجديد .

- وتلاشت التنظيمات الحزبية، وافتقدتالجماهير القيادية، وتبدت المعارضة في اضطرابات الطلاب التي كانت تقمع بضراوةوشدة، ونشأت في ظل الوضع الجديد طبقات تمالئ النظام الإثيوبي، جريًا وراء مطامحها الذاتية في الثراء والوزارات ومقاعد البرلمان .

-  بسطت إثيوبيا عند ذلك سلطانها على أرتريا، واستولت على كل مصادر اقتصادها، وأنزلت العلم الأرتري، ومنعت تدريس اللغتين العربية والتجرينية. 

 وفي هذا الجو الفاسد المضطرب، في أواخر عام ١٩٥٨م، تأسست حركة تحرير إرتريا بالخارج في السودان کتنظیم سري، و رفعت شعار الاستقلال والوحدة الوطنية، ثم ما لبثت فكرتها وتنظيمها أن انتقل إلى داخل أرتريا، وانضمت إليها أعداد كبيرة من الأرتريين. 

- في عام ١٩٦٠م تأسست جبهة التحرير الأرترية، إلا أن خلافًا نشأ بين التنظيمين وظل بعد ذلك قرابة العشر سنوات، مما أضر كثيرًا بسير القضية الأرترية، ولم تكن طبيعة ذلك الخلاف واضحة، ولم يحسم في وقته عن طريق الحوار واللقاء المباشر بين الطرفين. 

- أعلنت الجبهة منذ تأسيسها عن بدء الثورة المسلحة، وقد وجد نداؤها تجاوبًا كبيرًا وتعاطفًا هائلًا من الأرتريين، ولذا اتسعت دائرتها ووجدت الترحيب والتأييد الكاملين في وقت قصير.

- وبدأت الجبهة في التركيز على جميع السلاح وهي بالخارج لتصعيد العمل العسكري، إلا أن مما يؤخذ عليها أنها أغفلت الجانب التنظيمي وتربية الكوادر القيادية الملتزمة، مما يجعل العمل الثوري متكاملًا قيادةً وتنظيمًا وسلاحًا. 

- في عام ١٩٦٢م ألغت إثيوبيا الاتحاد الفدرالي من طرف واحد، واحتلت إرتريا احتلالًا عسكريًا.

-في عام ١٩٦٥م شكل أول مؤتمر للجبهة، كونت فيه القيادة الثورية، ووزع المقاتلون إلى مناطق عسكرية، إلا أن أمر التنظيم الشامل لم ينظر إليه كأمر ذي بال، ولذا نشأت من جراء ذلك كثير من المشاكل التي صاحبت العمل الثوري خلال مسيرته الطويلة .

- تنادى العسكريون والمواطنون بضرورة عقد مؤتمر لمراجعة العمل العسكري كله، وانعقد مؤتمر أدوبحا ولكنه لم يثمر الثمرة المرجوة منه. 

- وفي أعقاب مؤتمر أدوبحا: تشكلت قوات التحرير الشعبية التي كانت رفضًا لممارسات القيادة العامة التي انبثقت عن مؤتمر أدوبحا، ولكل أخطاء الجبهة مجتمعة. 

 وحتى قوات التحرير هذه لم تسلم من الأخطاء برغم سلامة الأهداف التي حملتها، كهدف الوحدة الوطنية. 

  • وبرغم هذه الأحداث المتسلسلة، والتي تقع دائمًا في الممارسات العملية، فإن الثورة الأرترية شقت طريقها المرسوم، وبذلت المساعي لإزالة الخلاف بين فصائلها.. مساع حميدة من كل الأطراف العربية التي تؤمل الخير في مسيرة الثورة، حتى تحتل أرتريا الدولة الجديدة المستقلة مكانها بين شقيقاتها العربية.. وأثمرت تلك المساعي لتوحيد الصف، أو على الأقل تضييق شقة الخلاف بينها .

 وفي أعقاب حرب حزيران ١٩٦٧، وبعد حرب أكتوبر ۱۹۷۳م ، برزت الأهمية القصوى للبحر الأحمر، كمنطقة ذات أثر كبير وخطير، إذا ما استطاعت إسرائيل أو الاتحاد السوفييتي أو أمريكا السيطرة عليه، أو إحراز مناطق لنفوذها فيه على نحو ما فعلت إسرائيل في بعض الجزر التابعة لأرتريا، والتي قامت بتأجيرها من السلطات الإثيوبية .

 ومن هنا برزت قضية البحر الأحمر وأمن الدول المطلة عليها فجأة إلى صدر الأنباء العالمية، وفي مقدمة الأقطار الإفريقية التي تشكل أهمية خاصة بالتسابق نحو البحر الأحمر، تقف أرتريا بشواطئها الممتدة لمسافة ألف ميل، على رأس هذه القضية من الأهمية .

 ومن هنا، قفزت الثورة الأرترية خطوات واسعة بفضل المساعدات العربية التي تدفقت عليها خلال السنوات الأخيرة، بعدما كانت هذه الدول أو معظمها تقف موقفًا سلبيًا من الثورة الأرترية.. ذلك أن استمرار احتلال إثيوبيا لأرتريا -بعد أن أعلنت إثيوبيا انحيازها الكامل نحو الاتحاد السوفيتي- يعني في المكان الأول انتقال النفوذ السوفيتي لهذه المنطقة الأرترية الهامة المطلة على البحر الأحمر .

 ولهذا، فإن الثورة الأرترية الآن تعيش عهدها الذهبي، وتنعم بالمساعدات العسكرية والاقتصادية والمالية بسخاء لم يسبق له مثيل، ذلك أن البحر الأحمر لم يعد منفصلًا عن الخليج ولا عن البحر الأبيض أو المحيط الهندي، بل هو في حقيقته واسطة العقد ومفتاح العبور إلى كل هذه المناطق مجتمعة. 

 ومن هنا، يصبح انتصار الثورة الأرترية حقيقة واقعة وضرورة لازمة، تتمثل في أسباب شتی :

 فإثيوبيا، وهى تقذف بقواتها النظامية أو بالفلاحين الذين يتدربون مدة ٤٥ يومًا ثم يقذف بهم إلى الميدان، إنما تخوض معركة خاسرة، تدرك هي حقيقة أبعادها .

 - فالوضع الداخلي في إثيوبيا يعيش مرحلة قلقة من الاضطرابات والتيارات التي تعمل على إسقاط السلطة القائمة .

- والاقتصاد في إثيوبيا تحول إلى اقتصاد حرب، ولا يجد من خلاله المواطنون الاستقرار الحياتي والمعيشي .

- ومنظمة الاتحاد الديمقراطي الإثيوبي تشكل بالنسبة لإثيوبيا خطرًا دائمًا. 

- والثوار الأرتريون يسيطرون على ٨٥ بالمائة من أرتريا، ويديرونها إداريًا وصحيًا وتعليميًا واقتصاديًا، فهم الآن بمثابة الحكام الحقيقيين يمارسون السلطة الفعلية في أرتريا .

- والصومال وثوار أوغادين، أصبحوا يستنفذون طاقة القوات الإثيوبية بسبب المعارك القائمة بينهما .

- والتقارب بين الصومال والمملكة العربية السعودية، فوق أنه قد أقصى السوفييت من هذه المنطقة، فهو قد أعطى ضمانًا كافيًا للصومال بالدعم المالي والعسكري الذي تستطيع به الاستمرار في مواجهة إثيوبيا عسكريًا لمدى طويل .

- واستقلال جيبوتي، ضيق المنافذ الحيوية لإثيوبيا على البحر الأحمر مما يهدد أوضاعها السياسية والاقتصادية تهديدًا مباشرًا، لا يستطيع السوفيت المعاونة فيه حتى ولو عاونوا بالسلاح.

 هذه هي أرتريا، الدولة الجديدة المستقلة ..وليدة الثورة الرائدة المنتصرة:

- سكانها نحو ٣,٥ مليونًا، أكثرهم مسلمون ويتحدثون العربية والتجرينية .

- ومساحتها ١٢٥ ألف كيلومتر مربع .

- غنية بثرواتها الزراعية والحيوانية والسمكية، وبمعادنها من الحديد والرصاص والنحاس والذهب .

- تقع في شرق إفريقيا، يحدها الصومال جنوبًا، والبحر الأحمر شرقًا وإثيوبيا غربًا، والسودان شمالًا .

- ودخلها الإسلام وهو في أيامه الأولى في مكة، حيث هاجر إليها عدد من الصحابة منهم عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعبد الرحمن بن عوف، ومصعب بن عمير... وغيرهم ممن هاجر إليها في عهد النجاشي.

 - ثم أرسل إليها عمر بن الخطاب حملة لنشر الإسلام .

- وفي عهد الدولة الأموية أرسل إليها عبد الملك بن مروان حملة استولت على جزر دهلك على بعد60 ك.م من ميناء مصوع، حيث انتشر الإسلام منها إلى إرتريا والحبشة، وصارت فيما بعد جزءًا من الدولة العباسية .

- وفي عام ١٥٥٧ صارت أرتريا جزءًا من الدولة العثمانية، بعد أن هزم الأتراك الأسطول البرتغالي في تلك الشواطئ.. وظلت كذلك حتى احتلها الطليان عام ١٨٩٠م .

 وغدًا تشرق شمس هذه الدولة الجديدة، لتأخذ مكانها بين دول العالم الإسلامي والعربي، شريطة ألا يتوانى العالم العربي في أن يجزل لها العون، حتى تتخطى جميع العقبات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .

الرابط المختصر :