; الشتاء الليبي.. جدلية الانتقام والتغيير | مجلة المجتمع

العنوان الشتاء الليبي.. جدلية الانتقام والتغيير

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الاثنين 01-يونيو-2015

مشاهدات 62

نشر في العدد 2084

نشر في الصفحة 40

الاثنين 01-يونيو-2015

 

 

الأمر في ليبيا إبان حكم "القذافي" لم يكن مجرد استبداد وعنف فهذا موجود في المنطقة لكنه كان محاولة لتحويل الفوضى إلى فكر ونظام
بعد ثورة 17 فبراير كانت روح المغالبة والأيديولوجيا وبروز العنف والاغتيالات أبرز الظواهر بعد الانتخابات التي انتهت بحزبين كبيرين إسلامي وعلماني
برلمان طبرق جاء بمشاركة منخفضة من الناخبين قدرت بـما لا يزيد على 13% من إجمالي المسجلين في سجل الناخبين
الأزمة اشتعلت بإعلان عبدالله الثني عن مظاهرة مسلحة داخل مدينة بنغازي صاحبها عنف لم تشهده البلاد منذ قرون وصفت بأنها انتقام من الثورة بحجة الحرب على الإرهاب
البعض صنف ما يحدث في ليبيا على أنه حرب أهلية  وآخرون صنفوه ثورة مضادة فقد عادت أجهزة "القذافي" الأمنية للمنطقة الشرقية وهناك توصيف آخر وهو الحرب بالوكالة
جل مقترحات حوار الصخيرات انطلقت من الاحتفاء بشرعية برلمان طبرق رغبة في دعم حفتر والاستفادة من الحوار من أجل الدخول لطرابلس سياسياً بعد أن استعصت عسكرياً
هناك عدة إستراتيجيات دولية إحداها تتبناها أمريكا وبعض دول "الناتو" تسعى لإعطاء نموذج للتحول الديمقراطي.. أما فرنسا وإيطاليا فتنظران لمصالح آنية تمكنهما من الهيمنة على منابع النفط
آفاق الحل تتمثل في تأخير مسألة الشرعية لصالح بناء مؤسسات قادرة على منع الاحتراب وحماية الحدود وإرجاع بعض الخدمات الأساسية من الصحة والكهرباء والمياه وعدم الانحياز لطرف ضد طرف وخصوصاً من قبل الأمم المتحدة
د. نزار كريكش
كاتب ليبي

في اليوم الذي خرج فيه أهل بنغازي ينادون بإسقاط النظام، تدافَع الناس من كل المدن الليبية وكلهم أمل بالتغيير، لم تكن هناك رؤية لكيفية الانتقال من حالة الفوضى التي آلت إليها ليبيا، وأخذت الثورة مساراً عنيفاً، يمكن مقايسته بالثورات التي حدثت في أوروبا في القرن التاسع عشر، فالنظام السابق كان تعبيراً عن سيطرة أمنية لا تمتلك القدرة على بناء نظم ومؤسسات الدولة يمكن أن تتكيف مع الهزات التاريخية العنيفة التي نسميها الثورة.
لذا كان التاريخ الطبيعي للثورات يكشف عن نفسه في مسار الثورة الليبية؛ مظاهرات، انتشار للعنف، قتل للدكتاتور، انتشار للإرهاب، وعصر للإرهاب الذي شهدته الثورات في القرون الثلاثة السابقة، وحرب أهلية بين الثوار وآخرين، ثم حرب بالوكالة يراد بها تحصين النظام الإقليمي من التغيير.
طبيعة نظام "القذافي"
لم يكن الأمر في ليبيا إبان حكم "القذافي" مجرد استبداد وعنف أو سيطرة لدولة شمولية، فهذا موجود في المنطقة وبوفرة؛ لكنه كان محاولة لوضع الفوضى في صورة فكر ونظم، بل العمل على بناء مخيلة المجتمع وفق تلك النظرية أمر غير مسبوق في التاريخ، ربما حاول آخرون كالمزدكيين في دولة فارس، والسفسطائيين في حضارة الإغريق، والقرامطة في الدولة الإسلامية، وبعض الفرق التي نادت بإلغاء فكرة الدولة، وحديثاً الأناركية كانت كلها أفكار على هامش الأحداث، لكن مسار الدول والممالك كان أقوى من سيطرة الطوباوية.
لذا ففراغ البلد من أصل فكرة التأسيس أدى لظواهر يمكن إجمالها في سيطرة الفوضوية كأيديولوجيا حاكمة، وتغييب لمعنى التنظيم حتى في المستويات الدنيا من التجمعات المدنية، وتسطيح طبقات المجتمع من خلال ادعاء العدالة الاجتماعية، وغياب للمؤسسات السمة الظاهرة التي جعلت الثورة تأخذ مساراً عنيفاً، وهذا يختلف عن الثورات الملونة تلك التي تقوم على دول فيها مؤسسات ليعتمد نوع العنف بعد ذلك على مدى تجذر تلك المؤسساتية في إطار الدولة تماماً، كما بين "صموئيل هنتجتون" في منتصف القرن العشرين في كتابه عن المراحل الانتقالية.
ما بعد السابع عشر من فبراير:
بعد أن اندلعت الثورة كان الحديث عن التوافق والوفاق أمراً لا تخطئه العين، فالبلد للوهلة الأولى يبدو متناسقاً دينياً وتاريخياً ومذهبياً، ولا يوجد ما يدعو للاقتتال، والوفرة المالية التي كانت عليها ليبيا، والموارد النفطية التي تشكل الرافد الرئيس لاقتصاد الدولة كانت فيما يبدو سنداً لصانع القرار للاطمئنان على وجود سيولة كافية للانتقال إلى الديمقراطية، وظهرت التكهنات بخمس سنين أو أقل من أجل التحول نحو التنمية والازدهار.
الأحداث كانت تعاكس هذا التصور، فالآليات التي استخدمت والأحداث التي برزت بعد ذلك كانت توحي بروح المغالبة، ورغم جفاف ليبيا من أي نسق أيديولوجي؛ فإن الجدل حول طبيعة الدولة بدأ مبكراً، ورغم ذلك فإن المسار السياسي كان واضحاً من خلال الإعلان الدستوري الذي كان ميزة للعمل السياسي في الثورة الليبية، فتلك الخارطة التي رسمها الإعلان رغم ما ظهر فيها من عوار بعد ذلك فإنها كانت إطاراً متفقاً عليه، وانطلق الجدل حول حماه ودندن الجميع دندنته.
ظهرت بعد ذلك عدة ظواهر، منها بروز روح المغالبة والأيديولوجيا، والذي ظهر جلياً من خلال نتائج الانتخابات التي انتهت لحزبين كبيرين وُصفا بالإسلامي والعلماني، ولم يكن هناك ترويكا ولا أحزاب متعددة يمكنها أن توازن المشهد، وكذلك بروز العنف وانتشار السلاح من خلال مليشيات مختلفة، والظاهرة الأبرز كانت هي الاغتيالات التي انتشرت في بنغازي وطالت شرائح كثيرة من المجتمع؛ العسكريين والإعلاميين والنشطاء وشيوخ المساجد وأبرياء آخرين.
صاحب هذه الظواهر فشل في إدارة الدولة من قبل حكومة السيد علي زيدان، وانعكس هذا الفشل في مؤسسات الدولة في ازدياد حدة هذه الظواهر حتى استفتح "فوكوياما" كتابه عن النظام السياسي بمثال ليبي؛ وهو اختطاف السيد علي زيدان، رئيس الوزراء، كمؤشر ظاهر للكيفية التي يمكن أن تفشل فيها مؤسسات الدولة، وتصبح مجرد مكاتب غير قادرة على ممارسة الحكم وإدارة البلد.
الأزمة و"نمذجة" المشهد السياسي:
بعد أن فشلت العملية السياسية، بدأ النشطاء يسقطون اللوم على المؤتمر الوطني العام، ونادت حملة سميت "لا للتمديد" بإسقاط المؤتمر، شكل المؤتمر على إثرها لجنة سميت "لجنة فبراير" التي قررت إجراء انتخابات جديدة، والدخول في مرحلة انتقالية جديدة جاء على إثرها البرلمان بمشاركة منخفضة من الناخبين، حيث قُدروا بـ13% من إجمالي المسجلين في سجل الناخبين. 
وبعد إصرار المفوضية العليا على اتباع نظام الصوت الواحد غير المتحول، وهو النظام الذي لم تطبقه سوى دول معدودة في العالم من بينها أفغانستان والكويت والأردن، تكون على إثره مجلس نواب بمجموعة نواب وصل عدد أصواب الناخبين لبعضهم ستة أصوات فقط!
صاحب ذلك إعلان للجنرال المتقاعد خليفة حفتر الحرب على الإرهاب 16/5/2014م، وقام بعد ذلك بعدة محاولات للدخول لبنغازي ومعارك على مشارف المدينة، صاحب ذلك في المنطقة الغربية عملية "فجر ليبيا" والتي أراد مطلقوها من الكتائب المسلحة في مدن عدة من المدن الغربية قطع الطريق على تكرار سيناريو بنغازي في المنطقة الغربية، حيث اعتبر ذلك من الثورة المضادة التي تريد إعادة نظام "القذافي".
بعد انتخاب مجلس النواب في 25/6/2015م انتقل المجلس لمدينة طبرق، مبرراً ذلك بوجود عوائق أمنية لانعقاد أول جلسة في بنغازي كما هي مقترحات لجنة فبراير؛ الأمر الذي اعتُبر مخالفاً للدستور، نشأت إشكالية أخرى حول تسليم السلطة بين المؤتمر الوطني، ومجلس النواب، حيث اعتبر الأخير أن ذلك أمراً شكلياً، ورأى المؤتمر أن الأمر مخالف للأعراف الدولية، وأن استلام زمام السلطة دون معرفة الخلفيات المعلوماتية والمؤسساتية عن الحكم أمر مستغرب، يدل على عدم مسؤولية، فضلاً عن كونه مخالفاً لمقترحات لجنة فبراير، وقد رأت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا (الخميس 6 نوفمبر 2014م) أن مقترحات لجنة فبراير من الأساس هي غير دستورية، واعتبر المؤتمر ذلك حلاً للبرلمان، ولم يفهم البرلمان أن إلغاء مقترحات اللجنة طعناً في شرعية انتخابه، واعتبر أن الحكم صدر تحت تهديد السلاح.
ما إن بدأ المجلس جلساته حتى أعلن دعمه لـ"عملية الكرامة"، وما أن انتصرت قوات "فجر ليبيا" على كتائب الصواعق والقعقاع في طرابلس حتى أعادت المؤتمر الوطني كجهة شرعية للدولة، واختير السيد عمر الحاسي رئيساً للوزارة في حكومة الإنقاذ، وهكذا دخل البلد في انقسام سياسي وجدل حول شرعية الحكم، وعسكري بين قوتين هما "فجر ليبيا"، و"الكرامة".
وجاء إعلان رئيس حكومة الأزمة السيد عبدالله الثني التابع للبرلمان في 15/10/2014م عن مظاهرة مسلحة داخل مدينة بنغازي، وقد صاحب ذلك أعمال عنف لم تشهدها البلاد منذ قرون، وحدث خلل مجتمعي رهيب وقصص يندى لها الجبين، وصفت من البعض أنها انتقام من الثورة، وبررها آخرون بضرورة الحرب على الإرهاب حتى لو كان الثمن بنغازي نفسها.
هكذا نشأت الأزمة، فبعد أن كان هناك إعلان دستوري يضم الجميع، صار هنا جسمان باسمين مختلفين، وذراع عسكرية لكل خارطة سياسية هما "الفجر"، و"الكرامة"، واستخدام لموارد البلد الواحد والأسلحة التي انتشرت بعد الثورة، وارتفاع لعدد القتلى (قد يصل في السنة الواحدة بالحساب الإحصائي لأكثر من الألف وفقاً لبعض التعريفات للحرب الأهلية)، وفي هذه الحرب استطاع كل طرف أن ينال من الآخر، هذا التوصيف جعل البعض يصنف ما يحدث في ليبيا على أنه حرب أهلية، بينما رأى آخرون أنها ثورة مضادة، فقد عادت الأجهزة الأمنية السابقة في المنطقة الشرقية، وظهرت بعض التصريحات التي تدعم تلميحاً أو تصريحاً "عملية الكرامة"، كما صرح بعض أتباع النظام السابق بأن القوات التي جاءت لبنغازي هي نفس القوات التي قدمت يوم 19/3 إبان ثورة السابع عشر من فبراير 2011م.
هناك توصيف آخر وهو الحرب بالوكالة، فإن تدخل دول الإقليم لم يعد خافياً في المسألة الليبية، فمن خلال وجود حكومة انقلابية في مصر تدعم عودة الأنظمة العسكرية للمنطقة والقضاء على التيار الإسلامي، كان هناك دعم واضح ومعلن وإرسال لطائرات لضرب الشرق والغرب الليبي، بالطبع كان هناك تفسير من الطرف الآخر للأمر على أنه حرب على الإرهاب، لكن كل ذلك من الناحية المنهجية يعني وجود دفع من جهة خارج ليبيا طرف من الأطراف لحكم البلاد، أو مساعدته في الحرب على الإرهاب، وهذا هو المقصود بالحرب بالوكالة، هكذا نجد أنفسنا بين ثلاثة نماذج تحليلية: الثورة المضادة، والحرب بالوكالة، والحرب الأهلية، ويرى كثيرون أن لا تناقض بين الثورة المضادة والحرب الأهلية، إذ إن الثورة المضادة هي وصف للأطراف المشاركة، بينما الحرب الأهلية تصف طبيعة المعركة داخل البلاد، أما الحرب بالوكالة فهي إما نتيجة أو سبب كلا الأمرين جائز وإن كان الأخير أقرب.
السيناريوهات المحتملة
هذه النماذج التحليلية قد تساعدنا في فهم ما يجري من حوار الصخيرات، فمنذ أن خلف السيد "برنادينو ليون" الإسباني السيد "طارق متري" اللبناني كمبعوث للأمم المتحدة في ليبيا، وفي ظل الظروف السابقة كان الحديث عن حل سياسي للأزمة، وكل ذلك يمكن فهمه على أن الكثير من الدول الغربية ترى الأمر كحرب أهلية يجب أن تنتهي بالحوار، هذا الأمر تعزز بفكر محورية؛ وهو ضرورة وجود حكومة تمثل الدولة الغائبة، وتعمل كمؤسسة لحل مشكلات عاجلة أهمها العنف والهجرة غير الشرعية.
هذا الأمر اقترحه السيد "ليون" في البداية، وذلك عقب توليه منصب المبعوث العام للأمم المتحدة في ليبيا وذلك في 14 أغسطس 2014م، لكن لم يرُق لكثيرين تجاوز مسألة السلطة التشريعية ظناً منهم أن الثلاثي المعتق من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، أمر مهم في مثل هكذا ظروف، وربما بحث كل فريق عن دوره في المرحلة المقبلة؛ لذا لجأ السيد "ليون" لمقترحات أخرى تنبع من فهم للديمقراطية التوافقية من حيث تعدد الأجسام والمشاركين لتوفير صورة مستقبلية لتموضع الأطراف المشاركة في الحوار، من خلال تكوين اقتراح مجلس رئاسي وبرلمان وحكومة وحدة وطنية، ومجلس للبلديات وهكذا تتعدد الأجسام ليشارك الجميع، وبدا السيد "ليون" حذراً في التوفيق بين الاعتقاد بحل البرلمان ونهاية ولاية المؤتمر.
في الصخيرات كل يقرأ المشهد على طريقته، وكذلك الآلة الإعلامية المؤيدة للأطراف المتنازعة، ففي حين نجد صحفاً وقنوات عربية وأخرى عالمية تصنف الأمر على أنه صراع أيديولوجي بين البرلمان الليبرالي والمؤتمر الإسلامي، ومن ثم يبدأ تقديم وجبة الثنائيات التي يشتهيها البعض تبسيطاً للمشهد المركب، نجد آخرين يصرون على وجود الثورة المضادة، خاصة في ظروف الثورة المضادة التي تشهدها الجارة القريبة لليبيا؛ وهي مصر، لكن الأحداث كانت تؤكد حقيقة الصراع في ليبيا على أنها حرب أهلية نشأت في وجود نظام عربي غير متوازن، وأن هناك حرباً بالوكالة تدور رحاها في ليبيا، قد يكون بعض أطرافها من الثورة المضادة، لكن الحرب بالوكالة هي المحرك الأساسي في المشهد.
ظهر ذلك جلياً في حوار الصخيرات، فبعد عدة محاولات، وتصعيد عسكري صاحب تلك الحوارات، حيث تعرضت لجنة الحوار بالمؤتمر للقصف في كل جولة من جولات الحوار، في ظل انتقاد من طرف خفي للسيد "ليون"، يخرج "ليون" بمقترح اعتبره المؤتمر مخيباً للآمال، في الحوار كان الجدل حول الشرعية قائماً، إلا أن المؤتمر اقترح الحل الشامل للمشهد الليبي، ولأن النموذج التحليلي السائد للمؤتمر هو الثورة المضادة؛ كان الحديث المتكرر عن ثوابت ثورة السابع عشر من فبراير، ولأن البرلمان يرى أن جسماً شرعياً يثور عليه جسم غير شرعي؛ لذا رفض طيلة أشهر الحوار اللقاء المباشر مع وفد المؤتمر، فصار كالسلاطين يخاطبهم الناس من وراء حجاب، البرلمان ينظر لنفسه كسلطة تريد أن تستوعب معارضين، وقد جاء البرلمان للصخيرات وهو في اتساق تام مع الجنرال خليفة حفتر، والذي صار قائداً للجيش الليبي المسمى بالجيش الوطني التابع للبرلمان، فإن جل المقترحات انطلقت من احتفاء بالشرعية ورغبة في تثبيت الوضع القائم للجنرال، والاستفادة من الحوار من أجل الدخول لطرابلس سياسياً بعد أن استعصت عسكرياً.
لكن المقترح الذي قدمه "ليون" كان مشروعاً يشي بوجود حرب بالوكالة داخل ليبيا، فالمقترح كما صرح د. صالح مخزوم، رئيس فريق الحوار بالصخيرات، في نهاية شهر أبريل الماضي خارج سياق الحوار، حيث قال: «مقترح المبعوث الأممي "برناردنيو ليون" حول الاتفاق بين الأطراف الليبية، الذي استلمناه اليوم مخيب للآمال، ولا يحترم ما تم تداوله في جلسات الحوار بمدينة الصخيرات، بضرورة الوصول لحل متوازن»، دعنا ننظر لهذا المقترح ونسقطه على أحد النماذج الثلاثة.
جدل الصخيرات
فتح المقترح الأخير لـ"ليون" باب التكهنات بالأسباب وراء هذا الانحياز الذي ترك الوطني كالمعلقة، لا هو جزء من الحكم ولا هو خارج عن إطار السلطة، والأخطر من ذلك أن تلك المقترحات تجعل البلد في انتظار فترة انتقالية ثالثة الأمر الذي يعد حالة من التخبط وانعدام للرؤية الصحية للمشهد الليبي.
المقترح أعطى البرلمان الليبي فترة سنتين كسلطة تشريعية، فبدل أن تنتهي ولايته في شهر أكتوبر المقبل، صار بفعل هذه المقترحات حاكماً لمدة سنتين، وهذا بالطبع يعني إعلان فترة انتقالية ثالثة، ليس هذا فحسب، بل إن المقترح يرفع أي سقف زمني يغطي مدة عمل لجنة إعداد الدستور، أي أن الدواء الذي كان ينتظره الشعب بفارغ الصبر صار وهماً قد يأتي أو لا يأتي.
في المقابل حكومة الوحدة الوطنية التي يراد لها أن تحل مشكلات الدولة، وتأخذ زمام المبادرة والبدء في تأسيس مؤسساتها، والتعامل مع ملف النازحين والمهجرين، وبناء مؤسسات الجيش والسلطة، وإيقاف نزيف الدم، ونزع السلاح من كافة التشكيلات المسلحة، هذه الحكومة ستكون رهن إشارة البرلمان الذي بإماءة وفق المقترح حل تلك الحكومة وقتما شاء، وإنها بعكس ما يقتضي المنطق يجب أن تأخذ النصيب الأكبر من السلطة، وألا تخضع إلا إلى مفهوم المؤسسة السياسية ذات الوظائف المحددة، تصبح عرضة لنفس المناكفات السياسية السابقة الأمر الذي يجعل هذا المقترح مجرد تأطير لوظيفة محددة عمرها عامان، دون نكد من دستور، أو اعتراض من الطرف المقابل للمؤتمر.
كل ذلك جعل الشك يزداد، والمؤامرة تربو كأفق يمتد في عقول المناوئين لبرلمان طبرق، خاصة وأن الأعمال العدائية والعسكرية مستمرة، والتصريحات التي تؤكد هذا المعنى يلقيها الأطراف هنا وهناك، بين تصريح  لحفتر بأنه مع أي إجراء تتخذه مصر ولو على حساب مصلحة ليبيا التي يفترض أنها بلده، والتصريحات المتوالية لمصر بالتدخل في ليبيا بحجة ضرب "داعش"، كما أن إصرار فرنسا على دعم رئيس الوزراء لحكومة الأزمة التابعة للبرلمان السيد عبدالله الثني جعل الشك يرتقي لمرحلة اليقين، وعندما صرحت الخارجية السعودية بأنها ستقف في جانب عدم التدخل المصري الفرنسي الإماراتي أصبح الأمر علم اليقين، وتبين أن تلك المقترحات صممت لهذا التحالف، وأن أمراً ما قد دبر بليل.
صراع الإستراتيجيات
الإشكالية في حوار الصخيرات أن الإستراتيجيات والإرادات متناقضة، والساعين للإصلاح قلة، والأخطر من ذلك استمرار الجهل بالتفريق بين مؤسسات الدولة والنظام السياسي، فكما يؤكد "تشارلز تيلي"، عالم الاجتماع الشهير، أن الشرعية في المراحل الانتقالية تصبح غير محددة وضبابية نظراً لغياب معنى السلطة، فالدولة في تلك المراحل، خاصة في بلد كليبيا عانت من نظام يؤمن بالفوضى، تصبح في حالتها الأولى التي نظر لها الإمام الجويني في كتابه "الغياشي" وما تبعه من حديث عن القوة عند "هوبز"، هذا التشكيل البدائي يقتضي الاهتمام بمؤسسات قادرة على الحكم، مؤسسات عسكرية ومدنية ودستورية وقضائية، وغياب تلك المؤسسات يعقد المشهد، وما دامت القوى الداخلية تجعل الشرعية سواء من جانب حكم المحكمة الدستورية القاضي بعدم دستورية مقترحات لجنة فبراير أو البرلمان الذي يعتقد مخطئاً أن صندوق الانتخابات يعني حرية التصرف في القرار السياسي ولو على حساب كيان الدولة وفشلها من عدمه، فإن الجدل في الصخيرات سيستمر ويؤدي إلى فراغ رهيب في القرار السياسي؛ الأمر الذي سيجعل الدولة عرضة لمزيد من التدخل الإقليمي والدولي.
في الجانب الدولي، هناك عدة إستراتيجيات، إستراتيجية شاملة تتخذها أمريكا وبعض الدول في حلف "الناتو"، التي تسعى لإعطاء نموذج للتحول الديمقراطي من خلال تدخل "الناتو" وإستراتيجيته المسماة light foot print والتي تعرضت لنقد شديد بعد ما حدث في ليبيا، وأنها لم تنجح في الانتقال الديمقراطي، نجد دول الاتحاد الأوروبي تسعى لوجود مؤسسة يمكن التعامل معها لحل مشكلة الهجرة غير الشرعية، أما دول كفرنسا وإيطاليا، فإنها تنظر لمصالح آنية تمكنها من السيطرة على منابع النفط، أو القدرة على بناء مجال إستراتيجي لفرنسا يمكنها من الاستمرار في ممارسة دور مهم في المنطقة في ظل سياسة القيادة من الخلف التي تتخذها الولايات المتحدة الأمريكية.
آفاق الحل
لكل ما سبق تبقى الإشكالية الكبرى في عدم وجود مؤسسات تمنع الدولة من الفشل، وتتعامل مع الإشكالات التي تمس حياة الناس، وأن تأخير مسألة الشرعية لصالح بناء مؤسسات تتعامل مع القضايا الحرجة كمنع مزيد من الاحتراب وحماية الحدود، وإرجاع بعض الخدمات الأساسية من الصحة والكهرباء والمياه، هو أمر قد يساعد في قدرة الأطراف على الخروج من ضغط الأزمة، يبقى دور الأمم المتحدة من الأهمية بمكان بالوقوف بجد مع الأطراف التي تغذي الحرب في ليبيا، وما لم تقم الأمم المتحدة ومبعوثها بذلك، فإنه سيبقى محل شك، وأن دور الأمم المتحدة سيبقى محدوداً في الأزمة إذا لم يكن هذا الأمر ممكناً.
إنها جدلية الانتقام والتغيير التي تنشأ مع الثورة، يخاف الناس من الحاضر فيلجؤون للماضي، وإذا وجد حاذق يستغل هذه المخاوف سيقود الثورة المضادة، وإذا وجد عارف يرى المستقبل سيزيل مخاوف الناس ويتجاوز هذه المخاوف بخلق مناخ أفكار عقلاني يحمل المجتمع على التضامن لتجاوز العقبات التي تنشأ مع الثورات، وما لم تتغير إستراتيجية المتحاورين في الصخيرات نحو بناء الدولة وليس تثبيت الشرعية، وما لم تتغير إستراتيجية الأمم المتحدة من بناء السلام الهش إلى بناء مؤسسات الدولة، وما لم يقف الإخوة العرب صفاً واحداً ضد التدخلات العسكرية واعتباره محرماً عروبياً وإسلامياً، فإن الحرب في ليبيا ستستمر في البداية، سيدفع ثمنها الليبيون ثم تنتقل كالنار في الهشيم، وما سورية منا ببعيد.

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 721

74

الثلاثاء 11-يونيو-1985

نعم.. إنها هجمة طائفية