العنوان اضطرابات السند ومستقبل حكومة نواز شريف
الكاتب رأفت يحيى العزب
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أغسطس-1992
مشاهدات 74
نشر في العدد 1010
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 04-أغسطس-1992
هل تنجح حكومة التحالف الجمهوري الإسلامي
برئاسة نواز شريف في البقاء بالسلطة حتى انتهاء الفترة الدستورية المقررة لها؟ أم
أن الوقت قد حان مرة أخرى حتى تعود بي نظير لحكم باكستان من جديد؟ هذا السؤال أصبح
يشكل القضية الأساسية التي تتداولها المنتديات واللقاءات الشعبية والسياسية
المختلفة منذ تردي الوضع الأمني في إقليم السند، فبعد مضي أكثر من شهرين على
انتشار قوات الجيش الباكستاني في الإقليم المشتعل لإعادة الأمن والاستقرار هناك،
إلا أن النجاحات التي أحرزها الجيش تظل متواضعة للغاية على الرغم من الصلاحيات
الواسعة التي حصل عليها الجيش والتأييد الواضح الذي يتمتع به سواء من السنديين
أنفسهم أو من قوى سياسية أخرى مثل الجماعة الإسلامية.
هذا الموقف وضع حكومة التحالف الإسلامي
بزعامة نواز شريف في اختبار شديد الصعوبة في مواجهة المعارضة الباكستانية ممثلة في
حزب الشعب الباكستاني بزعامة بي نظير بوتو التي كانت تترقب أي فرصة للانقضاض على
غريمها التقليدي نواز شريف منذ فشلها في الانتخابات الماضية قبل عامين، مستفيدة من
المناخ السياسي الراهن الذي تمر به حكومة نواز شریف، حيث انفصلت ثلاث قوى رئيسية
عن التحالف الجمهوري، وهي الجماعة الإسلامية وحزب المهاجرين والحزب القومي
الباكستاني، ومستفيدة كذلك من الضغوط الأمريكية على حكومة شريف من ناحية ثم
التدخلات الهندية المكثفة في شؤون البلاد الداخلية والتي واكبت الوضع المتردي في
السند.
وكانت الحكومات الباكستانية المتعاقبة قد
سعت إلى إيجاد حل يعيد الأمن والاستقرار إلى السند عبر الوسائل السلمية حينًا
وبالتدخل العسكري حينًا آخر، غير أن هذه المساعي قد فشلت جميعًا نتيجة للنظرة
الضيقة التي كانت تحكم مواقف هذه الحكومات خوفًا من انهيارها غير عابئين بالمصالح
العليا للبلاد إلى أن وصل الوضع في السند إلى أزمة حقيقية.
|
* مشكلة السند ذات
جذور قديمة وهناك أيدي خارجية تسعى لزيادة القلاقل في باكستان |
جذور الأزمة وأبعادها الداخلية والخارجية
تعود الأزمة الراهنة في السند إلى عام
١٩٤٧ وتأسيس دولة باكستان عندما هاجر الآلاف من المسلمين الهنود إلى السند تحت ضغط
الإرهاب الهندوسي ضد المسلمين آنذاك، وقد تمركز المسلمون الهنود بصفة خاصة في
مدينتي كراتشي وحيدر آباد وبأعداد كبيرة حيث شكلوا أغلبية عظمى في هاتين المدينتين
على حساب السكان الأصليين الذين استقبلوهم بحفاوة بالغة.. وقد سعى المسلمون
المهاجرون منذ البداية إلى السيطرة على مختلف مرافق الدولة واحتكار أغلب الأنشطة
في المدينتين بحيث أصبح أصحاب البلاد الأصليين يشكلون أقلية ضعيفة جدًّا أمام
المهاجرين الذين بدأوا في ممارسة ضغوط ومضايقات نسبية على السكان الأصليين لمغادرة
كراتشي وحيدر آباد إلى مناطق أخرى.
وقد أدى هذا الموقف إلى بروز قوى سياسية
جديدة من السكان الأصليين للدفاع عن حقوقهم، وكان حزب «جي سند» من أبرز
هذه القوى السياسية حيث طالب بالحكم الذاتي للإقليم في الوقت الذي بدأ يقيم فيه
اتصالات مع جارته الهند لتعزيز موقفه.. وفي منتصف الستينيات تشكل حزب الشعب
الباكستاني برئاسة «ذو الفقار علي بوتو» وهو سندي الأصل، واستطاع هذا
الحزب أن يحقق شعبية كبيرة خاصة في معقله «إقليم السند» وخلال فترة حكمه
استطاع أن يعيد للسنديين الكثير من حقوقهم التي اغتصبها المسلمون المهاجرون من
الهند.
ومع وصول ضياء الحق إلى السلطة في أواخر
السبعينيات اتجه إلى ضرب كل من حزب الشعب الباكستاني وحزب «جي سند» عن
طريق تشجيع المسلمين الذين هاجروا من الهند إلى تكوين حزب سياسي لهم عرف باسم «حزب المهاجرين القوميين» بزعامة شاب صغير اسمه ألطاف حسين. وقد نما هذا الحزب في
عهد ضياء الحق بصورة سريعة جدًّا وأصبح يشكل ثقلًا سياسيًّا كبيرًا في كل من
كراتشي وحيدر آباد وتنامى نفوذه في مختلف أنحاء باكستان حيث بدأ المهاجرون من
الهند يشكلون معادلًا سياسيًّا أساسيًّا في أي عملية انتخابية، وقد برز ذلك بوضوح
في انتخابات عام 1988 حيث نجحت بي
نظير بوتو في احتواء المهاجرين إلى جانبها في مواجهة نواز شريف، ومن ثم شكلت
حكومتها في المركز.. وقد تنبه نواز شريف إلى ورقة القوميين المهاجرين في
التأثير على معادلة الانتخابات فبادر بتوثيق علاقاته بألطاف حسين منذ
فترة مبكرة، الأمر الذي عزز من موقفه في إقليم السند حيث نجح التحالف
الإسلامي في استقطاب القوى السياسية الأخرى من القوميين والقوى المعادية لحزب
الشعب الباكستاني في تشكيل حكومة السند الإقليمية.. ومع تعاظم ورقة
المهاجرين في إقليم السند تهاونت كل من حكومة بي نظير بوتو وحكومة نواز شريف في
الممارسات الإجرامية التي بدأ يمارسها حزب المهاجرين خاصة في مدينتي كراتشي وحيدر
آباد خاصة وأن أغلب قيادات الحزب من الشباب الذين لم تتجاوز أعمارهم الأربعين سنة
بعد، فاتجه حزب المهاجرين بزعامة ألطاف حسين إلى ممارسة سياسات إرهابية لتصفية
معارضيه سواء من داخل حزبه أو من السنديين أو رجال الجيش والشرطة في الإقليم
فقاموا بقتل ضباط كبار من الجيش الباكستاني وحرق وتدمير دور الصحافة لمجرد أنها
تعرضت لنقد سياسات ألطاف حسين والضغط على الحكومات المركزية عن طريق حرق القطارات
وتفجير خطوط الغاز والبترول وخطف رجال أعمال أجانب لتشويه صورة البلاد أمام العالم
الخارجي وإقامة العديد من خلايا التعذيب للرجال والنساء سواء بسواء، وقد فشلت كل
الوساطات والمفاوضات مع حزب المهاجرين القومي للتغيير من سياساته رغم تدخل
الجيش أحيانًا.
الأخطر من ذلك أن الوضع المتردي في السند
قد شجع الهند للتأثير على استقرار باكستان عن طريق عملائها سواء من حزب المهاجرين
أو «جي سند» أو عبر الجالية الهندوسية الكبيرة التي تعيش في إقليم السند
مستفيدة من قرب السند للأراضي الهندية إلى الحد الذي تحولت فيه القنصلية الهندية
في كراتشي إلى معقل للمخابرات الهندية المعروفة باسم راو.
لقد تمحورت إستراتيجية الهند الهجومية على
باكستان حول نقطة أساسية هي أن يظل إقليم السند في حالة دائمة من الغليان مستعينة
بعملائها من المهاجرين والسنديين والهندوسيين كورقة مهمة يمكن التأثير بها على
سياسة باكستان تجاه القضية الكشميرية والبرنامج النووي الباكستاني، وقد كشفت الهند
عن نواياها تلك بوضوح شديد خلال لقاءات عديدة بين مسؤولين باكستانيين وهنود في
مناسبات مختلفة، الأمر الذي قد ينذر بقيام بنجلاديش أخرى في السند مثلما نجحت
الهند عام 1971 في فصل باكستان الشرقية عن باكستان الغربية بعد
أن ألحقت بباكستان هزيمة ساحقة.
إن الهند وهي حريصة على تشجيع القوى
الانفصالية في إقليم السند تضع في حسبانها الأهمية الإستراتيجية لإقليم السند فهو
يمثل المنفذ البحري الوحيد لباكستان على البحار والمحيطات كما أنه يشكل مرفأ
تجاريًّا هامًّا لأفغانستان وآسيا الوسطى الإسلامية التي بدأت تخطط بالفعل لنقل
تجارتها عبر مرفأ كراتشي، الأمر الذي سيسهم في تنشيط المجال التجاري والاقتصادي
بين أفغانستان وآسيا الوسطى من ناحية وباكستان من ناحية أخرى.
لهذا فإن الهند تبدي اهتمامًا كبيرًا
بطموحات كل من حزب «جي سند» وحزب المهاجرين إلى إقامة كنتونات مستقلة
لهم عن باكستان.
ولا يقتصر التدخل الأجنبي على هذا الحد
وإنما يتجاوزه إلى الولايات المتحدة التي تمارس ضغوطًا مكثفة على باكستان هذه
الأيام بدعوى امتلاكها قنابل نووية وممارستها أنشطة إرهابية في كشمير ضد الحكومة
الهندية في العاصمة سرنجر..
وقد بلغ الضغط الأمريكي حدًّا خطيرًا بعد
أن بعث وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر عبر سفيره في إسلام آباد برسالة إلى نواز
شريف يحذره فيها من أن بلاده سوف تدرج ضمن قائمة الدول الإرهابية ما لم تكف عن دعم
المتطرفين الكشميريين والتخلي عن برنامجها النووي.
موقف القوى السياسية الباكستانية مما يجري في السند
اعتبر حزب الشعب الباكستاني بزعامة بي
نظير بوتو ما يجري في السند فرصة ذهبية يمكن اغتنامها لإسقاط حكومة نواز شريف خاصة
بعد استقالة حزب المهاجرين القومي من كل من البرلمان الوطني والإقليمي وبالتالي
خسر التحالف الإسلامي في برلمان السند 24 مقعدًا لمصلحة حزب المهاجرين و14 مقعدًا
في البرلمان الوطني، وهذا من شأنه أن يعزز من فرص نجاح حزب الشعب الباكستاني
في إقليم السند الذي أصبح يشكل قوة كبيرة في الإقليم، وهذا ما دعا بي نظير بوتو
إلى إجراء استفتاء لسحب الثقة من حكومة السند الموالية لنواز شريف، كما اتجهت بی
نظیر بوتو إلى إجراء اتصالات بالقوى السياسية الأخرى المعارضة للتحالف الإسلامي
لتحريضها على إجراء إضراب عام في البلاد يوم الثلاثين من يوليو الجاري ما لم تدعُ
حكومة نواز شریف لإجراء استفتاء على سحب الثقة من حكومة السند الحالية.
|
* إن نجاح الجيش
الباكستاني في عمليات التطهير التي يقوم بها في السند سوف يزيد من رصيد التحالف
الإسلامي |
الجماعة الإسلامية بقيادة القاضي حسين
أحمد رغم انفصالها عن التحالف الجمهوري الإسلامي نظرًا لما أسمته بتخلي نواز شريف
عن البرنامج الانتخابي الذي كان قد وعد بتنفيذه والذي كان يقوم في جزء كبير منه
على تطبيق الشريعة الإسلامية في باكستان- قد رفضت الجماعة الإسلامية التجاوب مع
بي نظير بوتو في دعوتها لإجراء إضراب في البلاد، وأكدت أنها لن تعارض نواز
شريف في سياسته تجاه موقفه من السند، وأوضح البروفيسور خورشید أحمد أن الجماعة
الإسلامية تؤيد موقف الجيش الباكستاني في عمليات التطهير التي يقوم بها في السند
لإعادة الأمن والاستقرار في الإقليم المشتعل.
القوى الشعبية الأخرى بما في ذلك السنديون
أنفسهم قد رحبوا ولأول مرة بالتدخل الباكستاني في السند لإنقاذهم من إرهاب
حزب المهاجرين القوي.
القوى الشيعية في البلاد والتي تقف في
خندق واحد مع حزب الشعب الباكستاني ضمن ما يعرف بالتحالف الديمقراطي الباكستاني
تؤيد إجراء إضراب عام في باكستان احتجاجًا على ما أسموه بانتهاك الدستور
الباكستاني في برلمان السند.
هل تنجح بي نظیر بوتو في تحركاتها؟
على الرغم من الحملة المكثفة التي تشنها
بي نظير بوتو بالتعاون مع الصحف العلمانية في البلاد إلا أنه فيما يبدو فإن فرص
نجاحها تبدو ضئيلة بصورة كبيرة نظرًا لاعتبارات عديدة أهمها:
- إن حكومة نواز
شريف تتمتع بولاء الجيش لها وهي خصيصة لم تحظَ بها كثير من الحكومات الباكستانية
في العهد الماضي.
- إن الشعب الباكستاني في أغلبه يؤيد عمليات
التطهير التي يقوم بها الجيش الباكستاني لتخليص البلاد من خطر داهم يهدد
البلاد منذ خروجها لحيز الوجود.
- إن القوى الإسلامية رغم انفصالها
عن التحالف الجمهوري الإسلامي فهي تؤيد تحركات الجيش في السند فضلًا عن أنها مازالت
ترى في التحالف الإسلامي بديلًا أفضل من أي نظام سياسي آخر.
- إن نجاح الجيش الباكستاني في عمليات التطهير التي يقوم بها في السند سوف يزيد من رصيد التحالف
الجمهوري الإسلامي بصورة كبيرة ولعدة سنوات أخرى قادمة، وإن كانت هناك عقبات
وتحديات كبيرة تواجه الجيش في السند، خاصة وأن حزب المهاجرين قد أخذ شكل عصابات
مسلحة بأحدث الأسلحة في مناطق الأحراش والغابات، إلا أن الصلاحيات التي منحها رئيس
الدولة للجيش قبل عدة أيام ربما تقلب المعادلة السياسية لصالح التحالف الإسلامي
بصورة كبيرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل