; حملة راية عبر التاريخ | مجلة المجتمع

العنوان حملة راية عبر التاريخ

الكاتب د. عمر سليمان الأشقر

تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1982

مشاهدات 73

نشر في العدد 560

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 09-فبراير-1982

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (1) (آل عمران:102) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبا﴾(2)( النساء: 1) ( يَأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَولا سَدِيدا يُصلِح لَكُم أَعمَٰلَكُم وَيَغفِر لَكُم ذُنُوبَكُم وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَد فَازَ فَوزا عَظِيما)(الأحزاب: 70-71).

أما بعد فإن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها الإخوة والأخوات: أنتم وأمثالكم من الفتية والفتيات في مشارق الأرض ومغاربها الذين آمنوا بربهم وزادهم الله هدى. الأمل الذي ينعقد عليه الرجاء، الأمل الذي ينعقد عليه الرجاء كي يخلص الحياة من الظلم والطغيان الذي يلف العالم اليوم ويكاد يدمره تدميرا. لقد بلغت البشرية اليوم شأوًا عظيمًا فيالعلوم المادية فحلقت في أجواء الفضاء. وغاصت في أعماق الأرض. وكشفت كثيرا من أسرار المخلوقات، ولكنها في العلوم التي تعرفها بخالق الحياة، وأسرار الوجود، وخفايا النفس الإنسانية جاهلة جهلا يكاد يكون مطبقا، ولذا فإن العلوم المادية التي حصلت عليها قد تكون نقمة لا نعمة، وقد يدمر البشر ما شيدوه من حضارة وعمران بأيديهم. 

لقد جهل الإنسان في هذه الأيام نفسه. جهل سبل السعادة والهناء الناس البعيدون عن وحي الله المنزل يبحثون عن السعادة والطمأنينة ولكنهم لا يعرفون طريقها، فهم كمن يضرب في صحراء شاسعة مترامية الأطراف تشابكت طرقها، وانمحت معالم دروبها، فهم يهيمون على وجوههم من غير دليل يهديهم، فأنى يعرفون المسار الموصل إلى الهدف المنشود؟! لقد هجرت البشرية اليوم تعاليم الأنبياء الذين جاؤوا ليعرفوها الطريق الذي يوصلها إلى الشاطئ الآمن، ويقيمها على الصراط المستقيم، واستكبرت البشرية أن تأخذ بالمنهج الذي وضعه خالقها وإلاهها، فكانت عاقبة ذلك هذه الشقوة التي يحس بها الناس في قرارة نفوسهم، وتبدو آثارها على قسمات وجوههم، والله إنني لألمح آثار هذه الشقوة تطل من العيون، وترتسم على الوجوه عيون ووجوه أهل هذه الديار(4) التي أعرضت وتولت عن الله ودينه، وهذا حال كل بلد شردت عن الله ومنهجه، ولا يعرف هذا الأسى وذلك الحزن والشقاء إلا من تخلص من حالهم هذه، وقد لاحظ هذا الذي لاحظته محمد أسد(5) بعد إسلامه وسجله في كتابه «الطريق إلى مكة» والذي عنون له في طبعة لاحقة بعنوان «الطريق إلى الإسلام». 

إن الأمراض النفسية والعقد النفسيةسمة هذا العصر، وإن علماء النفس وعلماء الاجتماع الذين يهرول إليهم أبناء هذه المجتمعات ليشفوهم من عقدهم وأمراضهم لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا، بل أن كثيرا من هؤلاء يشكون من نفس الأمراض التي يطلب الناس علاجها عندهم، فكيف يعالجون غيرهم من شقوتهم، وهم يعيشون في مثل تلك الشقوة! 

يحدثني مشرف اجتماعي في إحدى المدارس بعد علاقة مصادقة بيني وبينه عن هموم أثقلت نفسه، وغزت قلبه، فعكرت صفو أيامه، وأسهرت لياليه، وهو لا يعرف لها سببا، ولا يجد لها علاجا ولم يجد أمامه إلا تلك التعاويذ التي كانت تعونه بها جدته، وإلا أن يضع المصحف تحت وسادته عند منامه قولوا لي:- بالله عليكم- كيف يحل مثل هذا المثقل بهمومه وأعبائه هموم الآخرين ومشكلاتهم، ولو أحسن الصلة بالله، وشغل جزءا من يومه في ذكر الله لاطمأن قلبه وهدأت نفسه  ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكرِ ٱللَّهِ أَلَا بِذِكرِ ٱللَّهِ تَطمَئِنُّ ٱلقُلُوبُ﴾(6) (الرعد: 28)

إن الآلام والهموم والأوجاع النفسية اليوم ليست مقصورة على أهل الدول المتأخرة، ولكنها سمة المجتمعات التي يدعي أصحابها التقدم والحضارة والتمدن ولقد فقد الناس في هذه الحياة طعم الحياة، فهانت عليهم الحياة، وهانت عليهم أنفسهم، ومن هنا جاء هذا التمرد من الشباب والفتيات في مثل هذه المجتمعات هذا التمرد الذي نرى مظاهره في «الهيبيز، والتافهين». وفي أجيال المخدرات حيث يهرب هؤلاء من واقعهم وهمومهم بتعاطي تلك السموم التي تفقدهم عقولهم، وتهدم أجسادهم وقواهم، ولقد بلغ الأمر بهؤلاء إذا ما واجهتهم الصعاب والمشكلات أن يرقى أحدهم إلى قمة بناء مرتفع ثم يلقي بنفسه فيصل إلى الأرضأشلاء ممزقة، وقد هالني خبر قرأته بالأمس قرأت خبر مظاهرة صاحبة بلغ تعداد المشاركين فيها مائة ألف، بقي أن تعلموا أن هذه المظاهرة لم تقم لأن الروس قد احتلوا أفغانستان، وأذاقوا أهلها البلاء أشكالا وألوانا، ولا لأن المئات في الهند وفي غيرها يسقطون كل يوم موتى من الجوع. ولا لأن حقوق الإنسان انتهكت في كثير من بقاع الأرض، إنما قامت لأن مغنيااغتيل وسقط ميتا، ولم يكتف بعضهؤلاء بالمظاهرة تعبيرا عن حزنهم وآلامهم. لقد انتحر اثنان من المتظاهرين أي قيم هذه وأي مثل؟! إنها حياة تافهة تعظم التافهين، وتنهي حياتها حزنا على هذه التفاهات،أين هذا من المسلم الذي لا يحركه إلا أمر الله ولا يوقفه إلا نهي الله والذي جعل حياته ومماته وقفا على مولاه!! ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾(7) (الأنعام:162-163) بقي أن نعلم أن هؤلاء المتظاهرين، وأولئك المنتحرين التافهين ليسوا في دولة متأخرة وإنما هم أبناء دولة متحضرة في أمريكا ويذكرني هذا بشيء مماثل حدث في مصر عندما هلك المغني المعروف عبد الحليم حافظ وانتحر على إثر وفاته أربعة أشخاص.

انظروا أيها الإخوة إلى حياة الناس في هذه الديار المتحضرة أين الأمن فيها؟ أين السكينة والهناء؟ فقد ذلك كله، ومن يطالع التلفاز، وينظر في الصحافة ويسمع الأخبار، يعلم المدى الذي وصلت إليه الجريمة التي أقلقت مضاجع الناس وجلبت الخوف والرعب إلى النفوس، إن الدماء تسيل في كل يوم لتعلن عن هذا العذاب وهذا الشقاء الذي يعيشه الإنسان.

وأنتم أيها الإخوة أمل البشرية فيحاضرها كما كان أسلافكم أملها فيماضيها، أنتم لا تمثلون أمة يمتد تاريخهاإلى ألف وأربعمائة عام فقط ولكنكم تمثلون تاريخا يمتد إلى أغوار بعيدة في الزمان أنتم امتداد للرسل الكرام والأنبياء العظام، الذين تلاحقوا على مدار التاريخ الإنساني، يحملون مشاعل الهداية للبشرية، أنتم تحملون نفس الراية التي حملوها، وتعتقدون العقيدة التي اعتقدوها، وتنشدون الهدف الذي راموا تحقيقه كلنا أيها الأخوة تجمعنا مسيرة واحدة، وجهتها ومعبودها هو الله، فإليه تسير، وبهديه نسير. 

إن دورنا- أيها الإخوة- نحن الذين رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا هو دور الرسل الكرام وأتباعهم على مر العصور، أن نرد البشرية الشاردة التائهة الحائرة التي ضلت في منحنيات الطريق إلى ربها الواحد الأحد كي ترضى به ربا ومعبودا، وبدينه منهجا وطريقا، وبرسوله هاديا ومبشرا ونذيرا.
الهوامش

(1] سورة آل عمران /102.

[2] سورة النساء /1.

[3] سورة الأحزاب /70-71.

[4] المحاضرة ألقيت في بريطانيا.

[5] كان اسمه قبل الإسلام ليوبولد فايس، وكان يهوديًا من النمسا.

(6] سورة الرعد /28.

[7] سورة الأنعام /162-163.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 59

96

الثلاثاء 11-مايو-1971

كتاب جديد "جذور البلاء"

نشر في العدد 198

92

الثلاثاء 30-أبريل-1974

الوطن الكبير  عودة للكتابة