العنوان البنوك الغربية تبحث عن الاستقرار في الأدوات الاستثمارية الإسلامية
الكاتب المحرر الاقتصادي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1995
مشاهدات 49
نشر في العدد 1153
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 13-يونيو-1995
مع اقترابنا من القرن الحادي والعشرين تتطلع البنوك التقليدية الربوية إلى الأدوات الاستثمارية الإسلامية وأعمال المصارف الإسلامية؛ حيث يتوقع الكثير من خبراء الإستراتيجيات حصول تغيرات أساسية في عمل المصارف التقليدية وأدواتها المستخدمة التي أثبتت تعثرها؛ بل هناك من يتوقع اختفاء الأدوات التقليدية القائمة على أساس الفائدة والربا والقروض؛ حيث إن العمليات المصرفية دخلت في طور الاختصار، وأصبحت الحاجة ملحة إلى تعريف جديد للمهنة المصرفية، يستوعب تلك المجالات المصرفية الجديدة، ويعالج ما تعانيه البنوك التقليدية من معوقات ومشكلات، ولقد عبر عن هذه الحقيقة مؤخرًا شارلز سانفورد رئيس مجلس إدارة بانكرز ترست Bankers trust بقوله: «إن البنوك التجارية التي اعتادت تقديم عملياتها التقليدية المصرفية ليست إلا مجرد صناديق مشتركة غير فعالة، تقدم خدمات رديئة للمستثمرين من عملائها» واستطرد قائلًا: «إنني أتوقع اختفاء العمليات المصرفية التقليدية بحلول عام ٢٠٢٠».
إذا ما تفحصنا مشكلات الثمانينيات وتحديات التسعينيات؛ فالأمر يتطلب العودة إلى سياسات العمل المصرفي والتركيز على نشاط الإقراض Lending باعتباره القاعدة الصلبة التي تعتمد عليها العمليات المصرفية.
وما من شك أن العمليات المصرفية باعتبارها وساطة في أموال الغير تواجه خطرًا جديًا ليس بسبب عدم اهتمامها بأموال عملائها فقط، بل بسبب عزوفها عن عملها الأساسي القائم على الإقراض، والذي يعاني الكثير من التعثرات وعدم تحقيق أرباح للمصرف واللجوء إلى بيع الخدمات غير التقليدية مثل التأمين.
الديون المشكوك في تحصيلها
بتقييم أوضاع المصارف المالية التي سادت خلال سنة ١٩٩٢م، فإن المحللين يلاحظون ازدياد مخصصات الديون المشكوك في تحصيلها بشكل كبير.. ففي المصارف الستة الأولى في المملكة المتحدة مثلًا هناك 6.6 بليون جنيه إسترليني «١٠,٢ بليون دولار أمريكي» من الديون المشكوك فيها، وهو رقم يعد أسوأ مما تحقق في السنة السابقة لها، واحتاجت المصارف الإسكندنافية للدعم بعد أن توسعت في الإقراض كثيرًا، كما أن انهيار أسواق العقار في فرنسا قد تسبب في مشكلات صعبة للمصارف الفرنسية، وفى الولايات المتحدة هناك انتعاش مصطنع؛ إذ تحاول المصارف «بخاصة في الأجزاء الأكثر تضررًا» انتشال نفسها من المغالاة السابقة في عملياتها الإقراضية، كما أن إزالة زيول انهيار سوق العقار في اليابان والحاجة إلى إنقاذ الشركات غير المصرفية المؤتلفة مع المصارف، سوف يستغرق وقتًا طويلًا، وقد اضطرت الحكومة اليابانية إلى كفالة المصارف وبترتيبات معقدة، وسوف تستمر هذه المشكلة لسنوات مقبلة.
مكمن الخطأ
أين يكمن الخطأ إذن؟ الجواب على ذلك هو أن المصارف تعاني من أساسيات عملها وأدواتها الاستثمارية، وقد تناست أيضًا أساسيات عملها، فإقراض الأموال يعني تحمل المخاطرة.
ومع ذلك فقد كانت المنافسة جنونية بين المصارف والمؤسسات لجذب الأموال إليها، وتقديمها للمقترضين محليًّا ودوليًّا خلال عقد الثمانينيات الذي اتسم بالفورة الاقتصادية، ودل هبوط هوامش Margins الفوائد المصرفية «أي الفوائد المكتسبة ناقصًا الفوائد المدفوعة» إلى مستويات دنيا إلى أن المصارف قد تتناسب احتمالات تدهور الأوضاع الاقتصادية وضرورة استردادها لقروضها «مهما كانت تلك الظروف»، وبالتالي مواجهة التهديدات بالديون المشكوك فيها وخسائر القروض.
لقد أوجز محافظ بنك إنجلترا ROBIN LEIGH PEMBERTON المشكلة في محاضرة ألقاها في معهد المصارف المتعمدة (CIB) في إسكتلاندا عندما أكد على أن المصارف قد قامت بتوسيع ميزانياتها العمومية بسرعة كبيرة وبخاصة من خلال إقراض المنشآت عالية المخاطرة، بما فيها شركات العقار، وبهوامش لا تعكس بشكل سليم المخاطر التي تحملتها جراء ذلك، لقد كان هناك حقًا تخفيض حاد في هوامش الفوائد المصرفية في الثمانينيات، كما أنها «على الرغم من التصريحات حول ارتفاع هذه الهوامش» لم ترتفع بعد بشكل ملحوظ حتى في مطلع التسعينيات، وقد خلص المحافظ إلى القول بأن هناك دروسًا لابد أن يفيد منها المدراء في المصارف، إن بيت القصيد هو الاهتمام الدقيق بممارسة الرقابة على تسعير المخاطرة الائتمانية.
يبحث عن أداة بديلة للفائدة
وعلى أساس ما تؤكده دراسة مصرفيةٍ عن تزايد مخاطر القروض المصرفية قام بها كل من ريتشارد رتل ودوجلاس بلاك نشرت في فبراير ١٩٩٣م في مجلة بانكر المتخصصة إلى أن المصارف في كل مكان بحاجة إلى أن تنظر وبإمعان إلى الفارق بين ما تدفعه للحصول على الأموال وبين المردود الذي تحصل عليه في عمليات الإقراض، ومن بين المشكلات هنا هي عدم وجود طريقة مقبولة عالميًّا لقياس هذه الأرقام، وثمة مشكلة أخرى هي أن الأساليب المتاحة لقياس هذه الأرقام لا تأخذ في الاعتبار الكلفات الأخرى غير الفائدة التي يتحملها المصرف، كما انخفض الفارق بين متوسط سعر الفائدة على الإقراض من الغير وعلى القروض المصرفية الممنوحة من العملاء كثيرًا وبكل المقاييس المعروفة، ويزداد الأمر سوءًا الآن بعد إدخال المصارف المتطورة لنظم تصنيف الائتمان، والذي يعنى بدوره أن النشاطات الصغيرة سوف تتركز في الشرائح الأعلى مخاطرة من (٥ - ٨٪) مما يفرض ضغوطًا أكبر على بعض العملاء الذين سيتحولون إلى مصارف أخرى، والمشكلة الأساسية في كل المصارف العاملة في الأقطار الصناعية هي الانهماك في البحث عن مصادر مضافة للدخل بأدوات أخرى، غير الفائدة، ففي مصارف المملكة المتحدة مثلًا وصل مستوى الدخل من غير الفوائد نسبة ٣٥,٥٪ من مجموع دخلها سنة ١٩٨٧م، وتواصل ارتفاعه ليصل إلى 41.9٪ سنة ١٩٩١م، وهكذا يظهر أنه أعيد توجيه المصارف في الحياة العملية بعيدًا عن الفائدة المصرفية، مما يعنى أنها بحاجة الآن لتعديل أساسيات عملها.
وتحدد الدراسة أن موقع المعركة القادمة بين المصارف الذي سوف يشهد الاقتتال بينهما هو استخدام أدوات التحليل الدقيق لمخاطر الائتمان، وانتهاج الأساليب الأفضل في إدارة عمليات الائتمان، وسيكون المكسب بتحقيق محافظ، تتوازن فيها المخاطر مع المردود.
البنوك الغربية تتطلع إلى الأدوات الاستثمارية الإسلامية
تتشابه البنوك الإسلامية مع البنوك التجارية من حيث نظرتها إلى أهمية تدوير رأس المال واستخدامه في تمويل مختلف أوجه النشاط، وقد يكون من الملائم مقارنة مجالات توظيف الأموال في البنوك التجارية التقليدية مع البنوك الإسلامية، والتي تعنى أن البنك الربوي قائم كما بينا أعلاه على بيع وشراء الأموال، ويعيش تقريبًا على الفرق بين سعر الفائدتين، أما البنك الإسلامي فإنه يعتمد على أدوات استثمارية مختلفة، فقد ظهرت أدوات استثمارية عديدة منها المشاركات والمضاربة والمرابحات، أصبحت - ولله الحمد - تحل محل الأدوات الغربية القائمة على التمويل بالقروض، والاختلاف الرئيس في الأدوات المالية الإسلامية عن الأدوات التقليدية أنها تقوم على أساس رئيسي، وهو مشاركة العميل في المخاطرة من ناحية والامتناع عن التعامل في الربا من ناحية أخرى، من خلال المشاركة في الأرباح والخسائر في المشروعات الممولة، فمنظور المصارف التقليدية تجاه المخاطر يتميز بتفاديها لمخاطر السلع وتفضيلها لمخاطر الديون، وعلى العكس من ذلك نجد أن رجال الأعمال يحاولون تفادي مخاطر الدين، ويفضلون مخاطر السلع، أما البنك الإسلامي فموقعه هو الوسطية بين هذه المضامين؛ أي القدرة على التعامل بصورة أكثر كفاءةً من المصارف وأكثر كفاءةً من رجال الأعمال في التعامل مع مخاطر الدين؛ وذلك لكون الأدوات الاستثمارية الإسلامية تحتوى على عناصر من مخاطر السلع، وذلك لأن تلك الأدوات تستلزم التعامل مع الجانب الحقيقي في الاقتصاد من خلال بيع وشراء السلع، كما تتطلب القدرة على التعامل مع المديونيات وعدم تعثرها في تحصيل مديوناتها؛ بل هي أكثر كفاءةً في هذه الناحية، وقد أتاحت الوسطية للبنوك الإسلامية أن يكون لديها قدرات أكبر في تطوير أدواتها الاستثمارية في مجالات يصعب مجاراتها فيها، فالبنوك الإسلامية باعتبار دخولها شريكًا في المخاطرة مع العميل تقوم باختيار لأفضل المشروعات وأكثرها جدوى؛ مما يزيد ليس فقط حجم الاستثمارات الحقيقية في المجتمع، بل أيضًا يرفع الكفاءة الإنتاجية لرؤوس الأموال المستثمرة؛ مما أدى إلى نجاحها على المستوى العالمي والإسلامي؛ حيث تتحكم في أكثر من ٥٠ مليار دولار، وقد شجع نجاح البنوك الإسلامية وسرعة انتشارها على الساحة الإسلامية والعالمية قيام خمسة بنوك دولية بفتح فروع لها وفق النظام الإسلامي.
سيتي بنك الإسلامي
وقد أعلن مؤخرًا رئيس مجلس إدارة مصرف «سيتي بنك» عن اعتزام بنكه على افتتاح بنك سيتي الإسلامي وفق التعامل الإسلامي إيمانًا منه «أن الأدوات الإسلامية هي الأفضل وحتى يساهم في استقطاب جزء من السوق المالية الإسلامية؛ حيث تقدر رؤوس الأموال الإسلامية في المنطقة بحوالي ١٠٠ مليار دولار، وتعكف المصارف العالمية على دراسة ظاهرة البنوك الإسلامية بغرض تطبيقها والاستفادة منها، وكان من الملفت للنظر وجود متخصصين ومندوبين من بنوك سالمون وبرازر وميريل لينش وتشيس منهاتن وغيرها من الأسماء المعروفة دوليًّا في مؤتمرات المصارف الإسلامية، وآخرها المؤتمر الذي عقد بدبي عن النظام المصرفي الإسلامي، والذي حضره أكثر من ٢٠٠ شخصية مصرفية تمثل أكبر الأسماء في عالم المصارف والتمويل، وقد أدى نجاح وسرعة انتشار البنوك الإسلامية إلى دراسة هذه الظاهرة والأسس التي تقوم عليها من قبل المصارف المركزية الدولية والمؤسسات الاقتصادية العالمية المتخصصة، مثل صندوق النقد الدولي، وقد أبدي الصندوق اهتمامًا خاصًّا بدراسة ظاهرة البنوك الإسلامية والأسس النظرية التي تقوم عليها، وقد أشارت العديد من الدراسات التي قام بها الباحثون العاملون في الصندوق بالتجربة الإسلامية المصرفية، وسلامة النظرية التي تقوم عليها وآثارها الاقتصادية والاجتماعية المهمة تنعكس على رفع المستوى الإنتاجي للأفراد وزيادة كفاءة الاستثمارات وتنمية المدخرات والأهم من ذلك كله تحقيق الاستقرار الاقتصادي الأمر الذي تفتقد إليه الصناعة المصرفية الربوية الغربية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل