العنوان فضيحة في إسبانيا تكشف عـن: معاناة المهاجرين المقيمين في إسبانيا
الكاتب نوال السباعي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أغسطس-1996
مشاهدات 68
نشر في العدد 1212
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 13-أغسطس-1996
«أكتب هذا الكلام في حالة من التخدير.. لا أدري بالضبط ما الذي أعطوني إياه.. لا أدري ما الذي كنت قد تناولته.. لكنني ألاحظ.. هذا إذا كنتُ ألاحظ.. إنني مخدر!! لقد استمعت إلى نشرات الأخبار.. وذهبت إلى سريري، ولكنني لا أستطيع النوم!! ما الذي حصل؟.. لقد وضعوا لهم المخدرات في مياه الشرب!! لقد وضعوا لبعض السود المخدرات في مياه الشرب، ولكن.. ما الذي كانوا قد وضعوه لي؟»..
هذا ما كان قد كتبه «مانويل هيد الغو» أحد الكتاب اللامعين في صحيفة «الموندو» الإسبانية - العالم - الصادرة يوم ٢٤/7 إثر الكشف عن فضيحة تخدير المائة مهاجر من السود الذين كانوا قد قاموا بأعمال عنف في مليلة خلال شهر يونيو «حزيران» الماضي، للتعبير عن استيائهم البالغ من الأوضاع غير الإنسانية التي كانوا يعيشونها في مراكز احتجاز المهاجرين غير القانونيين، بانتظار أن تبت الحكومة في أمرهم.
حركة الهجرة الدائبة:
تعاني إسبانيا من حركة دائبة للهجرة الفردية، غير القانونية، والتي يقوم بها أولئك الفارون من الحروب، أو المجاعات، أو الأوضاع بالغة السوء التي تعيشها معظم بلاد القارة السوداء، ولا يجد هؤلاء الأشخاص مفرًا من اختراق الأراضي المغربية وعبور الحدود الإسبانية – المغربية، حتى مدينتي سبتة ومليلة، قامت الحكومة الاشتراكية بضمهما بصورة رسمية إلى جملة المقاطعات الإسبانية في أواخر عام ١٩٩٥م.
ويتم القبض في كل من المدينتين على المهاجرين السود، ويُزَجون في مراكز خاصة للمهاجرين غير القانونيين؛ حيث يتكدس البشر هناك، كما تحشر المواشي بانتظار المثول أمام مسؤول الأمن، أو قاضي المنطقة، أو ما شابه ذلك، والمسؤولون يتأخرون مدة عام أو عامين في البت بأمر الموقوفين الذين يعانون من الإقامة الجبرية والإهانات، والأذى، مما يدعو للقيام بين الحين والحين بأعمال عنف وشغب، يسمعون من خلالها أصواتهم لحكومة العاصمة البعيدة كل البعد عن مستعمرتيها المنسيتين على مشارف إفريقيَا.
وكانت الحكومة الإسبانية قد وقَّعت مع الحكومة المغربية عام ۱۹۹۲م على اتفاقية تنص على تعهد البلدين بإعادة أولئك الذين يدخلون إلى أحدهما من الآخر، من حيث أتوا.
وتشكو إسبانيا من عدم التزام المغرب بهذه المعاهدة، بينما تحتج المغرب بأنه لا يوجد ما يثبت مرور هؤلاء المهاجرين عبر أراضيها.
وتعتبر السلطات الإسبانية حلَّ مشكلة الهجرة غير القانونية مسألة ترتبط مباشرة بالمغرب، وتذكر مصادر وزارة الخارجية الإسبانية في بيانات متعددة أن التعاون بين البلدين أمر أساسي لوقف هذا النزيف الإفريقي الدائب عن طريق مضيق جبل طارق من جهة، وعن طريق سبتة ومليلة من جهة أخرى، وعبر طرق جزر الكاناري من جهة ثالثة، ما عدا الوسائل الأخرى التي يلجأ إليها المهاجرون عن طريق الجو مثلًا، كتزوير جوازات السفر أو اختطاف الطائرات.
المهاجرون في سبتة ومليلة:
تدَّعي إسبانيا أن سبتة ومليلة مدينتان إسبانيتان منذ آلاف الأعوام، وأن مسألة انتمائهما إلى المغرب مسألة لا يمكن أن تكون موضع نقاش أو جدل، إلا أن سبتة ومليلة لم تعودا مصدر قلق بالنسبة لإسبانيا لهذا السبب فحسب، وإنما أصبحتا مصدر بلاء دائم وسوط مسلط على الحكومة الإسبانية، بل على الحكومات الإسبانية المتعاقبة التي نصَبت نفسها حارسًا للحدود الأوروبية الجنوبية التي تفصلها بضعة كيلو مترات عن المغرب فقط.
ولقد ذكر «فيليب جونزالث» رئيس الحكومة الاشتراكية السابق في البرلمان الأوروبي أثناء آخر زيارة قام بها إلى بروكسل في العام الماضي أن المشكلة الأكثر إلحاحًا في أوروبا اليوم هي مشكلة الهجرة.
ومن السهل كشف المهاجرين السود وَسَط شعب مدينة سبتة التي يتشكل بصورة رئيسية من الشعب البربري المسلم أبيض البشرة، والشعب الإسباني المنحدر من أصول لاتينية تتميز بها شعوب شرق وشمال حوض البحر الأبيض المتوسط والشعب المغربي معروف السمات.
إن المهاجرين السود في كل مكان يحملون بطاقاتهم الشخصية في جلودهم السمراء، فكيف لا يكون ذلك أكثر من واضح في مدينتي سبتة ومليلة، حيث عدد السكان في الأولى ٦٧,٦١٥، وفي الثانية٥٦,٦٠٠ وفق الإحصائيات الإسبانية الرسمية.
وعندما يتم القبض على هؤلاء القادمين من الأراضي التي تلي الصحراء، وفق التسمية الإسبانية، تطبق عليهم أحكام السجناء، إضافة إلى المعاملة الخاصة التي تشتهر بها شرطة سبتة ومليلة والتي تتميز بفظاظة وتعصب عرقي، وشدة وعدم التزام باحترام حقوق الإنسان، ويعود ذلك إلى طبيعة احتكاك الشرطة مع مختلف المجموعات العرقية الموجودة في هذه المنطقة التي يتكون ثمن سكانها من عناصر للأمن وقوات مسلحة، ويكثر فيها اللصوص وتجار المهاجرين وتجار المخدرات.
وقد تكررت أعمال العنف التي قام بها المهاجرون المحتجزون في ظروف قاسية للغاية، وذلك للتعبير عن سخطهم، ولإسماع صوتهم للحكومة المركزية وكانت أخطر هذه الأعمال الانتفاضة التي جرت في مدينة سبتة في أواخر العام الماضي، والتي كان لها أبعد الأثر في كشف الأبعاد الحقيقية لقضية المهاجرين غير القانونية في إسبانيا بشكل خاص، وفي عامة الدول الأوروبية بشكل عام.
الفضيحة الجديدة:
قامت مجموعة من الأفارقة في آخر أسبوع من شهر يونيو الماضي بأعمال شغب عنيفة في مليلة وعلى مدى عشرة أيام متواصلة، فعمدت قوات الأمن إلى نقل جميع المهاجرين في المركز الذي أعلن العِصْيَان إلى مدينة ملفة، وأطفأت الفتنة، وخرج رئيس الحكومة خوسيه ماريا أثنار، يتحدث أمام الصحفيين عن فعالية أجهزة دولته الحديثة في حل مشکلات عجز الاشتراكيون عن حلها في حينها، إلا أنه لم تمض سبعة أيام على حديث السيد أثنار هذا حتى ظهرت هذه القضية مرة ثانية في أجهزة الإعلام لتحدث زلزالًا لم يسبق له مثيل، فلقد قام ثلاثة من رجال الأمن بتقديم شكوى ضد وزارة الداخلية، إلى النيابة العامة مفادها قيام الوزارة بترحيل ۱۰۳ من المهاجرين السود الذين اشتركوا في أعمال العنف المذكورة على متن خمس طائرات حربية إلى أربع دول إفريقية هي: السنغال، والكاميرون، وغينيا بيساو ومالي، وقام بمرافقة هؤلاء الرجال ٤٩ رجلًا من رجال الشرطة الإسبانية الذين لم يُبلغُوا بقيام مسؤولين في الحكومة بحقن زجاجات مياه الشرب الخاصة بالمهاجرين بمخدرات خاصة «لتفادي وقوع المزيد من المشكلات»، كما ورد في نص البلاغ، كذلك فإن وزارة الداخلية لم تقم بتنبيه رجال الشرطة إلا الأخطار المحدقة بهم أثناء هذه الرحلة، ولم تُلقحهم ضد الأمراض السارية المنتشرة في هذه البلاد، ولم تزودهم بالغذاء ولا بالدواء، ولا الأوراق الضرورية لإقامتهم مدة ستة أيام في فنادق هذه الدول تحت الإقامة الجبرية.
وقد وقع هذا البلاغ موقع الصاعقة وحدثت بلبلة كبيرة بين رجالات الدولة، فبينما نفى وزير الداخلية كل علاقة له بالموضوع قام نائب رئيس الحكومة بالاعتراف بأن «الحكومة كانت قد استعملت مواد مهدئة مخدرة للتخفيف من حدة العنف الذي يقاومون به عملية نقلهم» وأضاف أن هذه الطريقة ما فتئت تستخدم منذ مدة في إسبانيا.. ثم قال: «إننا لم نخرج فيمَا فعلناه عن الأساليب المتبعة في أوروبا».
ردود الفعل الآنية:
•وعلى الفور قام محامي الشعب بالدعوة إلى تشكيل لجنة للتحقيق في الأوضاع المبلغ عنها، ودعا إلى إقامة مراكز مختصة في كل من سبتة ومليلة لدراسة أوضاع المهاجرين بصورة فردية والبت في كل منها على حدة.
•أما سكرتير الدولة فقد وجه لومًا عنيفًا وشديدًا لنقابات رجال الأمن، وقال: إن من شأن هذه الأعمال أن تشوش على سير الأمور في الدولة.
• وكشف رجال الأمن النقاب عن أن العملية المذكورة كانت قد كلفت الدولة مبلغ ۲۰۰ ألف دولار من احتياطي خزينة الأمة، كما أبلغوا عن وجود ثلاثة من الذين رافقوا المهاجرين في حالة من السبات الخطير في مستشفيات ملفة بسبب الأمراض التي حملوها معهم، وقد اجتمع عليهم المخدر المنوم مع الملاريا والتهابات أخرى.
• أما الناطق الرسمي باسم الحزب الاشتراكي، فقال: «إن هذه فضيحة لم يسبق لها مثيل في إسبانيا، ولا في أوروبا، وأنه سيكون لها أسوأ الأثر على صورة إسبانيا في المحافل العالمية، فإن ما حدث ليس إلا انتهاكًا خطيرًا لحقوق الإنسان في بلد يتمتع باحترام تقليدي دَوْليّ في هذا المجال».
• وأما الناطق الرسمي باسم حزب اليسار المتحد، فقد قال «إن هذا الحادث ليس غلطة ولا خطأ، بل إنه سلوك ثابت يفضح قناعات اليمين الإسباني وتوجهاته».
كذلك فقد ردَّ وزير الداخلية الأسبق وقال:
* ثلاثة من رجال الأمن حالاتهم خطيرة بعدما شربوا دون قصد من المياه التي تحتوي على المخدر الذي تم إعطاؤه للمهاجرين.
«إن الحكومة الاشتراكية كانت قد أعطت بعض المهاجرين نوعًا من المخدرات المهدئة، ولكن بشكل فردي، وعلى صورة حقن في الوريد تحت إشراف طبي مباشر، ولم تعمد قط إلى تخدير مجموعة من البشر دون علمهم عن طريق حقن زجاجات مياههم بالمخدر كما لو كان ذلك في حظائر الحيوانات».
الفضيحة القذرة:
لا يكفي إسبانيا أن هذه القضية ليست إلا فضيحة سياسية من طراز خاص حتى تكشفت التحقيقات الصحفية المتتالية عن أنها فضيحة قذرة من الدرجة العالمية، فلقد كشف مراسلو الصحف الذين تبعوا المهاجرين في رحلة لتقصي الحقائق عن أن وزارة الداخلية قامت بتعاون مع سلطات الأمن بنقل المهاجرين عقب أعمال العنف التي قاموا بها إلى ملفة – مالقة - حيث تمت مفاوضات سرية مع كل من الكاميرون، والسنغال، وغينيا بيساو لقبول هؤلاء الرجال مقابل وعود بذلتها الدولة لمساعدة حكومات هذه الدول في مجالات لم يُفصَح عنها، أما مالي فقد رفضت استقبال مواطنيها دون أن تدفع إسبانيا لكل واحد منهم وهم تسعة عشر مواطن مالي مبلغ ٢٥٠٠ دولار، أو ما يساوي مليون فرنك إفريقي، «بهدف إصلاح شؤون عودتهم» كما ذكرت صحيفة «الموندو».
وقد أثار هذا الأمر الحكومات الأوروبية لأنه سابقة لا مثيل لها، ستساعد في فتح باب جديد للتعامل مع الهجرة غير القانونية في أوروبا.
وأكدت «جمعية حقوق الإنسان في إسبانيا واللجنة الإسبانية لمساعدة اللاجئين» أن معظم المهاجرين المذكورين كانوا قد نقلوا إلى هذه البلاد وهي ليست بلادهم، على أن تقوم قوات الأمن فيها بردهم من حيث أتوا وكان رجال الشرطة الإسبانية قد أخرجوهم من الطائرات التي حاولوا الاعتصام فيها بالركل والضرب الشديد، كما أن رجال الأمن في تلك البلاد قاموا باستقبالهم بالطريقة ذاتها، وقد أودع غالبية هؤلاء السجون في ظروف إنسانية وصفها محرر صحيفة «الموندو» -العالم- بقوله: «لقد كانت الروائح هناك روائح إصطبلات الحيوانات»
أما في إسبانيا فقد أجمعت جميع اللجان البرلمانية على ضرورة مثول وزير الداخلية أمام مجلس الشعب بصورة «فورية لا تقبل التأجيل» لتقديم إيضاحات رسمية عن ملابسات القضية.
وقد مثل وزير الداخلية يوم الإثنين 29/7 أمام لجنة قضائية برلمانية، فقدم شروحات مقتضبة للغاية، وقال عن عملية الطرد المذكورة «إنها لم تكن في الواقع صورة مثالية» وقدم وعودًا ببذل أقصى الجهد لاحترام حقوق الإنسان.
إلا أن الملفت للنظر، كان موقف جميع الأحزاب التي كالت للوزير اتهامات بلغت حد الإهانات، لكن أيًا منها لم يطلب إليه الاستقالة، وكان من المنطقي ومن ضرورات الديمقراطية أن يستقيل بسبب مسؤوليته السياسية عما حدث في أروقة وزارته!!
كذلك فقد سارع اتحاد نقابات رجال الأمن إلى سحب البلاغ النيابي الذي كان قد رفعه إلى السلطات مبررًا ذلك بأن مهمته في الحفاظ على حقوق أعضائه قد انتهت، وأنه قد تلقى الوعود الكافية من الحكومة لضمان هذه الحقوق والتكفل بالأضرار المترتبة على المخالفات التي ارتكبها مسؤولو وزارة الداخلية أثناء تجهيز عملية الطرد المذكورة.
وهكذا فقد أسدلت إسبانيا بتواطؤ جميع القُوَى السياسية فيها الستار خلال يوم واحد على واحدة من أخطر الفضائح السياسية التي كشف النقاب عن الأساليب العنيفة جدًّا والغريبة، والتي تتبعها مجمل الدول الأوروبية -خاصة فرنسا وإيطاليا- لوقف حركة الهجرة التي بلغت حدًّا لا يطاق، إلى القارة التي لم تدخر جهدًا قط على مر قرنين كاملين، لتدمير أمم الأرض، وامتصاص خيراتها، ونهب ثرواتها، فأصبحت الآن وقد جاءتها أمم الأرض تطالبها بضريبة الاستعمار العسكري الذي غزاها بالأمس، وجزية الاستعمار الفكري الثقافي الذي يستعبدها اليوم، والذي أرادت أوروبا من خلاله سحق آخر رمق الحياة في هذه الشعوب، فانقلب الاستعمار الثقافي إلى سهم عملاق يشير إلى أوربا، ويدل أمم الأرض في متاهاتها، في الآلام والشقاء على الاتجاه الخاطئ الذي فُرِض عليها أن تسير إليه، وبعبارة ضخمة محفورة عليه تقول: الطريق.. من هنا!!.