العنوان مأساة امرأة
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 11-أغسطس-2012
مشاهدات 50
نشر في العدد 2015
نشر في الصفحة 42
السبت 11-أغسطس-2012
بدأت رسالتها بقولها: أنا امرأة لا استحق الحياة.. لا مكان لي إلا القبر نعم.. ولا أستحق زوجي فهو رجل شريف نقي تقي طاهر وأنا غير ذلك... ليت أمي لم تلدني.. أجل سيدي فإني أتمنى الموت كل لحظة، حتى أغادر هذه الحياة، فأغرب عن الدنيا بفعلتي التي كلما تذكرتها تمزقت نفسي حسرة ولوما وانفلق كبدي حزناً وألماً، وفكرت جدياً في الانتحار، ولم يمنعني من الانتحار سوى خشيتي أن تكون جريمتي مع ربي جريمتين الفاحشة، والانتحار.
بداية المأساة
بدات مأساتي بزيارة لإحدى صديقاتي التي كانت محترفة في الدخول على الإنترنت واستخدام ، غرف الشات للتحدث مع الآخرين.. ظلت صديقتي تحدثني عن عالم الإنترنت بصورة مشوقة مثيرة، وجذبني أسلوبها ودفعني إلى أن أخوض هذه التجربة وأثارت فضولي وحب استطلاعي تلك التجربة الجديدة، وانتهت الزيارة باتفاق بيننا على أن أتردد عليها، كي تعلمني وتدربني على كل شيء في عالم الإنترنت.
لم يمر سوى شهر حتى تعلمت منها خبرات كثيرة، سواء الجيد أم الرديء، وعلمتني كيف أدخل المواقع حلوها ومرها وخيرها وشرها ومن بين هذه الخبرات إجراء المحادثات الكتابية والصوتية مع الآخرين.
كنت في البداية لا أقبل التواصل إلا مع من أعرفهم من صديقاتي ولكنني شيئاً فشيئا بدأت اتساهل وأفرط، تحدثت مع نساء صاحباتي ومن غير صاحباتي وتطور الأمر فبدات اتحدث مع الشباب والرجال الأجانب. دفعني إلى الشغف بالإنترنت غياب زوجي كثيراً مع أصدقائه خارج البيت ووجود فراغ عاطفي لدي نتيجة غياب زوجي وانشغاله بالعمل فهو رجل أعمال.. كنت قبل ذلك أعاتب زوجي على تغيبه عن البيت وبعده عني وإهماله الحقوقي الخاصة كزوجة، وكنت أحاول بكل الحيل أن أجذبه إلي فأهاتفه، أو أرسل إليه رسالة حب كما كنت دائما له متزينة استقبله بشوق وحنان وشموع وورود، حتى أنني كنت أضع الورود والشموع عن يمينه ويساره، بل وأنثرها على سريرنا في غرفة نومنا.. فكنت لا أجد تجاوباً منه. أما الآن فلم أعد أهتم بغيابه عني وعن البيت بل أتمناه يبقى خارج البيت أبدا ولا أراه بعيني، وصار كل اهتماماتي بدخول الإنترنت والتحدث مع الآخرين، وخاصة الرجال الأجانب بل عزفت عن أداء دوري مع أولادي وأهملتهم إهمالا شديدا، ونفرت من السفر، ومن زيارة أهلي وأقاربي، ووجدت سعادتي كلها في دخول الإنترنت، وخاصة التحدث مع الناس ولا سيما الرجال الأجانب.
مع مرور الأيام كنت أزداد ولعاً بـ الشات... حتى شعرت أنني أدمنه وأنه فتنني كنت أعرف موعد عودة زوجي فأخرج من الشات وأطفئ الحاسوب قبل مجيئة، فإذا ما نام رجعت إليه خلسة، ثم أعود إلى مكان نومي خلسة أيضا قبل أن يستيقظ زوجي .
وخلال أربعة أشهر، كنت قد كونت علاقات مع كثير من الرجال، لكن أحدهم جذبني إليه بكلامه المعسول وأسلوبه الحنون ثم طلب مني أن نتحدث صوتياً عبر المايك.. فرفضت بشدة ولكنني خضعت في النهاية، فأثنى على صوتي ثناء ساحراً، ولقد فتنت أنا كذلك بصوته.. وفي كل مرة كنت أعزم على ألا أعود لمحادثته لكنني كنت أعود حتى صرت مدمنة لصوته وكلماته لدرجة أنني كنت أقضي أحادثه ويحادثني زمناً قد يتجاوز عشر ساعات في اليوم الواحد.
بدأت علاقتي بـ حبيب الشات تتطور إلى أن طلب مني رقم هاتفي بحجة أن الصوت ليس واضحا على الماسينجر، فرفضت بإصرار في البداية، ولكني وراء إغوائه وسحر كلامه قبلت وظل يتصل بي أياماً، ثم ما لبث أن طلب مني مقابلته، فرفضت رفضا قاطعا في بداية الأمر برغم أنني كنت أتوق لرؤياه أكثر من شوقه لرؤيته إياي ولكنني رفضت فهددني بأنني إن لم أستجب له فسيرسل محادثاتنا التي سجلها كاملة إلى زوجي وأهلي وصديقاتي وسينشرها على المواقع الاجتماعية وساعتها شعرت بالشلل التام في لساني ويدي وعقلي ولم أعرف كيف اتصرف وأغلقت فوراً حواري ودارت بي الدنيا وتمنيت أن لو انشقت الأرض وابتلعتني.
أرسل إلي هذا الشيطان بعد ذلك رسالة على الهاتف يعتذر فيها عما بدر منه من تهديد وبرر ذلك بحبه الجنوني لي، لكنه أكد أن المحب لا يمكن أن يضر بحبيبته أبداً ثم استمر بعد ذلك يطلب مقابلتي حتى وقع المحظور وقابلته.
كيف وقعت الكارثة؟
بدأ هذا الشيطان يسألني عن إحساسي بزوجي الذي أهملني، وصار يبغضني في زوجي، ويرغبني في لقائه هو، وبدأ يحدثني عن قدراته الجنسية، وإتقانه لفن الرومانسية ووجدت فرصة لقائي به عندما سافر زوجي وخلا لي الجو، وبرغم ذلك كنت مترددة وخائفة من أن أعصي الله تعالى، فاشترطت عليه ألا أتأخر خارج البيت وألا تقع بيننا خلوة فوافق ولم أتركه حتى أقسم على أنه سيلتزم بالاتفاق.
جاء الموعد فذهبت لمقابلته في إحدى الأسواق، وإذا به يفتح لي باب سيارته، فذكرته بالعهد الذي بيننا، فأكد لي نيته في الالتزام به، ثم انطلقت بنا السيارة وأنا في رعب شديد فالموقف لم أتعوده أبداً، ولأول مرة أركب مع رجل أجنبي سيارته. انطلقت السيارة بسرعة يقودها هذا الشيطان، ويسير في أماكن مظلمة لم أمر بها طوال حياتي، فكنت أرجوه أن يعود دون أن يعيرني أدنى اهتمام، وإذا به يقف في استراحة بالصحراء، وكانت المفاجأة أن أجد ثلاثة رجال آخرین ملثمين فاستغثت ولم أجد مغيثا استعطفتهم ورجوتهم وذكرتهم بأمهاتهم وأخواتهم وبناتهم، فكان ردهم مهينا لي، وقال أحدهم منكراً عليً كيف تساوين بينك أيتها ال... وبين أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا؟ صفعني أحدهم على وجهي، وكلهم شتموني وأهانوني صرخت فلا شفقة في قلوبهم، خلت نفسي فريسة بين براثن ومخالب حيوانات.. بل لا أعتقد أن الحيوانات ستكون بهذه الهمجية والوحشية.. انتابني زلزال الخوف والرعب وارتعش جسدي كله ذعرا وهلعا، وبعدها لم أدر ما حدث ولم أفق إلا وأنا معصوبة العينين في سيارتي التي كنت قد تركتها في السوق الذي قابلت فيه هذا الشيطان الذي ادعى أنه يحبني!
فككت عصابة عيني، وكلما أفقت شعرت بجسمي كله يتألم كنت منهكة إنهاكا شديداً. وعشت حالة من الغثيان والإعياء الشديد وعدت إلى بيتي مسرعة لا أجرؤ على مواجهة زوجي وأولادي، فظللت حبيسة غرفتي، وجاء أولادي والتفوا حولي وقرأت في وجوههم القلق علي، فكنت أقول في نفسي: لا أستحق قلقكم علي أنتم أبرياء أنقياء، أما أمكم فقد دنست شرفكم!
وجاء زوجي من سفره فوجد حالتي هذه فأخذني عنوة على المستشفى، وكنت لا أجد نفسي أستحق منه هذه العناية بعد أن خنته وكان ضميري يؤلني ألماً شديداً، فطلبت منه أن يسمح لي بأن أمكث مع أهلي حتى أشفى فوافق بعد الحاحي في طلبي، وفي الطريق حاول زوجي أن يفهم ما بي ولكنني لم أتحدث إليه ببنت شفة.
وصلنا إلى بيت أهلي، وهناك حاولوا أن يعرفوا من زوجي ما ألم بي وهيهات للمسكين أن يعرفهم وهو لا يعرف عني شيئا فقد كتمت سري في صدري، وكل يوم أزداد قهرا على قهري وأزداد ذلاً إلى ذلي، من جراء فعلة هؤلاء الوحوش، وكنت أتساءل بيني وبين نفسي، كيف وقعت فريسة في أيدي هؤلاء؟! كيف صدقت هذا الذئب البشري المخادع؟ كيف تركت زوجي الذي أحله الله تعالى لي حتى وإن هجرني لأعطي عواطفي هذا الشيطان؟! كم كنت غبية حمقاء.. فكرت كثيراً كيف أتصرف فلم أجد سوى أن أطلب الطلاق من زوجي لأني لم أعد صالحة له بعد أن خنته، وبالفعل طلبت منه أن يطلقني، بعد أن صارحته بما حدث. فرفض أيضا أن يطلقني، وأكد لي أنه يحبني وأنه سامحني على ألا أعود لذلك أبدا، وأن أعطيه رقم الشخص الذي دبر لي هذه المأساة ليأخذ منه حقه بالقانون والقضاء!
ولقد زادني موقف زوجي وتمسكه بي مرارة وحسرة وشعرت بأنه رجل عظيم لا أستحقه ومن كثرة حسرتي وألمي مازلت على فراش المرض ولا أصدق أبداً أنني سأشفى - بل لا أريد - ولكنني في حيرة: هل أقبل بالعيش مع زوجي بعد أن نكست عرضه؟ وهل أعطيه رقم هذا الشيطان وأنا أخشى أن يقتل زوجي هذا الشيطان فأجلب له مأساة أخرى؟!
تعليق ورد
لا أريد أن أزيدك جلداً لذاتك برغم فداحة مأساتك ومأساة أهلك وزوجك، ولكن من باب التعلم والإفادة لك ولمثيلاتك ولجميع القراء والقارنات أقول لا يعقل أبداً أن أقدم على النار وأمسكها وأنا أعلم يقينا أنها ستحرقني، فكان لابد أن تقي نفسك شرارة المأساة حتى لا تصابي بنارها المتوهجة.
ومن الوقاية أيضاً أن نختار أصدقاءنا، ونتجنب صحبة السوء، فنختار أصدقاء صالحين مهما مللناهم، قال تعالى ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [ الكهف: 28]
كان ينبغي أن تعرفي أن ما تقترفيه إنما هو إثم، لأن الإثم كما وضح رسولنا هو ما حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس (رواه مسلم)، ولقد ذكرت أنك كنت تختلسين دخولك على الشات حتى لا يراك زوجك.
لقد أهملت كل شيء في بيتك زوجك وأولادك ونفسك من أجل هذا الشيطان، وكان جديرا بك أن تقفي دائما مع نفسك، لتدركي أن بيتك وزوجك وولدك أنت مسؤولة عنهم أمام رب العالمين قال صلى الله عليه وسلم "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته الرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيتها ومسؤولة عن رعيتها" (في الصحيحين).
تماديت في التنازلات من الكلام المكتوب الذي وصفتيه بأنه معسول وما هو بمعسول ولكن الشيطان زينه لك، ثم من الكلام المكتوب إلى المسموع إلى المقابلة فالكارثة.. وما وصفتيه أنت هو تماماً طريق الشيطان المتدرج في خطوات، ولذلك لما حذرنا رب العزة لم يقل لا تتبعوا الشيطان، ولكنه قال ﴿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: 21] لأنه - لعنة الله عليه – يأخذ فريسته خطوة خطوة.
أما، عن سؤاليك فعن الأول أقول لك إن كنت ترين أن حياتك ستستقيم مع زوجك وأن عفوه عنك صادق، وأنك لن تتعرضي لهمزه ولمزه وتجريحه بعد ذلك، فاستمسكي ببقائك لزوجك ولأولادك ما دام قد عفا عنك وصفح... وأما عن السؤال الثاني بخصوص إعطاء زوجك رقم شيطان الإنس الذي غدر بك فهذا من حق زوجك، وأعتقد أن رجلا في عقل زوجك وحكمته سيتخذ الإجراءات القضائية ضد هؤلاء كي يرتدعوا وإلا سيهيمون في الأسواق والشوارع كالذئاب يخطفون النساء والفتيات وينشرون في الأرض الفساد.
ولا يفوتني أن أنبه هنا إلى أن الزوج أسهم في هذه المأساة بإهماله زوجته، وانشغاله عنها، وإن كان ذلك ليس مبررا لانحراف الزوجة أبدا، ولكني أردت أن أنبه الرجال إلى خطورة الأمر. في النهاية أود أن أؤكد لك أن ما حدث جرم عظيم، ولكنه وقع وانتهى، وليس بأيدينا أن نمحوه، وحسابك على ربك، ولم يعد أمامك إلا أن تتوبي توبة نصوحا وتجتهدي في طاعة الله طامعة في رحمته ومغفرته، وهو القائل ﴿ ۞ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [ الزمر: 53]
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل