العنوان حكومة الوفاق وقضايا السودان المعلقة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-مايو-1988
مشاهدات 72
نشر في العدد 866
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 10-مايو-1988
الخرطوم - عاصمة
اللاءات الثلاث والثورات الثلاث - تتحسس أوجاعها في صمت وتؤدة كعادتها دومًا عند
الملمات الكبيرة، فقد بدأت بوادر انتهاء الأزمة السياسية القائمة في الانحسار
والتبدد من جديد.
فالمناورات
الحزبية والأزمة السياسية صارت أكثر من متلازم، وليس هذا في حسابات الماضي البعيد
فحسب، وإنما أيضًا في حاضر ما بعد أبريل. وما زال الصدام المرير الذي عاشته مع
نظام مايو المباد حيًّا في واقع السياسة السودانية، لم تُطوَ ملفاته، ولا انقضت
محاكماته. غير أن الأحزاب نالت من التجارب، ووعت من الدروس - أو هكذا المفترض -
مما يجعل درجة إدراكها في التعامل مع قضايا السودان المعقدة أعلى بكثير مما سلف من
معالجات. وعليه فقد تمخضت قيادة الصادق المهدي لحكومة الائتلاف الأولى والثانية،
والتي لم يُقدّر لأي منها أن تعيش أكثر من عام. فقد أملت ملابسات عدة فض الائتلاف،
والبحث من ثم عن بديل أكثر فاعلية في التعاطي مع المشاكل السودانية المتجذرة، وبدت
في الأفق ملامح قيام حكومة قومية، فكان طرح رئيس الوزراء لبيانه السياسي الذي راهن
عليه بمستقبله السياسي في حالة عدم حيازته على رضا الجمعية التأسيسية «البرلمان»
وتفويضه في اختيار حكومة ذات ثقل حزبي أكبر.
وقد فاز البيان
السياسي للصادق المهدي على الرغم من أنه يعد بادرة بلا سابقة في سجل السياسة
السودانية، وجاء ضمان الفوز بعد أن تم الاتفاق بين حزب الأمة والجبهة القومية
الإسلامية، مما حتم موافقة الاتحادي الديمقراطي، دونما تردد. وقد كان بيان الصادق
المهدي عبارة عن محاكمة أولية لحكومته، واعتراف صريح بفشل حكومة الائتلاف، ودعوة
ضمنية لحكومة ذات قاعدة حزبية أوسع.
الائتلاف يفقد
مبرراته
جاء الائتلاف
بين حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي كخيار المكره، فقد كان الصادق المهدي يأمل في
فوز كاسح على غريمه اللدود، ويحظى بذلك بحكومة لحزب قوي ينفذ البرنامج الذي نادى
به الصادق قبيل انتخابات مارس 1986. ولكن نتائج الانتخابات خيبت تلك الآمال. وجاء
خيار الائتلاف ومع الاتحاد الديمقراطي حزب القيادات المتناحرة والمنازعات الفكرية،
ومنذ الوهلة الأولى كانت هناك خلافات واسعة بين الحزبين، وطبيعي أن تكون حكومة تلك
أسباب نشأتها أضعف من أن تواجه قضايا الحكم، ناهيك من أن تبادر في إزالة السقوط
الكبير الذي خلفته سلطة مايو الدكتاتورية، فقد كانت التحديات أعظم في وجه حكومة
الائتلاف، بدءًا بمشكلة الجنوب وإفرازات الحرب الدائرة هناك وما يترتب عليها من
إرهاق مادي هائل لميزانية الدولة المتواضعة، فالحرب تكلف يوميًا ما يعادل مليون
دولار، وهو رقم مزعج لدولة تعاني من أزمة اقتصادية حادة.
وهناك مشكلة
الأمن، فقد فشلت الحكومة في توفير الأمن للأقاليم السودانية المترامية الأطراف،
ونزاع مسلح بين قوات أجنبية ومواطني إقليم دارفور «حرب ليبيا وتشاد»، والاختطاف
والسلب والنهب الممارس حتى في العاصمة القومية - مشكلة اللاجئين «أكثر من 2 مليون
لاجئ» من إثيوبيا وإريتريا وتشاد وأوغندا. ومن جانب آخر تفاقمت الأزمة الاقتصادية،
وفشلت المؤسسات التابعة للحكومة في تعديل وضعها الاقتصادي، مما أملى على الحكومة
أن تقبل تدخلات البنك الدولي - والذي طالما هتفت جماهير السودان ضده: لن يحكمنا
البنك الدولي. وانخفض سعر الجنيه السوداني بنسبة 45% فتفاقمت أزمة الغلاء والتضخم
النقدي، وعجزت الدولة عن تسويق المنتجات الزراعية، الذرة والفول السوداني، فقد
ذُكر أن سياسة تسويق الحبوب الزيتية قد أفقدت الخزينة 500 مليون دولار، وفشلت
نظرية الصفقات المتكافئة في تحسين الوضع التسويقي، وتبقى قضايا التموين والنفط
الذي طالما تسبب في تعطيل المصالح والدوائر ومراكز الإنتاج.
وتأتي قضايا
الهوية والأحكام الإسلامية وأطروحات الحل السياسي لمشكلة الجنوب وصلة الدول
المجاورة، وخاصة إثيوبيا بالأمر. وتتباين وجهات نظر الحزبين المؤتلفين في قضايا
السياسة الخارجية ونوعية العلاقة مع الدول الخارجية. الخلاف في الدفاع المشترك مع
مصر، والذي أصر الصادق المهدي على إلغائه، بينما ظل الاتحادي الديمقراطي ينادي
بأنه ما زال قائمًا، وتباين وجهات النظر تجاه الحرب العراقية الإيرانية - وإن كان
قد عُدّل أخيرًا. وفوق كل هذه الدواعي التي شكلت فشل حكومة الائتلاف، يبرز افتقاد
هذه الحكومة إلى برنامج عملي وميثاق يحكم توجهاتها، ويجدد سبل معالجتها للقضايا،
وقد ساعد على شقة الخلاف بين الحزبين أنهما يرتكزان على مقدرة أي منهما في إجادة
المناورة السياسية، كما حدث حين استبدل حزب الأمة عضو مجلس رأس الدولة الاتحادي
بآخر مستقل وقومي، وكان سببًا مباشرًا لأزمة يونيو 1987. وقد صرح الصادق المهدي
عند تقديم بيانه السياسي في مطلع أبريل الماضي بضرورة تكوين حكومة قومية؛ تجنيبًا
لما خالَفَ حكومة الائتلاف من فشل في حل الأزمات المتراكمة.
وهنا يأتي
السؤال لماذا توجه الصادق نحو الجبهة الإسلامية القومية، وهو من هو في معارضة
اشتراكها في السلطة؟!
الجبهة ومغامرة
الاشتراك
ظلت الجبهة
الإسلامية القومية خارج الحكم مع أحزاب المعارضة تنتقد مسيرة الحكومة، وقد مكنها
موقعها هذا من الخارطة السياسية في توجيه المزيد من انتقاداتها للحكومة؛ مما
أكسبها بعض المكاسب.
كانت الأوراق
واضحة تمامًا على الأقل في قيادة حزب الأمة الذي كان يرفض مشاريع الجبهة الإسلامية
القومية والأحزاب الأخرى، وإبعادها جميعًا بقدر الإمكان عن مراكز التأثير، فكان
حزب الأمة يتحمل أعباء التحالفات مع القوى الأخرى ضد تلك الأحزاب في انتخابات
النقابات والاتحادات، غير أن الأيام أثبتت أن عداء الحكومة أو حتى حزب الأمة لا
يغير كثيرًا في تمدد المعارضة واتساع رقعتها.
ومن جانب آخر،
فقد باءت بالفشل كل محاولات حزب الأمة ورئيسه الصادق المهدي في تجريم المعارضة
ومحاصرتها بماضيها مع نظام نميري المباد، ولم تستطع قيادة حزب الأمة أن تفوز بما
ارتجته من كسب سياسي، ولذا استبدلت قيادة حزب الأمة سلاح مواجهتها، فتحولت من موضع
العداء إلى موضع الدعوة للاشتراك في الحكومة.
وبالطبع فليس
هذا إيمانًا من قيادة حزب الأمة بدور المعارضة وبرامجها، وإن كان حسن الظن يحملنا
لنعتقد شيئًا من ذلك، وإنما هو تكتيك وقتي في معركة مصالح واسعة.
فإشراك الجبهة
الإسلامية - في رأي حزب الأمة - يجعلها تتحمل نصيبها من الإحباط العام في القيادة،
ومن ثم السخط الجماهيري عليها، شأنها شأن أحزاب الحكومة: الأمة والاتحادي.
القوانين
الإسلامية
تُعد قوانين
الشريعة الإسلامية أكبر حدث في السياسة السودانية، وهي مركز أساسي في حركة الأحزاب
والعمل السياسي عمومًا، وقد ظلت تشغل الفترة التي أعقبت الحكومة الانتقالية بين
الاستبدال والتعديل والإلغاء. وكان موقف أكثر الأحزاب هو استبدالها بقوانين
إسلامية، تأخذ بالميزان والأعراف السودانية، وقد ظهرت تحفظات واسعة على تلك
التخصيصات؛ خوفًا من فتح أبواب الانزلاق وتخطي أحكام الشرع لبعض هوى النفوس. وقد
وافقت قيادة حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي على ميثاق وطني، قُيّدت فيه مدة نفاذ
القوانين بشهرين من تشكيل الحكومة، وهو شرط دُفع بشرط جنوبي آخر، فعُدّل ليكون
تقديم القوانين في مدى لا يتجاوز آخر شهر يونيو القادم.
وبناءً على
مقررات الميثاق ذي التوجهات القانونية المحددة والمسحة الإسلامية الواضحة، فقد
أبدت الجبهة رغبتها في الاشتراك في حكومة الوفاق الوطني.
وما كان لأي من
الحزبين أن ينزع نزوعًا واضحًا ضد الشريعة الإسلامية، وإلا كانت مغامرة، نتيجتها
حرق المستقبل السياسي للحزب ولقيادته إلا أنها لا تسمح بإلغاء القوانين الإسلامية
نهائيًا. وهو أمر واضح في عقلية الساسة السودانيين جميعًا.
وهنا يبدأ سؤال
يوجه للجبهة الإسلامية القومية: ما هو موقفها من القرارات التي ستتخذها الحكومة،
علمًا بأن الجبهة لا تمتلك أكثرية في التصويت على تلك القرارات.. ونعني القرارات
ذات الطابع الإسلامي والاقتصادي والسياسي، ولا يمكن للأمة وللاتحادي أن ينتهجا مع
الجبهة فيما تريد! فهل ستنسحب الجبهة من الحكومة عند ذلك أم ستغض النظر عن بعض
الأمور؟ نرجو ألا يكون ذلك.
وبعد:
وتبقى بعض لفتات
ومحاذير، فإن إقامة حكومة وفاق وطني قد تحظى بكثير من التأييد الشعبي أملًا في
إيجاد حلول لقضايا السودان المعلقة؛ سواء مشكلة الجنوب والأمن، أو قضايا الدستور
والهوية، أو حل المشكلة الاقتصادية المستعصية. والمنظور حاليًا هو أن درجة تعقيد
تلك المسائل تجعل من حكومة الوفاق الوطني في مركز لا تُحسد عليه، وبالأخص الجبهة
الإسلامية إذا اشتركت في الحكومة، لا سيما وأن كل تلك القضايا متصلة صلة مباشرة
بالدوائر الخارجية، بما في ذلك المشكلة الاقتصادية، وهنا يتضح حجم المغامرة التي
تدخلها الجبهة الإسلامية القومية. وفوق كل هذا نأمل أن تحقق الأيام القادمة ما
يمكن أن يزرع الأمل والتفاؤل الحسن في حل الإشكالات السياسية في السودان؛ حتى لا
يكون البديل ما تتوجس منه الأنفس وتخشاه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل