العنوان في الساحة المصرية: أزمة شركات توظيف الأموال!
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 31-مايو-1988
مشاهدات 62
نشر في العدد 868
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 31-مايو-1988
صحف الشيوعيين
هاجمت شركات توظيف الأموال وقبضت 300 ألف جنيه مصري ثمنًا للدعاية عنها.
الحديث عن شركات
توظيف الأموال ودورها في الاقتصاد المصري لم يعد مقصورًا على السياسيين
والاقتصاديين فقط، بل تعدى ذلك إلى رجل الشارع في مصر، وأصبح ظاهرة تشغل الرأي
العام بصورة يومية.
ومشكلة شركات
توظيف الأموال التي لم يتجاوز عمرها 10 سنوات، تبدأ من معاناتها لعدم وجود قانون
شامل يحكم نشاطها، فالدولة حتى الآن لا تعرف ماذا تريد من هذه الشركات، وما الصورة
التي ينبغي أن تكون عليها.
ولأن بعض
المسؤولين في العديد من أجهزة الدولة يستفيد من هذه الشركات سواء بصورة مباشرة أو
غير مباشرة، فإن القانون الذي أعلنت الحكومة مرارًا أنها بصدد الانتهاء من إعداده
وعرضه على مجلس الشعب لإقراره، والذي ينظم أمور هذه الشركات ويضمن حقوق المساهمين
والمودعين لديها، هذا القانون قد تأخر كثيرًا.
ولعل السبب في
استمرار تأخير إعداد هذا القانون، يرجع إلى الضغوط الإدارية التي يمارسها وزراء
سابقون وحاليون ومحافظون ووكلاء وزارات، يعملون كمستشارين لبعض هذه الشركات مقابل
مكافآت باهظة.
والأزمة التي
سببتها هذه الشركات للحكومة هي في المقام الأول إنعاش الحديث عن الاقتصاد الإسلامي
وتحريم الربا في المعاملات المالية، وتقديم نماذج اقتصادية لا تتعامل بالربا
المحرم، وفي الوقت نفسه ناجحة في صورتها العامة.
والأمر الثاني
هو سحب أرصدة المودعين لدى بنوك الدولة التي تتعامل بالربا المحرم، بينما ارتفعت
بشكل لم يسبق له مثيل أرصدة المودعين لدى هذه الشركات حتى وصل الحجم التقريبي
للأموال التي تتعامل فيها شركات التوظيف إلى نحو 30 مليار جنيه مصري!
وهناك سببان
وراء سرعة سحب أرصدة المودعين من البنوك الحكومية إلى شركات التوظيف، أولهما: نمو
الوعي الإسلامي لدى مختلف فئات الشعب، وإدراكها لحرمة الربا المستخدم في بنوك
الدولة، وثانيهما: العائد المرتفع الذي يحصل عليه المودع سنويًا، مقارنًا بما كان
يحصل عليه من البنوك، حتى إنه ليصل إلى أكثر من 3 أضعاف ما تقدمه البنوك.
ومشكلة أخرى
داخلية تعاني منها شركات توظيف الأموال وهي قلة الخبرة في المجالين الاقتصادي
والتجاري، وازدياد السيولة النقدية لديها إلى الدرجة التي تعجز عن تشغيلها،
وبالتالي فإن رؤوس أموال المشروعات التي تنفذها هذه الشركات تشكل نسبة ضعيفة من
حجم الأموال الكلية، فشركة مثل «الريان» يبلغ حجم الأموال الكلية لها حوالي ملياري
جنيه مصري، بينما مشروعاتها لا تتعدى رؤوس أموالها حوالي 150 مليون جنيه أي حوالي
7% من رأس المال، والباقي يعمل في مجال المضاربات المالية في أسواق الذهب والمعادن
في الخارج.
وشركات توظيف
الأموال تواجه بحملة عدائية من بعض الصحف وهي الصحف اليسارية على وجه التحديد،
وتعالج الشركات هذه القضية بإغراق هذه الصحف بالإعلانات التي تُدفع مقابلها مئات
الآلاف من الجنيهات. فشركة مثل الريان، وهي واحدة من أكبر الشركات المالية في مصر،
قد أعدت ملحقًا في صحيفة الشيوعيين من 8 صفحات ونشرت صفحة أخرى في العدد نفسه أي 9
صفحات قيمتها تصل إلى حوالي 300 ألف جنيه مصري، وكذلك صحيفة الناصريين، والصحيفتان
تستخدمان أسلوب الابتزاز ضد هذه الشركات لإصلاح أحوال الصحف المادية. وقد أثارت
الإعلانات التي نُشرت في صحف الشيوعيين والناصريين غضب واستنكار العديد من
المودعين والرأي العام الإسلامي في مصر.
المهم أن تسارع
شركات توظيف الأموال بإصلاح أحوالها من الداخل، وتقييم المشروعات التي يصعب
مهاجمتها والتي تسهم بها في الإصلاح الاقتصادي حتى لا تتعرض لهزات عنيفة من الداخل
إضافة إلى الضغوط الحكومية واليسارية من الخارج!
. أحداث مصرية:
إن المشكلة
الرئيسة التي تواجه شركات توظيف الأموال في مصر هي أن الحكومة لا تعرف - حتى الآن
- ماذا تريد منها! ففي الوقت الذي أعلنت الحكومة عن قيامها بإعداد قانون جديد
لشركات توظيف الأموال وعرضه خلال الأيام القادمة على مجلس الوزراء ثم مجلس الشعب
لإقراره والتصديق عليه، نجدها تتخذ عددًا من الإجراءات ضد أصحاب هذه الشركات. فقد
أصدر النائب العام قرارًا بمنع أصحاب 11 شركة من السفر للخارج، بدعوى التحقيق معهم
في مدى تنفيذهم لأحكام القانون الذي ينظم العمل بهذه الشركات. وبالبحث تبين أن
النائب العام لم يصدر أي قرار بمنع هؤلاء من السفر، لأنه - حتى الآن - لم توجه لأي
منهم تهمة محددة يتم بمقتضاها التحقيق معه ومنعه من السفر لحين استكمال التحقيق.
وتأتي هذه الإجراءات في ضوء سلسلة من الضغوط الشديدة التي تمارسها الحكومة ضد
أصحاب هذه الشركات للتأثير على المودعين لديهم لسحب ودائعهم، واتخاذ طريق أكثر
أمانًا وهو طريق الإيداع الرسمي في بنوك الدولة. وإذا كانت بنوك الدولة التي
تتعامل بالربا قد فشلت في تجميع المدخرات رغم ارتفاع سعر الفائدة الربوية، فإن
الحكومة لا تريد لهذه الشركات التي لا تتعامل بالربا وتعطي أرباحًا أكثر أن تنجح
وتستمر في مسيرتها. وفي هذا الجو الملبد بالغيوم تحدث الدكتور عاطف صدقي، حديثًا
يبعث على الطمأنينة، حول مشروع القانون المزمع تقديمه لمجلس الشعب حول تنظيم العمل
بهذه الشركات، فقال: إن مشروع القانون الجديد يعطي شركات توظيف الأموال مهلة مدتها
سنة لتتحول إلى شركات مساهمة، وأكد رئيس الوزراء أنه ليس هناك أي اتجاه لإلغاء أو
تصفية شركات توظيف الأموال، وأن مشروع القانون الذي يُعد حاليًا يهدف إلى تنظيم
عمل هذه الشركات حتى تكون أكثر فعالية في خدمة الاقتصاد القومي، وتوفير أكبر قدر
من الحماية لأموال المودعين، وقال عاطف صدقي إن الدراسات التي تمت على كافة
المستويات استهدفت الحفاظ على أموال المودعين من أية مخاطر، وتوجيه هذه الأموال
إلى استخدامات تفيد المودعين والشركات معًا، وهذا هو السبب في تأخير صدور القانون
حتى الآن.
وقال الدكتور
عاطف صدقي، رئيس مجلس الوزراء، إن التفكير في تنظيم عمل هذه الشركات لم يطرأ
عفوًا، وإنما بدأ جديًا في نوفمبر 1986، عندما ثارت أزمة بين إحدى شركات توظيف
الأموال وبين المودعين الذين تهافتوا على سحب مدخراتهم «يقصد شركة الريان».
ولأن الموقف
الرسمي ما زال غامضًا، ولم تُعلن بنود القانون الجديد حتى الآن، وأيضًا لم تُعرض
هذه البنود على أصحاب هذه الشركات ليُبدوا رأيهم فيها، فقد اتخذت شركات توظيف
الأموال وعلى رأسها «الريان والسعد والهدى مصر» قرارًا بوقف التعامل مع العملاء
والمودعين لديها مدة من الزمن تتراوح بين أسبوعين وشهر، لحين اجتماع الجمعيات
العمومية لهذه الشركات في ضوء الظروف الحالية، وذلك حتى يتسنى لهذه الشركات اتخاذ
ما تراه مناسبًا لمصلحتها ومصلحة عملائها إزاء القانون الجديد.
والسؤال الآن...
هل تتمكن الحكومة من الضغط على شركات توظيف الأموال في مصر، لتنهي نشاطها وتغلق
أبوابها أم ستنجح هذه الشركات في تجاوز هذه الأزمة، عن طريق ثقة وتأييد عملائها
والمودعين لديها؟
هذا ما ستكشف
عنه الأيام القادمة!