العنوان قضية اللاجئين الفلسطينيين على مذبح الانتخابات الأمريكية
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر السبت 24-أبريل-2004
مشاهدات 69
نشر في العدد 1598
نشر في الصفحة 33
السبت 24-أبريل-2004
حصل رئيس الوزراء الصهيوني شارون على كل ما أراده من لقائه هذا الشهر مع الرئيس الأمريكي جورج بوش فقد حصل منه على دعم غير مسبوق لخطته بشأن الانسحاب من مستوطنات غزة، والإبقاء على المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية بل توسيعها. غير أن النصر السياسي والمعنوي الأكبر الذي حققه شارون من زيارته لواشنطن هو إعلان بوش رفض إدارته عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، زاعمًا أن بإمكانهم العودة إلى أراضي الدولة الفلسطينية عند قيامها.
صحيفة نيويورك تايمز أشارت إلى أن شارون فكر في إلغاء زيارته إلى واشنطن خشية ألا يعطيه بوش الضمانات التي يريدها، وربما كان تسريب ذلك الخبر مناورة من شارون لابتزاز بوش خلال حملته الانتخابية، حيث إن بوش في أشد الحاجة إلى الدعم اللوبي اليهودي والصهيوني في الولايات المتحدة في هذه المرحلة بالذات.
بوش قال في مؤتمر صحفي عقده مع شارون: إن الحقائق على أرض الواقع توجب السماح لإسرائيل بالاحتفاظ ببعض المستوطنات في أي اتفاق سلام مستقبلي، كما امتدح إعلان شارون عزمه الانسحاب من غزة ووصفه بالعمل التاريخي والشجاع. كما تبنى بوش موقف شارون بالسماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى دولة فلسطينية جديدة ولكن ليس إلى أراضيهم المحتلة عام ١٩٤٨.
إذن فقد نجحت تكتيكات شارون وأحدثت انقلابًا في السياسة الأمريكية «المعلنة» من قضية اللاجئين والمستوطنات. كما أن موقف بوش الجديد يعتبر انقلابًا أو إلغاءً واقعيًا لإعلان واشنطن الذي جرى توقيعه في حديقة البيت الأبيض في ١٣ سبتمبر ١٩٩٣ برعاية الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، كما أنه إلغاء لاتفاق أوسلو الذي رعته الإدارة الأمريكية والذي يعتبر قضية اللاجئين الفلسطينيين والمستوطنات اليهودية في الضفة والقطاع من القضايا التي سيجري بحثها في مفاوضات الحل النهائي -كان مفترضًا أن تتم عام ۱۹۹۹- إضافة إلى قضية القدس المحتلة التي سبق أن أعلنت إدارة بوش موقفها المؤيد لضمها إلى «إسرائيل» واعتبارها عاصمة لها وهو موقف عبر عنه الكونجرس الأمريكي من خلال الموافقة على نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إليها، كما تأكد ذلك بعد توقيع بوش في ٢٠ سبتمبر ۲۰۰۲ على قانون يعترف بأن القدس عاصمة «إسرائيل» ومع ذلك ادعى بعد التوقيع أن السياسة الأمريكية تجاه القدس لم تتغير!.
القانون المذكور يطلب من الحكومة الأمريكية تعريف القدس على أنها عاصمة «إسرائيل» في أي قائمة تتضمن الدول وعواصمها، كما يطالب القانون الرئيس الأمريكي باليد في نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، إضافة إلى تمكين المواطنين الأمريكيين الذين يولدون في القدس من ذكر «إسرائيل» على أنها مكان مولدهم. ومعروف أن جميع الدول التي تقيم علاقات مع الكيان الغاصب تعتبر تل أبيب هي العاصمة وتفتح سفاراتها هناك باستثناء كوستاريكا والسلفادور -رئيسها الحالي طوني ساغا من أصل فلسطيني وقد فاز الشهر الماضي على منافس من أصل فلسطيني أيضًا!-.
ويثبت الدكتور وليد الخالدي في إحدى دراساته التي استغرق إعدادها ستة أعوام أن الأرض التي ستقوم عليها مباني السفارة الأمريكية والتي أجرتها لها إسرائيل بدولار واحد لمدة ٩٩ عامًا، تعود ملكيتها إلى الأوقاف الإسلامية وإلى أفراد فلسطينيين يحمل كثير منهم الجنسية الأمريكية وبعضهم لاجئون، وهو ما يعتبر انتهاكًا لأربع مسائل رئيسة في مفاوضات الحل النهائي وهي: القدس والمستوطنات واللاجئون ومساحة الكيان الفلسطيني.
ردود أفعال رافضة لـ «وعد بوش»
المسؤولون الفلسطينيون يبدو أنهم فوجئوا بالموقف الأمريكي الجديد مما أثار ردود أفعال عنيفة عليه.
فقد أكد الرئيس ياسر عرفات أن حق اللاجئين في العودة لا يمكن التغاضي عنه، وقال: إن الفلسطينيين سيواصلون نضالهم من أجل دولتهم المستقلة وإن السلام لن يكون بغير الخلاص النهائي من الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي.
أما رئيس الوزراء أحمد قريع فقد رفض موقف بوش بشدة واعتبره انحيازًا واضحًا للطرف الإسرائيلي وقال بعد لقائه القنصل الأمريكي في القدس «عبرنا للأمريكيين عن خيبة أملنا من تصريحات بوش ونعتقد أنها المرة الأولى في التاريخ التي تعالج فيها مسألة حق عودة اللاجئين من قبل الولايات المتحدة قبل بدء مفاوضات الحل النهائي«.
كما اعتبر المندوب الفلسطيني لدى الأمم المتحدة ناصر القدوة أن الولايات المتحدة لم تعد مؤهلة لمواصلة دورها كوسيط في عملية السلام، مضيفًا أن بوش وضع حدًا لخارطة الطريق التي وضعتها اللجنة الرباعية.
حركة حماس اعتبرت أن موقف بوش الذي يصادر حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم ويدعم حق إسرائيل، في الاحتفاظ بمستوطناتها في الضفة الغربية يثبت أن المقاومة السبيل الوحيد أمام الفلسطينيين.
كما رأت حركة الجهاد أن تصريحات بوش تمثل «رصاصة الرحمة» على خارطة الطريق وشددت على ضرورة أن تدعم السلطة الفلسطينية المقاومة. كما اعتبر المتحدث باسم الحركة في غزة محمد الهندي أن هذه التصريحات تنسف كافة الثوابت الأمريكية للحكومات السابقة في التعامل مع قضايا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
عربيًا وصف الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى الدعم الذي قدمه بوش لخطة الانسحاب الإسرائيلية بأنه تطور جلل وسلبي ومؤسف للغاية كما طالبت المملكة العربية السعودية الرئيس الأمريكي بإعادة النظر في دعمه لخطة شارون، معتبرة أنه سيؤدي إلى انهيار قواعد عملية السلام.
أما لبنان الذي يستضيف أكثر من ٣٠٠ ألف لاجئ فلسطيني فقد أكد رئيسه إميل لحود أن «موقف بوش شكل صدمة عنيفة لكل المؤمنين بالسلام في منطقة الشرق الأوسط وسيكون له تداعيات خطيرة على مختلف المستويات».
ودوليًا اعتبر الرئيس الفرنسي جاك شيراك أن أي تغيير للحدود بين الإسرائيليين والفلسطينيين من طرف واحد سيشكل سابقة خطيرة ومؤسفة في تاريخ القانون الدولي كما أكد الاتحاد الأوروبي أنه لن يقبل بتغيير في حدود ١٩٦٧ ما لم يوافق عليه الطرفان وانتقد الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان الرئيس بوش لتجاهله رغبات الفلسطينيين.
قضية اللاجئين: ٥٥ عامًا في أدراج الأمم المتحدة
كانت قضيتا القدس واللاجئين أعقد المسائل وأكثرها حساسية بالنسبة للمسؤولين الفلسطينيين عندما كانوا يقدمون تنازلاتهم في أوسلو، وحتى لا تضيع جهود المفاوضين في الجانبين الفلسطيني عبثًا جرى الاتفاق على إعلان مبادئ في واشنطن عام ۱۹۹۳م يضع الخطوط العريضة لتأسيس كيان فلسطيني -السلطة- في غزة وأريحا -لم يعمر طويلًا- ويؤجل في الوقت نفسه بحث القضايا الأكثر خطورة وأهمية وهي قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات.
وتمثل قضية اللاجئين إشكالية صعبة بسبب تعقيداتها وتضاربها مع مصالح أطراف ودول أخرى، خصوصًا الدول التي تستضيف اللاجئين الفلسطينيين وهي الأردن وسورية ولبنان.
ففي الوقت الحالي هناك حوالي أربعة ملايين لاجئ فلسطيني مسجلين لدى وكالة الغوث الدولية -الأونروا- وهناك بالطبع لاجئون غير مسجلين بالوكالة يتوزعون في دول كثيرة، وكانت مشكلة هؤلاء اللاجئين قد ولدت مع تأسيس الكيان الصهيوني على أرض فلسطين عام ١٩٤٨م، ولم تتمكن الأمم المتحدة من تنفيذ قراراتها التي صدرت بشأن حق هؤلاء اللاجئين بالعودة إلى ديارهم وممتلكاتهم وحقهم في التعويض عن سنوات الغربة والشتات وفقدان أملاكهم وكان أهم تلك القرارات القرار رقم ١٩٤ الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر ١٩٤٨ والذي كان واضحًا ومحددًا حيث دعا إلى عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وتعويض من يختار عدم العودة منهم عن أراضيهم وممتلكاتهم التي فقدوها وقد رفضت، إسرائيل ذلك القرار على الرغم من أن الأمم المتحدة ظلت تؤكد القرار كل عام!.
الأونروا: وكالة إغاثة مجردة من الصلاحيات
تأسست الأونروا وهي اسم مختصر لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى -الأوسط- في ديسمبر عام ١٩٤٩ لكي تقدم خدمات الإغاثة والتعليم والصحة إلى اللاجئين في خمس مناطق عمليات محددة هي الضفة الغربية وقطاع غزة والأردن ولبنان وسورية.
وقد طالب اللاجئون الفلسطينيون بتوفير الحماية الدولية لهم ليمارسوا حقهم في العودة إلى دیارهم وأراضيهم التي انتزعتها «إسرائيل» منهم دون وجه حق كما طالبوا من أماكن إقامتهم في دول مختلفة في الشرق الأوسط وأوروبا وغيرها، بحماية حقهم في حرية التنقل ولم شمل عائلاتهم، والحصول على التعليم والعمل والسكن المناسبين، إضافة إلى توفير الأمن لهم وحمايتهم من الحروب والغارات الصهيونية، لكن المجتمع الدولي عجز حتى اليوم عن تأمين الحماية لهؤلاء اللاجئين الذين كانوا على مدى السنوات الخمسين الماضية ضحايا للمذابح كما حدث في مخيمي صبرا وشاتيلا في بيروت، وفي مخيم جنين وغيرها من مخيمات الضفة وغزة.
انقلاب في السياسة الأمريكية المعلنة من قضية اللاجئين والمستوطنات.. يطيح بكل الاتفاقيات والقرارات الدولية السابقة
وعلى الرغم من أن الأونروا لم تتوقف عن تقديم خدماتها لأكثر من أربعة ملايين لاجئ في حوالي ستين مخيمًا وخارج المخيمات أيضًا، فإن السؤال الذي يطرحه الكثيرون يدور حول سبب عجزها عن إعادة اللاجئين إلى ديارهم خصوصًا عندما تتم مقارنتها مع المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة -UNHCR- والتي مهمتها الأساسية إعادة اللاجئين من كل دول العالم إلى بلادهم كما تقدم خدمات إنسانية أخرى للاجئي العالم -حوالي ٢٥ مليون لاجئ- باستثناء الفلسطينيين على اعتبار أن لهم وكالة خاصة بهم. إلا أن التفويض القانوني الممنوح للأونروا لا يتضمن العمل على إعادة اللاجئين إلى ديارهم أو توفير الحماية لهم، بعكس التفويض الذي تتمتع به المفوضية العليا للاجئين الذي أساسه العمل على إعادتهم إلى ديارهم وتوفير الحماية لهم فلمدة تزيد على خمسة عقود من الزمن وفرت معاهدة ١٩٥١ الخاصة بوضع اللاجئين -معاهدة اللاجئين- إطارًا قانونيًا دوليًا لحماية اللاجئين باستثناء الفلسطينيين على اعتبار أن لهم وكالة خاصة بهم.
وتفسر مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين استثناء الفلسطينيين -خاصة المقيمين في مناطق عمليات الأونروا- إلى الفهم القائل بأن الأونروا هي التي كانت تقدم الحماية أو المساعدة للاجئين الفلسطينيين، واستنادًا إلى معاهدة اللاجئين لعام ۱۹۵۱-المادة 1- د-، فإن الأشخاص الذين يتلقون حماية أو مساعدة من وكالة قائمة للأمم المتحدة، مستثنون من المعاهدة إلى أن تتوقف الحماية أو المساعدة التي يحصلون عليها لأي سبب ولم يميز هذا التفسير بين تفويض الحماية الممنوح للجنة الأمم المتحدة للتوفيق حول فلسطين -UNCCP- التي توقفت عن توفير الحماية في أوائل الخمسينيات وتفويض تقديم المساعدة الممنوح للأونروا، وهذه تفسرها الأونروا على أنها تقتصر على برامج الصحة والتعليم والإغاثة الاجتماعية فحسب.
وكما تشير دراسات المنظمات المعنية بقضايا اللاجئين الفلسطينيين فقد أطلقت المفوضية العليا للاجئين مبادرتها الأولى عام ٢٠٠٢ لمعالجة الفجوات في نظام الحماية، فهنالك فجوات خطيرة في حماية الحقوق اليومية للاجئين الفلسطينيين في المنفى. ولعل أصعب المشكلات هي في لبنان وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧ كما تعترض مشكلات خطيرة مماثلة، البحث عن حلول دائمة -كالعودة واستعادة الممتلكات والتعويض-. ولم تسع الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى توسيع نطاق تفويض الأونروا منذ تأسيسها لكي يشمل توفير الحماية الشاملة للاجئين الفلسطينيين.
وقد ناشدت مراكز فلسطينية مختصة بحقوق اللاجئين الفلسطينيين المفوضية العليا لشؤون اللاجئين والأونروا، ووكالات الأمم المتحدة الأخرى والمجتمع المدني الفلسطيني، لكي تواصل بشكل ملح، النقاش حول المبادئ والأليات التي يمكن أن تحسن مجال ونوعية الحماية الدولية للاجئين وهي مناشدة قد لا تلقى آذانا صاغية من تلك الجهات باعتبار أن قدراتها مشلولة ما دامت الإدارة الأمريكية هي التي تقرر وتحسم.
مبادرات سبقت إعلان بوش
لم يكن إعلان بوش بشأن حق العودة للاجئين سوى المسمار الأخير في نعش خارطة الطريق وفي اتفاق أوسلو، فالمبادرات التي كانت تطرح من هنا وهناك كانت تشير كلها إلى استحالة تأمين حق العودة لملايين اللاجئين الفلسطينيين، وكان الحديث يتطرق دومًا إلى جملة أسباب أهمها العامل الديموجرافي ويهودية إسرائيل ثم العامل الأمني.
ومن تلك المبادرات ما يعرف بورقة نسيبة أيلون التي نصت بشأن حق العودة على أن يعود لاجئون فلسطينيون للدولة الفلسطينية ويعود يهود لدولة إسرائيل فقط، وهو ما يتفق تقريبًا مع إعلان بوش وقد اعتبرت الورقة إسرائيل دولة للشعب اليهودي أما وثيقة جنيف المشؤومة الموقعة العام الماضي فلا يوجد فيها ذكر لحق اللاجئين في العودة لكن المادة السابعة من الوثيقة تتحدث عن اللاجئين وعدد العائدين وأن عودتهم خاضعة للقرار السيادي لدولة إسرائيل.. كما تعترف الوثيقة، بحق الشعب اليهودي بدولة.
يمكن القول إن قضية اللاجئين الفلسطينيين سيتم التعامل معها على أسس إنسانية بحتة ولن تتم معالجتها سياسيًا، خصوصًا أن بعض المسؤولين في القيادة الفلسطينية يؤيدون هذا الطرح باعتباره حلًا واقعيًا كما يزعمون على الرغم من التصريحات المعلنة التي تستنكر إعلان بوش وتدعي تمسكها بحق اللاجئين في العودة.