; من يوقف التمرد الإثيوبي في القرن الإفريقي؟ | مجلة المجتمع

العنوان من يوقف التمرد الإثيوبي في القرن الإفريقي؟

الكاتب بدر حسن شافعي

تاريخ النشر السبت 04-ديسمبر-2004

مشاهدات 65

نشر في العدد 1629

نشر في الصفحة 40

السبت 04-ديسمبر-2004

من يوقف التمرد الإثيوبي في القرن الإفريقي؟ 

بدر حسن شافعي 

badrshafei@hotmail.com

من يوقف التمرد الإثيوبي في القرن الإفريقي؟ سؤال بدأ يتردد في الآونة الأخيرة خاصة في ظل استمرار رفض إثيوبيا قرار مفوضية ترسيم الحدود الدولية بشأن أحقية إريتريا في المناطق الحدودية المتنازع عليها، وبالرغم من أن القرار صدر في أبريل ٢٠٠٣م، إلا أن أديس أبابا ترفض تنفيذه حتى الآن مع العلم بأنه قرار ملزم، ويعطي مجلس الأمن حق توقيع عقوبات اقتصادية - بل والتدخل العسكري إذا لزم الأمر - من أجل تنفيذه. 

ومع ذلك فهناك تقاعس أمريكي مصحوب بتجاهل دولي من قبل الأمم المتحدة على ذلك، في الوقت الذي تصعد فيه الولايات المتحدة - وبالتبعية الأمم المتحدة - من لهجتها في التعامل مع السودان المجاورة بسبب أحداث دارفور. فما هي أسباب هذا التناقض؟ وهل وضع إثيوبيا يشبه وضع الكيان الصهيوني؟

التاريخ والواقع يؤكدان أن إثيوبيا تعيث في دول الجوار العربي المسلم فساداً .. فقد ابتلعت إقليم الأوجادين المسلم من الصومال عام ١٩٤٨ بموافقة بريطانيا (نفس ما حدث في فلسطين) وهي تتدخل من حين لآخر في الشأن الصومالي حاليًا، وتهدد مصر من حين لآخر بالتلويح بورقة المياه، كما أن علاقتها بالسودان قد شهدت شدًا وجذبًا، خاصة منذ وصول نظام الإنقاذ للحكم؟

بداية المشكلة

ينبغي قبل الخوض في تطورات الأحداث أن نعرض جذور المشكلة الحدودية بين إثيوبيا وإريتريا، فكما هو معروف فقد احتلت إثيوبيا إريتريا عام ١٩٥٠م بموافقة الرئيس الأمريكي آنذاك روزفلت، وذلك كنوع من المكافأة لإثيوبيا بسبب تأييدها واشنطن في مواجهة دول المحور إبان الحرب العالمية الثانية، وظل الاحتلال الإثيوبي لإريتريا طيلة أربعة عقود، برز خلالها كفاح حركات التحرر الوطني والإسلامي الإريتري لدحر الاحتلال الإثيوبي إلى أن تم ذلك الاستقلال فعليًا عام ١٩٩١م، ورسميًا عام ١٩٩٣م.

وبالرغم من تطبيع العلاقات بين البلدين، إلا أن ميراث الخبرة الاستعمارية أخذ يطل برأسه على علاقاتهما من حين لآخر، خاصة أن هناك بعض المناطق الحدودية لم يتم حسمها، مما دفع إريتريا إلى القيام في ٦ مايو ۱۹۹۸م بالاستيلاء على هذه المناطق الواقعة تحت هيمنة إثيوبيا وهي مناطق زالامبيا – بادمي – إيروب – إليتينا باعتبار أنها أراض إريترية استولت عليها إثيوبيا عام ١٩٥٠م، وفي عام ٢٠٠٠م قامت إثيوبيا بشن حرب مضادة لاستعادة هذه المناطق، واندلعت الحرب بين البلدين مما دفع المجتمع الدولي ومنظمة الوحدة الإفريقية آنذاك لمحاولة احتواء الصراع.

وانتهى الأمر إلى توقيع اتفاق الجزائر - باعتبارها رئيسة منظمة الوحدة الإفريقية آنذاك - لوقف الأعمال العدائية في ١٨/٦/٢٠٠٠م.، والذي كان من أهم بنوده: «انسحاب قوات الجانبين إلى ما قبل حدود ٦ مايو ۱۹۹۸م، على أن يكون عمق الانسحاب على الجانب الإريتري ٢٥ كم، وتشكيل بعثة دولية لمراقبة وقف إطلاق النار مع تحويل النزاع إلى محكمة العدل الدولية»، وكان من أهم البنود ما جاء في الفقرة الأولى من المادة ١٤ والتي أشارت إلى أن مجلس الأمن يطبق أحكام الفصل السابع (فرض عقوبات – استخدام القوة) ضد أي بلد يخرق الاتفاق. 

وتلا ذلك بحوالي ستة أشهر تقريبًا توقيع اتفاق سلام شامل بين البلدين في الجزائر (۱۲ديسمبر ۲۰۰۰م) برعاية كل من منظمة الوحدة الإفريقية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وكان من أهم بنود الاتفاق: إنشاء مفوضية لترسيم الحدود بين الجانيين.. ونصت الفقرة ٢ من المادة من ٤الاتفاق، وكذلك الفقرة ١٥ من نفس المادة على أن قرار المفوضية نهائي وملزم للطرفين، ومرجعيته المعاهدات الاستعمارية لأعوام ١٩٠٠م. ۱۹۰۲م. ۱۹۰۸ م وبالفعل قام كل طرف باختيار اثنين من المحامين الدوليين لتمثيله في اللجنة. وقام المحامون الأربعة باختيار رئيس لها هو السير إليهو لوتر باخت، وبدأت اللجنة عملها إلى أن توصلت إلى إصدار قرارها في أبريل ٢٠٠٣م بشأن أحقية إريتريا في هذه الأراضي، وبالرغم من أن إثيوبيا أعلنت في البداية استعدادها لقبول القرار، إلا أنها اعترضت عليه رسميًا في ١٩ سبتمبر ٢٠٠٣م.

• زيناوي: ستظل القوات الإثيوبية في بادمي ولن تعبأ بالقرار الدولي وإذا كانت إريتريا عازمة على إزاحة قواتنا فلتأت

لماذا صمتت الأمم المتحدة؟

وبالرغم من الرد القوي للمجلس على الرفض الإثيوبي إلا أنه لم يستتبعه بأي تحركات إلى الآن، بل إن كوفي عنان أخذ يبحث عن بدائل أخرى لحل المشكلة، بدلاً من الإصرار على تنفيذ قرار المفوضية الدولية، فطالب أولاً بالحوار بين الجانبين، وهو أمر رفضته إريتريا مادامت مرجعيته لا تستند إلى القرار الدولي في هذا الشأن، فاقترح بعد ذلك فكرة إرسال مبعوث خاص له لمحاولة حل المشكلة، فقام في ٢٠ يناير ٢٠٠٤م بتعيين وزير خارجية كندا السابق مبعوثاً خاصاً له دون تحديد واضح لصلاحياته، وهو ما دفع إريتريا لرفض استقباله إلى الآن على اعتبار أن إرسال المبعوث معناه إلغاء القرار الذي تم التوصل إليه، وإن كان عنان قد أكد بعد ذلك – أثناء زيارته لإريتريا أوائل يوليو الماضي – على أن هذا المبعوث لا يستطيع تغيير القرار النهائي والملزم، ولا يمكن أن يلعب دور الوسيط وبالرغم من ذلك اكتفى عنان في تقريره الذي رفعه لمجلس الأمن أوائل سبتمبر الماضي بمناشدة حكومة إثيوبيا لكي تلتزم باتفاقيتي الجزائر وقبول قرار مفوضية ترسيم الحدود (۱). 

ولكن السؤال: لماذا لم يتم تطبيق أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بشأن توقيع العقوبات أو التدخل العسكري – إذا لزم الأمر ـ ضد الطرف المخالف – إثيوبيا – وفق نص الفقرة الثانية من المادة الرابعة من اتفاقية الجزائر للسلام الشامل بين البلدين؟

 دعم أمريكي بلا حدود، وهنا تكمن الإجابة في عدم الحسم الأمريكي، وبالتالي الأمم المتحدة  لذلك، بالرغم من أن رفض الالتزام بقرار المحكمة الدولية بعد من السوابق التاريخية في هذا الشأن، وربما يكون الاستثناء الوحيد هو الكيان الصهيوني، والذي يتشابه مع إثيوبيا في صفات كثيرة لعل من أبرزها استمرار احتلال أراضي دول الجوار، ولكن ماذا فعلت واشنطن؟ اكتفت بإصدار بيان هزيل في ٢١ يناير الماضي تحث فيه البلدين على تنفيذ القرار بصورة سلمية!

ولعل هذا يطرح بدوره سؤالاً آخر عن أسباب هذا التعاطف الأمريكي؟ وهل لذلك علاقة بإسرائيل أم لا؟ وفي المقابل ما هي أسباب عدم تأييد واشنطن لإريتريا بالرغم من أن أفورقي كان حليفًا لها من قبل؟

هناك عدة أسباب تفسر ذلك منها:

١_ إن إثيوبيا – بالنظر إلى خبرتها كدولة كبرى في شرق إفريقيا، بل وفي القرن الإفريقي خصوصًا – تعد حليفًا قويًا يمكن الاعتماد عليه من قبل واشنطن مقارنة بغيرها من دول الجوار خاصة إريتريا – حديثة الاستقلال من ناحية وصاحبة السياسة الخارجية المتوترة من ناحية ثانية، ولقد برز الاهتمام الأمريكي بإثيوبيا مع أحداث سبتمبر، وسعي أديس أبابا لتقديم نفسها كدولة راعية للمصالح الأمريكية في المنطقة خاصة في مواجهة ما يسمي بالإرهاب – في إشارة إلى جماعة الاتحاد الصومالي الذي ترددت مزاعم بشأن علاقاته بتنظيم القاعدة.

وفي الحقيقة لم تخف واشنطن إمكانية قبول هذا الدور من قبل أديس أبابا، ولقد عبر عن ذلك الجنرال جون أبي زيد قائد القيادة المركزية الأمريكية أثناء زيارته لأديس أبابا في فبراير الماضي، حيث طالب دول المنطقة بضرورة إيجاد نظام أمن جماعي collective security لمواجهة ظاهرة الإرهاب بدلاً من مواجهتها بصورة فردية، وبالطبع فإن إثيوبيا ستكون الدولة البارزة والقائدة في هذا النظام.

٢_ متانة العلاقات الإثيوبية مع الكيان الصهيوني، خاصة بعد إعلان أديس أبابا عن ترحيل آخر دفعة من يهود الفلاشا للكيان.

٣_ تراجع مكانة إريتريا لدى واشنطن، خاصة بسبب انتهاك النظام لحقوق الإنسان (المسيحيين تحديدًا وبالطبع المسلمين)، فضلاً عن سياسة القبضة الحديدية التي يمارسها ضد المعارضة بصفة عامة، لذا بدأت واشنطن تلوح بورقة حقوق الإنسان، خاصة بعدما أخذ تعاطف المؤسسات الكنسية مع أفورقي – المسيحي – يتراجع نتيجة لسياساته المعادية لبعض الطوائف المسيحية، وهو ما أبرزه تقرير الحريات الدينية الذي صدر عن الخارجية الأمريكية هذا العام، والذي اعتبر إريتريا من الدول الثماني على المستوى العالمي التي تعاني من الاضطهاد الديني، خاصة فيما يتعلق باتباع الكنيسة الإنجيلية والأرثوذكسية (٢).

ماذا يعني رفض القرار؟

وإزاء هذا التخاذل الدولي والتعنت الإثيوبي يثار التساؤل : ما هي تداعيات رفض القرار على الأوضاع في القرن الإفريقي؟

هناك عدة تداعيات خطيرة لهذا القرار:

١_ من شأن عدم تطبيق القرار عدم الشروع في عملية تعيين الحدود على الأرض، فقد أعلنت إثيوبيا على لسان زيناوي أن قواتها ستبقى في بادمي، وأنها غير عابئة بالقرار، وإذا أرادت إريتريا القدوم لطردنا فلتفعل.

٢_  استمرار حالة اللاسلم واللاحرب في الإقليم، وفي حالة اندلاع حرب جديدة لا يعرف أحد المدى الذي يمكن أن تصل إليه.

٣_ زيادة مدة بقاء القوات الدولية التابعة للأمم المتحدة في المنطقة، والتي يبلغ قوامها أكثر من أربعة آلاف فرد بتكلفة سنوية تزيد عن مائتي مليون دولار.

حنكة إثيوبية

لقد استطاعت إثيوبيا أن تدير الأمور بحنكة، ففي محاولة لتهدئة الأوضاع، أعلنت موافقتها في أغسطس الماضي على تسيير رحلات جوية تابعة للأمم المتحدة بين أديس أبابا وأسمرة بعدما كانت ترفض ذلك (۳).

إلا أن هذا ليس معناه أن الأزمة قد انتهت وإنما سيتم تأجيلها بعض الشيء، فواشنطن لا ترغب في الضغط على إثيوبيا الآن، بل إنها قد تستخدمها من أجل تنفيذ مخططها في السودان عبر دارفور، وإمكانية تأجيج الصراع في شرق السودان من خلال دعم المعارضة هناك.

• مجلس الأمن لم يصدر حتى الآن قرارًا بفرض عقوبات اقتصادية على إثيوبيا بعد رفضها تنفيذ قرار ترسيم الحدود مع إريتريا.. في حين يسعى لفرض عقوبات على السودان بسبب قضية داخلية

الهوامش

١_ د/ أحمد حسن دحلي: مرور سنة على رفض إثيوبيا التحكيم الدولي ٢٠/٩/٢٠٠٤

www.hornafrica.de/arabic/sep20-1dahli.htm 

٢_ محمد طه توكل: حلفاء أفورقي ينفضون عنه ٢٣/٩/٢٠٠٤

www.awnal.com 

٣_ جريدة الشرق الأوسط (لندن) ٢٢/٨/٢٠٠٤.

الرابط المختصر :