العنوان البيان الذي هز أركان السلطة!
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 07-ديسمبر-1999
مشاهدات 86
نشر في العدد 1379
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 07-ديسمبر-1999
يبدو أن بيان الفساد الذي وقعته شخصيات وطنية فلسطينية معتبرة قد هز مؤسسة السلطة الفلسطينية من أركانها. وكان ذلك جرس إنذار للسلطة بأن الفلسطينيين في الأراضي المحتلة قد بدأوا يفكرون بصوت مرتفع ربما يعبر عن نفسه أكثر على شكل حركات احتجاج شارعية، كما أنه ليس مستبعدًا أن تتطور الأحداث إلى مواجهات مع أجهزة أمن السلطة التي تملأ الشوارع الفلسطينية وكأنها في حالة حرب مع شعبها.
تململ الشارع الفلسطيني من ممارسات أجهزة السلطة ومن استشراء الفساد الذي يجري على أعلى المستويات في السلطة وأجهزتها المختلفة والذي ترتفع وتيرته يومًا بعد يوم، ليس وليد ظرف طارئ بل هو تراكمات بدأت منذ اليوم الأول لدخول جحافل السلطة العائدة من تونس إلى غزة عام ١٩٩٤م.
السلطة التي عجزت عن إقناع شعبها بجدوى وجودها، وفشلت في إثبات قدرتها على تحقيق آمالهم والدفاع عن حقوقهم الوطنية المشروعة، وبعد أن أثبتت فشلًا ذريعًا في إدارة ما يسمى بعملية التسوية السلمية باتت الآن تتخبط يمينًا وشمالًا في سلوكها مع أبناء الشعب الفلسطيني، ودليل ذلك ما يجري الآن من حملة اعتقالات طالت هذه المرة لا حركة حماس أو الإسلاميين الذين يقبع المئات منهم في سجون الحكم الذاتي، بل شخصيات بعضها محسوب على السلطة، وبعضها الآخر ذو تاريخ وطني ربما كان أطول وأصدق من أي مسئول في السلطة.
انتهى شهر العسل بين الشعب الفلسطيني وسلطة الحكم الذاتي بطريقة تنذر بتبديد أحلام الحالمين بالدولة المستقلة، ما يحدث الآن هو اصطفاف الشارع الفلسطيني بكل فئاته وتنظيماته ومن ضمنها تنظيم فتح في مواجهة هذه السلطة. ولم يعد مقبولًا ولا مقنعًا من مسئولي السلطة توجيه اتهامات بأن حركة جمع التوقيعات على بيان «الفساد» أثارتها جهات خارجية وهي الأسطوانة التي لا يخجل أصحابها من ترديدها. وكما قال أحد أعضاء المجلس التشريعي الموقعين على البيان: فإن من جاء بالمخابرات الأمريكية لتتحكم في سياسات السلطة وتسلبها إرادتها وتوجهها إلى اعتقال فلان وإطلاق سراح فلان هو آخر من يحق له توجيه مثل هذه التهم. إضافة إلى ذلك فإن كثيرًا من الموقعين على البيان ينتمون إلى تنظيم فتح المهيمن على السلطة.
صدر البيان بعد توقيعه من عشرين من الشخصيات الوطنية منهم بسام الشكعة رئيس بلدية نابلس الأسبق، ووحيد الحمد الله رئيس بلدية عنبتا الأسبق، ومن بين هذا العدد أيضًا ثمانية من أعضاء المجلس التشريعي منهم حسام خضر وحسن خريشة «فتح»، وراوية الشوا والدكتور معاوية المصري وعبد الجواد صالح. وكان مقررًا إنزال البيان إلى الشارع الفلسطيني لتوقيعه من أكبر عدد ممكن من أبناء الشعب الفلسطيني، إلا أن السلطة الفلسطينية سارعت إلى شن حملة اعتقالات بين الموقعين، حيث اعتقلت الدكتور عبد الستار قاسم من جامعة النجاح بنابلس، والدكتور عادل سمارة وأحمد قطامش «جبهة شعبية» والدكتور عبد الرحيم كتانة. كما تم وضع بسام الشكعة، ووحيد الحمد الله تحت الإقامة الجبرية في منزليهما!
رفع الحصانة
وتقول السلطة إنها ستطلب من المجلس التشريعي الفلسطيني رفع الحصانة البرلمانية عن أعضاء المجلس الثمانية تمهيدًا لتقديمهم للمحاكمة مع الآخرين أمام محكمة أمن الدولة بتهمة زعزعة الأمن وتحريض الشعب ضد السلطة.
وقد حمل البيان عنوان «الوطن ينادينا»، وعكس نبض الشارع الفلسطيني المتألم مما «يجري على أرض فلسطين العربية المقدسة من تهافت وابتذال واستهانة بالشعب وتفريط بحقوقه»، وطالب الموقعون جماهير الشعب الفلسطيني بالعمل صفًّا واحدًا لتصحيح ما آلت إليه الأحوال في مناطق السلطة.
واتهم السلطة الفلسطينية ببيع الوطن وخذلان المواطن وتدميره، وقد سخر الموقعون على البيان من الوعود التي قدمتها السلطة عند التوقيع على اتفاق أوسلو عندما زعمت بأن الاتفاقات مع «إسرائيل» ستقيم دولة عاصمتها القدس وتعيد النازحين واللاجئين إلى ديارهم وتفكك المستوطنات وتحرر المعتقلين وتمهد لأوضاع اقتصادية لتصبح مناطق السلطة سنغافورة المنطقة!
«لقد خدع البعض منا وخرجوا إلى الشوارع محتفلين بما أسموه الانتصارات، وبعد ست سنوات من أوسلو سلب المزيد من الأرض واتسع الاستيطان، والتآمر على قضية اللاجئين يجري بتسارع خلف الكواليس، والسجون الفلسطينية تغلق أبوابها على أبنائنا، لا القدس عادت ولا سنغافورة أتت، وتجزأ الشعب إلى فئتين: فئة قليلة تتسلط وتنهب، وفئة كبيرة تتذمر وتبحث عمن ينقذها».
وفي الربط بين أوسلو والفساد يرى الموقعون ومعهم كل الشعب الفلسطيني باستثناء المنتفعين من وجودها بأن «اتفاق أوسلو كان مقايضة للوطن بثراء بعض الفاسدين المفسدين في السلطة الفلسطينية، أشرع رئيسها الباب ليعيث الانتهازيون في الشارع الفلسطيني فسادًا ساءت الأحوال الاقتصادية للناس، وضعفت الروابط الاجتماعية وتراخت المقومات الأخلاقية والقيمية، وأتى الدمار على الكثير من المؤسسات الصحية والتعليمية والقضائية».
قلنا: إن الفساد لم يكن جديدًا على السلطة حيث كان مستوطنًا قبل ذلك في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية التي استولت على أموال الفلسطينيين العاملين في دول الخليج وعلى أموال الدعم العربي الرسمي والشعبي.
وفي العام الماضي فضح تقرير صدر عن المجلس التشريعي الفلسطيني سوء الإدارة والفساد، حيث تم تبديد حوالي ۳۲۰ مليون دولار من أصل 750 مليون دولار ميزانية السلطة لعام ۱۹۹۸م، ولا يدري أحد أين ذهب نصف ميزانية السلطة، إلا أن الشعب يدرك أن تلك الملايين تحولت إلى فلل وسيارات لكبار مسئولي السلطة وإلى ملايين في حسابات سرية وشخصية في بنوك تل أبيب وغيرها، فهل يعقل أن يقفز أكثر من ٤٠٠ فلسطيني في مناطق السلطة إلى نادي أصحاب الملايين في خمس سنوات هي عمر السلطة! وهؤلاء في معظمهم ليسوا رجال أعمال أو تجارًا؛ بل رجال سلطة «وثوار» تطفوا على التجارة واستأثروا بالوكالات وتمتعوا بالاحتكارات والامتيازات التي منحت لهم مقابل بيع ولائهم وضمائرهم.
أليس من العيب أن يلوح أطفال رفح ومخيمات غزة برغيف الخبز تعبيرًا عن الوضع المتردي الذي آلت إليه أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية؟ وأليس من العار أن يعقد هؤلاء الأطفال مقارنة بين أوضاعهم الحالية في ظل السلطة وظروفهم المعيشية في ظل الاحتلال اليهودي فيترحموا على أيام الاحتلال الخوالي؟!
الأوضاع السياسية والأمنية والمعيشية في مناطق السلطة الفلسطينية مرشحة للتفاقم في الأيام القادمة، وربما بطريقة غير محسوبة في دوائر الــ«سي آي إيه» والشاباك التي توجه سلوك السلطة وتضبط حركتها السائرة بعكس اتجاه شعبها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل