العنوان نظرية «إجهاض» الأهداف
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1976
مشاهدات 91
نشر في العدد 284
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 27-يناير-1976
في العدد الماضي -وقبل الموافقة اللبنانية والعربية والعالمية «!!» على الجهود السورية في لبنان- كتبت «المجتمع» في هذا المكان، وقالت:
«وبعادة الركون إلى الأعداء، والثقة بهم ستشترك أطراف عربية- باسم الاعتدال- في الضغط على مسلمي لبنان.
وعلى الفلسطينيين بالذات وتقول لهم: إن السياسة كر وفر، واليوم خسران، وغدا مكاسب، فلا تتصلبوا أيها المسلمون في مطالبكم، ولا تسرفوا أيها الفلسطينيون في المخاوف على مستقبلكم في لبنان».
وهذا ما حدث فعلًا.
فالميزان العسكري مال لصالح مسلمي لبنان، وصالح الفلسطينيين في الأيام الأخيرة سواء على مستوى القتال، أو الروح المعنوية، أو التقدم لتطويق الصليبيين وكسب مواقع جديدة.
ومن الحقائق المؤكدة أن القتال في لبنان يكن من أجل الفراغ ولا في سبيل نظم قصيدة شعرية تحصى أمجاد الموتى المدفونين تحت الأنقاض أو الممزقين أشلاء.
مع قطع الأثاث، وبقايا العمران.
إن للقتال أهدافا أخرى محددة وواضحة.
هدف المسلمين هو: تحقيق مطالبهم العادلة ووهم ما حملوا السلاح إلا حين أصر النصارى على استمرار حالة الجور والظلم والاستبداد، أو حالة الامتيازات «الأسطورية» المارونية.
وهدف الفلسطينيين هو: استمرار وجودهم في لبنان بثقله السياسي والنضالي ورفض الذهاب إلى المذبح التاريخي حيث تعدم قضيتهم.
وهدف المارون هو: إحباط المطالب الإسلامية.. وضرب الوجود الفلسطيني ضربة قاضية أو ضربة إنهاك تنال منه، أي منال.
فمن الذي حقق أهدافه في هذا القتال؟
بما أن الميزان العسكري مال لغير صالح الصليبيين فإن النتيجة المتوقعة -بهذا المعيار- كان يجب أن تكون تحقيقا للمطالب الإسلامية الأساسية وهي:
- إجراء إحصاء عام، يوضح الكثافة العددية لكل فريق.
- يترتب عن هذا الإحصاء حقوق جديدة للأكثرية.
- من هذه الحقوق:
۱ - كسر الاحتكار الماروني لرئاسة الجمهورية.
۲ - تعديل الدستور.
3- إعادة توزيع الوظائف، خاصة مناصب الجيش والمراكز الأخرى المهمة.
4- تعديل قانون الانتخابات بحيث تنال الأكثرية نصيبها العادل من المقاعد البرلمانية.
وتمشيا مع هذه النتيجة، كان المتوقـع أن تتحسن ظروف الوجود الفلسطيني في لبنان.
بيد أن الدور السوري، المدعوم عالميا أجهد هذه المطالب والأهداف.
فالاتفاق الذي تم بين سليمان فرنجية والوفد السوري من جهة، والذي تم بين الطوائف الأخرى وبين نفس الوفد من جهة أخرى، نص على أن تكون المقاعد البرلمانية مناصفة بين المسلمين والنصارى،
وأن المارون سيستمرون في احتكار منصب الرئاسة وقيادة الجيش، وأهمل الاتفاق مطالب الإحصاء العام وتعديل الدستور، وتحقيق عدالة كفيلة بصون حقوق الأكثرية وحمايتها من تغول الأقلية.
كذلك أغفل الاتفاق مسألة الوجود الفلسطيني تمامًا.
قد يعاد طرح المسألة الفلسطينية من جديد، وقد يعاد نقاش المطالب الإسلامية من جديد كذلك.
لكن المؤكد أن الفرصة الذهبية لتحقيق شروط أفضل، وإنجاز مكاسب أكبـر وأعمق.. قد ولت وتبخرت.
والسبب هو الدور السوري الغريب!
من بديهيات العمل السياسي في العالم إنك حين تكون في وضع عسكري قوي ومتين، تطرح مطالبك بقوة مخيراً خصمك بين أمرين:
- أما تحقيق هذه المطالب.
- وأما المزيد لإنهاك قواه، وإنزال ضربات تالية بمصالحه وخططه.
يقول المخذلون والمثبطون، الذين اتخذوا من إحباط أهداف الأمة، رسالة لهم في الحياة يقولون:
إن الظروف في لبنان جد معقدة، ولا تقاس بأي وضع في العالم.
وهذه حجة داحضة منطقيا وسياسيًا.
- أولا: لماذا يكون التعقيد في صالح غيرنا باستمرار؟ أن المسلمين والفلسطينيين في لبنان يفيدهم تعقيد الأوضاع أيضا، لأننا نرجح أن تكون السهولة في صالح الصليبيين.. جولة.. ثم جولة أخرى، فيقضي على الوجود الإسلامي والفلسطيني.
خاصة ونحن نعلم أن المارون يتسلحون ويتدربون منذ عشرات السنين وأن زمام الجيش في أيديهم.
ولقد ثبت أن تعقيد المعركة أدى إلى أن تطول زمنيا، وعبر المسافة الزمنية، داخ المارون جيشًا وميليشيات.
- ثانيا: إن الأمور عندما تتعقد لدرجة الحيرة واللغز فإن السلاح وحده هو الذي يفك رموزها ويفتح مغاليقها.
وفي تقديرنا أن كثيرا من حروب التاريخ نشبت بسبب تعقد الـزمة ووصولها إلى طريق مسدود.
كلا.. ليس تعقيد الأمور في لبنان هو الذي قاد إلى «تمييع» الموقف.
وإنما هي الخطة «الدائمة» في الإصرار على إجهاض أهداف الأمة، وإحباط مطالبها.
ولكن.. لماذا؟
- إن القوى الدولية ذات الأطماع العاجلة والآجلة في هذه المنطقة تبتهج، بل تعمل على تمزيق الأمة داخلها فهذا أفضل -في نظرها- من أعباء التدخل الخارجي، وهذه القوى إذ تحقق هدفًا من التمزق الداخلي، يسرها، بل تعين الفريق الموالي لها حتى يكسب الجولة.
فإذا تغيرت الموازين، وخشيت من تقدم الفريق الأخر تدخلت بطريقة ما لإحباط أهداف هذا الفريق.
وثمة علاقة بين هذه النظرية، وبين التأييد الأمريكي والفرنسي للدور السوري رغم التفاوت الظاهري في المواقف!
- حزب البعث لا يرفض التسويات الجارية، بصفة مطلقة، وبناء على هذه السياسة، لا يريد حزب البعث أن تتعاظم القوة الفلسطينية بحيث تتصادم أو تقف ندا للنظام السوري، في مواجهة مرتقبة.
إنه يريدها أن تتحرك وتناور في دائرة مرسومة فإذا تجاوز حجمها هذه الدائرة -كما حدث في لبنان مؤخرا - اتخذت الخطوات الرامية إلى إدخالها في الدائرة إياها.
إن الأنظمة تختلف في نظرتها إلى الوجود الفلسطيني.
منها ما يرى: التصفية الكاملة ومنها ما يرى: الإضعاف والتدويخ ودق العظام.
وعلى كل حال هناك «وجهة نظرية مشتركة» بين كافة الأطراف.
- كشف القتال الطاحن في لبنان عن تحالف وثيق بين المقاومة الفلسطينيـة ومسلمي لبنان.
وهذا التحالف يقوي جانب مسلم لبنان، كما يقوي جوانب المقاوم الفلسطينية، وهذا التحالف إذا استمر ودعم يلغي وصاية الحكم الماروني ويلغي وصاية الجيران!!
وهو هدف لا يرضى الأوصياء!
- يوجد بين الأنظمة والحكام من ينظر إلى القضية بمنظار طائفي - رغم الأغلفة اليسارية التقدمية-
فالفلسطينيون محسوبون في رصيد «السنة»، وبهذا الاعتبار يمثلون ثقلا كبيرة لصالح السنة في لبنان وبهذا المنطق تعتقد أنظمة أن في ذلك خطرًا على حلفاء أقرب إليها مذهبًا ومشربًا.
- محاولة اقناع الفلسطينيين بإلقاء السلاح، والتركيز على الحوار السياسي مع غلاة النصارى.
إن الخطة الخبيثة تقول للفلسطينيين: أنظروا، لقد أتعبتكم الحرب ودمرت مخيماتكم دون طائل، ولا سبيل إلى الوصول إلى أهدافكم إلا بالتسـويات السلمية والمساومات السياسية.
ثم يسحب هذا النموذج على التعامل مع العدو الصهيوني «وهو هدف صهيوني قديم ومستمر».
ولو ذهبنا تعدد الأهداف الدوليــة والإقليمية التي اجتمعت على إجهاض مطالب مسلمي لبنان والمقاومة الفلسطينية، لوصلنا إلى الصفحـــــة السادسة والعشرين، أي الى نصـــف المجلة.
المهم هنا:
- إن في المنطقة نظرية لإجهاض المطالـب والأهداف، طبقت في قتال لبنان كما طبقت في حرب أكتوبر.
ففي حرب أكتوبر أحبطت الأهداف أيضًا، وإذا بنتائج الحرب تتركز في الصلح العدو، والارتماء في أحضان أمريكا - ظهير العدو وحليفه المطلق.. وإقرار الاحتلال الصهيوني لفلسطين وتوجيه العداء للشعب الفلسطيني، وتمزيق الأمة شر ممزق.
- أن يأخذ مسلمو لبنان والفلسطينيون حذرهم، وأن يحتفظوا بكامل أسلحتهم ويقظتهم، فأسباب المشكلة مازالـت قائمة، والحقد الصليبي ما زال ملتهبًا.
والكيد الدولي ما زال محكما والخداع، العربي ما زال فخا في الطريق، وحبلاً حول الأعناق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل