; تفسيـــــر ســورة الــعصــر | مجلة المجتمع

العنوان تفسيـــــر ســورة الــعصــر

الكاتب يعقوب الشريدة

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أبريل-1990

مشاهدات 68

نشر في العدد 963

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 17-أبريل-1990

·      النجاة من الخسران إنما تناط بحرص كل من أفراد الأمة على الحق وتواصيه.

هذه السورة على قصرها من أجمع سور القرآن للخير، حتى قال عنها الشافعي رضى الله عنه: «لو فكر الناس كلهم في هذه السورة لكفتهم»[1]. ويعلق ابن القيم على كلام الإمام الشافعي فيقول: «وبيان ذلك أن المراتب أربعة، وباستكمالها يحصل للشخص غاية كماله. إحداها معرفة الحق، الثانية عمله به، الثالثة تعليمه من لا يحسنه، الرابعة صبره على تعلمه، والعمل به وتعليمه، فذكر تعالى المراتب الأربعة في هذه السورة»[2].

لذا فقد فقه الصحابة رضي الله عنهم ما تحتويه هذه السورة من تذكير لهذه الأمور فـ «كان الرجلان من أصحاب رسول الله «صلى الله عليه وسلم» إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة «والعصر» ثم يسلم أحدهما على الآخر.[3]

والسورة «مكية في قول ابن عباس وابن الزبير والجمهور، مدنية في قول مجاهد وقتادة ومقاتل».[5] 

ويظهر- والله أعلم- أنها ليست مكية فحسب وإنما هي من أوائل ما نزل من القرآن؛ لأن موضوعها شبيه بمواضيع السور التي نزلت في بداية العهد المكي.

وتسلسلها في المصحف الإمام الثالثة بعد المائة، بعد سورة التكاثر، وبعدها سورة الهمزة، وتشترك مع بقية ما حولها من السور في إنها سورة ترهيب وتهديد، فجميعها تتكلم عن الخسر وما يؤول إليه. فالتكاثر تتكلم عن الخسر الناتج عن التكاثر بأنواعه، والهمزة تتكلم عن الخسر الناتج عن نوع خاص من أنواع التكاثر- تكاثر المال. والفيل تتكلم عن الخسارة في الدنيا نتيجة عدم الإيمان، وهكذا بقية السور. وسورة العصر جامعة لما في هذه السور، ولكنها إضافة إلى ذلك سورة تبشير، تبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر بأنهم في نجاة من هذا الخسر.

تتكون هذه السورة من ثلاث آيات، وأربع عشرة كلمة. والآيات في رواية عاصم هي:

﴿وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر:1-3).

أما في رواية ورش فالآيات موزعة كما يلي:

﴿ وَالْعَصْرِ 1 إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ 2 إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ 3 وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ 4 ﴾.

فأفردت «وتواصوا بالصبر».

وهذه السورة على قصرها بلغت القمة في الإيجاز، والإعجاز. والإيجاز هو الاقتصاد في الكلمات، والإعجاز هو الكلام المعجز الذي لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله لما فيه من بلاغة ومعنى وتأثير.

-  والعصر:

الواو، واو القسم، والقسم أسلوب من أساليب التوكيد، وليس قاصرًا على القرآن الكريم، والكتب السماوية الأخرى، ولكنه عام في أساليب البشر. فمن طبيعة الإنسان الحاجة إلى تأكيد خبر سمعه أو وعد قطعه، والرغبة في الاطمئنان إلى كلام محدثه أو الرغبة في اطمئنان محدثه إلى ما يقول هو، وهذا أمر شائع بين البشر أفرادًا وجماعات ولا سيما في الأمور العظيمة كالمعاهدة بين قوم وقوم، أو بين ملك ورعية، أو بين أفراد الناس ليكونوا على ثقة من بعض فيعلموا الموافق من المخالف، ويميزوا العدو من الصديق. هذه الحاجة إلى التوكيد والاطمئنان دعتهم إلى استنباط القسم حيث عبروا عنه بمصافحة اليد اليمنى لليد اليمني- وهذا كما يبدو- أصل كلمة اليمين، وربما استعملوا كلمة «أقسمت» يريدون بها التأكيد، وأصلها قسم الشيء وقسمه إذا قطعه، والقطع هو نفي الريب والشبهة، والقول الفصل الذي يفرق بين الحق وضده، وربما استعملوا كلمة «الحلف» ومعناه القطع أيضًا، وربما استعملوا لام التوكيد دليلًا على القسم، فإذا قال أحدهم «لأفعلن» قصد بذلك: والله لأفعلن».[6]

وكان العرب في الجاهلية يقسمون بالله وبالأصنام كاللات والعزى، وبأعمارهم- مثل لعمرك، وبالآباء والأجداد، وبما هو كريم في نظرهم. وقد نهى الإسلام عن جميع الأقسام إلا ما كان بالله وأسمائه وصفاته وما أضيف له سبحانه کـ«ورب الكعبة» فقد جاء في الحديث الشريف: «من حلف بغير الله فقد أشرك»، و«من حلف، فليحلف برب الكعبة»[7] و«إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت».[8]

وتتكون جملة القسم من:

1- أداة القسم: حيث إن الصيغة الأصلية هي أقسم أو أحلف مع تعدي الفعل بالباء إلى المقسم به كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ (النحل:38).

 ولكثرة استعمال القسم حذف الفعل واكتفى بالباء وما يعوض عنها مثل الواو والتاء، مثل ﴿والليل﴾ ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ (الأنبياء:57).

2- المقسم به: وهو شيء جليل مهم يقسم به ليؤكد به ما بعده، وفيه كذلك تكريم للمقسم به وتعظيم. والله تعالى يقسم في القرآن بنفسه أحيانًا لجلاله عز وجل، وبمخلوقاته أحيانًا أخرى دليلًا على عظمته؛ لأنه خالقها وتكريمًا لها لأنها من صنعه تعالى، وقد يضيف تعالى اسمه إلى مخلوقاته في أماكن أخرى كما في قوله تعالى: ﴿فوربك﴾ تكريمًا للرسول ص و﴿فورب السماء والأرض﴾.

وذكره تعالى مخلوقاته في القسم فيه نوع من التحدي بأنها مما لا يملك أحد فعله؛ لذا وجب التصديق بخالقها وطاعته وامتثال أمره الذي سيأتي وهو:

3- المقسم عليه: وهو جواب القسم الذي يراد تأكيده وتحقيقه لا سيما إذا كان من الأمور الغائبة والمخفية، ولزيادة توكيده قد يبدأ بأداة التوكيد إن أو بلام الابتداء وهي تفيد التوكيد أيضًا وأحيانًا بكليهما، وقد يحذف جواب القسم لوجود ما يدل عليه، ولزيادة البلاغة كما في قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ. أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ (القيامة:1-3) والتقدير «لتبعثن ولتحاسبن».

وإذا جاء القسم في القرآن دل على أن الخبر أمر مهم وأنه حق، وأنه لابد واقع فاستوجب التدبر والإمعان وأخذه مأخذ الجدية، كيف لا وهو من الله عز وجل، وقد روي أن أعرابيًا سمع قارئًا يقرأ: ﴿فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما إنكم تنطقون﴾ فقال: «يا سبحان الله من الذي أغضب الجليل حتى حلف؟ ألم يصدقوه في قوله حتى ألجاؤه إلى اليمين؟ يا ويح الناس».

- (والعصر)» يقسم الله تعالى بالعصر، وكلمة العصر قد تعني الدهر، وقد تعني وقت العصر «العشي»، أو صلاة العصر، كما في قوله أذن للعصر أي لصلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى عند الجمهور كما ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد والإمام مسلم: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر»، فأقسم بها لأهميتها، وكثيرًا ما تطلق كلمة العصر على فترة من الزمان معينة مرتبطة بملك من الملوك أو حادثة من الحوادث، فكثير من المفسرين من يربطها بعصر النبوة، نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعصر أمته، وهو خير العصور. وسواء اعتبرنا العصر هو الدهر أو العشي أو صلاة العصر أو عصر النبوة فالمعنى سليم قد تعنيه السورة وهذا من إعجاز القرآن، إلا أن أكثر المفسرين يشير إلى أن معنى العصر هو الدهر لورود بعض الآثار التي تدل على وجود قراءة منسوخة هي «والعصر ونوائب الدهر إن الإنسان لفي خسر وإنه لفيه إلى آخر الدهر».[9] 

والعصر أو العصر هو الزمان الذي تمضي فيه سنن الله الكونية، وهو آية من آيات الله سبحانه وتعالى، وهو ما ليس بمقدور كائن ما أن يرده أو يعيده، وهو يمضي بسرعة، وحياتنا تمضي فيه بسرعة أيضًا، وعلينا أن نقدم فيه كل شيء.

أنت صغير اليوم وغدًا كبير هرم.

اليوم صحيح وغدًا مريض.

اليوم غني وغدًا فقير.

لذا يجب ألا نهمله ولا نضيعه أو نسيء استغلاله، وهو البعد الذي تعمل فيه قدرة الله تعالى المتمثلة بالقضاء والقدر. ففيه الأمم تقوم وتختفي، والدول تعلو وتهبط، وكان العرب يبغضونه ويسبونه أحيانًا فيقولون: «زمان مشؤوم» و«وقت نحس» و«دهر سوء»، فأقسم الله به لينبهك إلى أن الزمان في نفسه ليس مما يذم ويسب بل هو عاد للحسنات كما هو عاد للسيئات، وهو ظرف لشؤون الله الجليلة من خلق ورزق، وإعزاز، وإذلال، وخفض، ورفع، فكيف يذم في ذاته وإنما قد يذم ما يقع فيه من الأفاعيل الممقوتة»[10].

- (إن الإنسان لفي خسر):

إن: أداة توكيد تفيد الاعتناء بالخبر وتقديمه، وتحقيقه وأهميته.

الإنسان: الألف واللام للجنس، أي جنس الإنسان، والمعنى أن جميع الناس- وليس أسماء معينة كما ذهب بعض المفسرين- في خسر إلا ما استثناهم الله في هذه السورة.

لفي: اللام لام الابتداء تفيد التوكيد، إن الأصل أن تأتي أول الكلام، (لإن الإنسان)، ولكن كره العرب أن تأتي أداتان للتوكيد واحدة بعد الأخرى فأخرت إلى الخبر. فخسارة الإنسان قد أكدت بشتى وسائل التوكيد اللغوية، بالقسم وإن واللام.

 في: لها معان كثيرة أهمها الظرفية والسببية والمصاحبة، وهنا قد تكون ظرفية، والمعنى أن الإنسان في طريق الخسر، أو في حالة خسر، أو للمصاحبة فيكون المعنى أن هذا الخسر مصاحب له وملازم لا ينفك منه.

خسر: الخسر والخسران انتقاص رأس المال وينسب ذلك إلى الإنسان فيقال: «يخسر فلان» وإلى الفعل فيقال: «خسرت تجارته»، ويستعمل ذلك في المقتنيات الخارجة كالمال والجاه في الدنيا وهو الأكثر، وفي المقتنيات النفسية كالصحة، والسلامة، والعقل، والإيمان، والثواب وهو الذي سماه الله تعالى الخسران المبين، وكل خسران ذكره الله تعالى في القرآن فهو على هذا المعنى الأخير دون الخسران المتعلق بالمقتنيات الدنيوية والتجارات البشرية. ولكن لماذا كلمة خسر بالذات وليس خسران، أو هلاك، أو عذاب... الخ؟

كلمة خسر لها معان كثيرة تشترك مع الكلمات السابقة، فقد تعني الهلاك أيضًا، فيقول: «خسر فلان بمعنى هلك فلان»، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَ خُسْرًا﴾ (الطلاق:9)، وقد تعني الغبن، وهو استعمال الشيء في غير محله. فكل إنسان خلقه الله بحالة كمال كما تدل عليه فطرته، وفي أحسن صورة وأخلاق ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين:4) في صورة كمال من معرفة الله والتوجه إليه، وخلق الله له العصر والوقت لشكره وعبادته، فكان عليه أن يستغل هذا الوقت بأوسع قدر لعمل الصالحات واجتناب المعاصي، فإن لم يفعل ذلك فقد أساء استخدام الوقت فهو في خسر أي «غبن»،

وقد تعني النقص، فقد أورد الإمام القرطبي عن إبراهيم: «إن الإنسان إذا عمر في الدنيا لفي نقص وضعف وتراجع، إلا المؤمنين فإنهم تكتب لهم أجورهم التي كانوا يعملونها في حال شبابهم نظيره قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ (التين:5)[11].

وهكذا فإن كلمة خسر تعني الهلاك، والغبن، والخسارة، والنقص، والعقاب أيضًا.

ولكن لماذا جاءت كلمة «خسر» نكرة؟ 

يستخدم القرآن الكريم صيغ التعريف والتنكير كثيرًا للدلالة على أمور مهمة، وليس الغرض التعريف والتنكير فقط، فالتنكير يفيد التهويل، والتعظيم تارة، والتحقير تارة أخرى.

وجاءت هنا هذه الكلمة نكرة لتهويل، وتعظيم هذه الخسارة. أنت عهدت في حياتك أنواعًا كثيرة من الخسائر في المال، والجاه، والأنفس، ولكن ليس منها ما يشبه هذا الخسر. إنه من التهويل ما لا يدرك كنهه وطبيعته إلا الله والذين عهدوه، إضافة إلى ذلك فإن هذا الخسر خسر عام يشمل أنواعًا كثيرة من البشر كما دلت عليه كلمة «الإنسان» فهو يشمل الكافر الذي خسر نفسه، وخسر الدنيا والآخرة، كما تشمل خسر الفاسق الذي يؤمن بالله ويوحده، ولكنه اختار لنفسه حياة الفسق، ومعصية الله، حياة شبيهة بحياة الكافر، فيذهب إلى النار ويمكث فيها ما شاء الله أن يبقى وإن أخرج منها بعد حين فهو في خسر، كما أنها تشمل خسر كل من لم تتمثل فيه الصفات المذكورة بعد ذلك في السورة. قال الرازي: «هذه السورة فيها وعيد شديد، وذلك لأنه تعالى حكم بالخسارة على جميع الناس إلا من كان آتيا بهذه الأشياء الأربعة، وهي الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، فدل على أن النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور، وإنه كما يلزم المكلف تحصيل ما يخص نفسه فكذلك يلزمه في غیره أمور»[12].

- (إلا الذين آمنوا):

إلا: أداة استثناء استثنت من الخسر من جنس الإنسان الذين آمنوا، الذين يتحلون ببقية الصفات المذكورة في هذه السورة.

الذين آمنوا: ولم يقل الذي آمن، فإن الإيمان يتطلب العيش في جماعة من المؤمنين يتناصحون بينهم ويحث بعضهم بعضًا على عمل الخير «العمل الصالح».

الذين آمنوا: الذين يعيشون حياة الإيمان بالله، ورسله، وملائكته، وكتبه، وبالغيب وبالقدر خيره وشره، يعيشون حياتهم لله تعالى، ينظرون إلى هذه الدنيا على إنها ممر لحياة دائمة ولا يعيشون حياة الكافر.

نحن لا نموت أبديًا، بل الموت حالة انتقال، وما في هذه الدنيا متاع، وليس فيها من الماديات ما له قيمة أو إرث دائم، فكل ما فيها فان. فأولئك الذين يعيشون في هذه الدنيا حياة التكاثر يجمعون ويبيعون ويشترون كما لو كانت هذه الأمور ذات قيمة وثمن موروث، وكأنما حياتهم منتهية، أما المؤمن فلا يحيا هذه الحياة وإنما يعيش لله، منشغلًا في العمل الصالح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعبادة الله، وهذه الأمور ليست متاعًا ولكنها «نعيم مقيم». إنهم ينفقون ما عندهم، ويهلكون ما يملكون من المتاع طمعًا في الحصول على ذلك النعيم المقيم، وهذه هي التجارة الحقيقية «تجارة لن تبور» ذلك هو الفلاح وفقدان ذلك هو الخسر.

فالإيمان هو الإيمان بالله والحياة لله وذلك هو سر الحياة، وبغير ذلك لا تبقى للإنسان كرامة ولا يبقى للحياة طعم ويصبح الإنسان في أسفل سافلين.

- (وعملوا الصالحات):

وشجرة الإيمان لابد أن تثمر، وثمرة الإيمان ثمرة جميلة، وهذه الثمرة هي العمل الصالح، والإيمان الذي لا يثمر ذلك الثمر الصالح لابد أن يكون به خلل، ولابد أن تكون هذه الشجرة مريضة، إن لم تكن ميتة. وهذه من الأمور التي يؤكد عليها القرآن كثيرًا كما في سورة الماعون مثلًا، فإن نحن آمنا ولكننا أهملنا الصلاة وتكاسلنا عنها فنحن أشبه بالكفار الذين يدعون اليتيم ولا يطعمون المسكين، فمن يفعل ذلك فهو في خسر وإن آمن وقال لا إله إلا الله، إلا إنه عاش في حالة معاكسة لسنة الله وللحقيقة التي خلقه الله من أجلها.

والتعبير القرآني «وعملوا الصالحات» فيه ظلال كثيرة، فقد حذفت كلمة الأعمال بلاغة- إذ الأصل «وعملوا الأعمال الصالحة»، واستخدم أسلوب التأنيب الذي يفيد الخصلة أو الخلة، فهي إذن صالحات باقيات إلى الأبد، وإنها واضحة جلية ليس فيها غبن وفيه إيحاء إلى اجتناب الشبهات التي ليست في أصلها باقية صالحة. إنهم يعملون أعمالًا صالحة حقيقة وليس مجازًا، وكل عمل من هذه الأعمال له ثمن موروث باق وثروة أهم من ثروة المال الفانية.

- (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر):

والتواصي بالحق من الأعمال الصالحة- أي داخل في جملة (وعملوا الصالحات) وهذا من باب «التخصيص بعد التعميم»، وتأثير هذا الأسلوب التأكيد على هذا الجزاء المخصص من العام، إذ هو من الأهمية بما يستحق أن يفرد له هذا التخصيص، والصبر داخل في العمل الصالح وداخل في الحق، وهو كذلك يستحق كل هذا التخصيص مع تكرار كلمة «تواصوا» الثانية، وسبق أن قلنا أن هذه الجملة الأخيرة «وتواصوا بالصبر» اعتبرت آية في رواية ورش مما يزيدها تأكيدًا.

وكلمة وصي «وصية: التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ: من قولهم أرض واصية متصلة النبات، ويقال: أوصاه ووصاه، ووصي أنشأ فضلة، وتواصى القوم إذا أوصى بعضهم إلى بعض»[13].

واستخدمت هذه الكلمة بدلًا من كلمات كثيرة مثل نصح، ودعا، وأمر، لما فيها من معان كثيرة. فهي من عين كلمة وصية، أي يعطي كل واحد وصية للأخر، مثل وصية الأب لابنه، كوصية إبراهيم ويعقوب عليهما السلام لأبنائهما في سورة البقرة: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (البقرة:132)، ففي هذه الكلمة معنى الأخوة، لأنهم ليسوا من الخاسرين، فيعطي كل واحد منهم وصية لأخيه، فلا يكلمه بكبر، وتقريع، وسخرية، وتحقير كما يفعل الفسقة، بل يتناصحون كأنهم إخوة، فيهب أحدهم للأخر وصية كوصية الأب لابنه والأخ لأخيه والعالم لتلميذه بعد أن قضى معه سنوات وآن له أن يودعه، وهذا التواصي متبادل بين المستثنين من الخسر، فلكل حق على الآخر في الحصول على الوصية، وإعطائها، فهم يتقبلون الوصية ولا يعتبرونها إهانة أو تصغيرًا، بل يحبون أخذ الوصية مثلما يحبون إعطاءها وهذا ما تدل عليه كلمة «تواصوا»، فمن حبهم لسماع الوصية أو النصيحة إنهم كانوا يطلبونها ويحرصون على سماعها كحرص الصحابة رضي الله عنهم في طلب الوصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض بن سارية رضى قال: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا...»[14].

فالنجاة من الخسر إنما تناط بحرص كل من أفراد الأمة على الحق وتواصيه.

قال الفخر الرازي: «وقال تعالى: (وتواصوا): ولم يقل ويتواصون لئلا يقع أمرًا بل الغرض مدحهم بما صدر منهم في الماضي»[15].

- (بالحق) وأصل كلمة الحق المطابقة والموافقة، وهو يقال على أوجه:

1- لموجد الشيء بسبب ما تقتضيه الحكمة- والله هو الحق، قال تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ (الأنعام:62).

2- للموجد بحسب ما تقتضيه الحكمة ولهذا يسمى فعل الله تعالى حقًا ﴿الحق من ربك﴾.

3- في الاعتقاد للشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء ﴿فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق﴾.

4- للفعل والقول الواقع بحسب ما يجب وبقدر ما يجب وفي الوقت الذي يجب، كقولنا فعلك حق، وقولك حق»[16]. لذلك قال المفسرون في كلمة الحق في هذه السورة «ما يحق فعله» وقال آخرون: «بالأمر الثابت الذي لا يسوغ أفكاره وهو الخير كله من توحيد الله وطاعته واتباع كتبه ورسله والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة»[17].

- (وتواصوا بالصبر)

والصبر في اللغة الحبس والكف ومنه قتل فلان صبرًا، إذا أمسك وحبس، ومنها قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. (الكهف:28) أي احبس نفسك معهم، فالصبر حبس النفس عن الجزع، والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش، وهو على ثلاثة أنواع:

1- صبر على طاعة الله .

2- صبر عن معصية الله.

3- وصبر على امتحان الله[18] 

وللصبر معنى داخلي، وآخر خارجي، فأما الخارجي فهو الصبر على فعل الأوامر، والصبر عن اقتراف النواهي، وأما الداخلي، فهو عمل الشيء مع الرضا والاستسلام لله ولأوامره، وكثيرًا ما يربط الصبر باليقين فبدون اليقين لا يأتي الصبر، ومتى ما جاء اليقين سهل الصبر.

والعيش في حياة الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق شاق وهو يتطلب جهادًا ومواجهة فيحتاج إلى الصبر، وإلى التواصي بالصبر وبدون الصبر يستحيل العيش الطيب، قال الرازي: «دلت الآية على أن الحق ثقيل، وأن المحن تلازمه فلذلك قرن بالتواصي بالصبر».

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

_________
الهوامش:

[1]  ابن القيم، مفتاح دار السعادة ، ج1، ص ٥٦

[2]  ابن القيم، مفتاح دار السعادة ، ج1، ص ٥٦

[3]  عن أبي حذيفة وكانت له صحبة- رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب

[4]  الأسلوب مقتبس من محاضرة لأحد المسلمين الأمريكان ألقاها باللغة الإنجليزية في أحد مؤثرات اتحاد الطلبة المسلمين

[5]  روح المعاني للألوسي

[6]  مختصر من فصل القسم في القرآن في كتاب التفسير الفني في القرآن للدكتور بكري شيخ أمين

[7]  صحيح رواه الإمام أحمد والبيهقي عن قبيله- صحيح الجامع الصغير للألباني

[8]  متفق عليه عن ابن عمر (رضي الله عنه)

[9]  جامع البيان عن تأويل القرآن للطبري- وقيل إنها قراءة لعلي (رضي الله عنه) وابن مسعود (رضي الله عنه).

[10]  تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويل

[11]  الجامع لأحكام القرآن للقرطبي

[12]  مفاتيح الغيب لتفسير الكبير للرازي

[13]  معجم مفردات القرآن للراغب الأصفهاني، بتصرف

[14]  حديث حسن صحيح رواه أبو داود

[15]  مفاتيح الغيب (التفسير الكبير) للرازي

[16]  معجم مفردات القرآن للراغب الأصفهاني، بتصرف.

[17]  حديث حسن صحيح رواه أبو داود.

[18]  مدارج السالكين لابن القيم باب منزلة الصبر.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 47

133

الثلاثاء 16-فبراير-1971

رسالة عن الترتيب الحالي للقرآن

نشر في العدد 1279

76

الثلاثاء 09-ديسمبر-1997

بريد القراء.. عدد 1279

نشر في العدد 1297

70

الثلاثاء 28-أبريل-1998

استراحة المجتمع (1297)