; المجتمع التربوي: المجتمع (1414) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي: المجتمع (1414)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-أغسطس-2000

مشاهدات 62

نشر في العدد 1414

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 22-أغسطس-2000

وقفة تربوية

اللهم أعدني للحياة (4)

كان ذلك الشاب يحب هواية «الغطس»، كان يذهب يومياً لأحد المسابح؛ حيث يمكث ما يقارب الساعات الثلاث أو أكثر وذلك لممارسة هذه الهواية المفضلة.

لكنه عندما التحق بركب هؤلاء الشباب الصالحين وزاد منسوب الإيمان في قلبه، بدأ يراجع الكثير من عاداته وهواياته، ويعرضها على منهج رب العالمين، ليرى الصالح - منها - من الفاسد، فيلزم الصالح، ويهجر الفاسد، وكان متحيراً في أمر هواية «الغطس» ليس لذات الهواية، ولكن لما يراه في ذلك المسبح من مناظر العري لبعض النساء، وعورات الرجال، ولا يعلم إن كان ذلك يرضي الله أم يغضبه؟

وفي إحدى الليالي - التي اعتاد القيام فيها - انتظر الثلث الأخير من الليل، ثم سجد سجدة طويلة خاشعة، ودعا ربه بخشوع: «يا رب إن كان ذهابي إلى هذا المسبح يرضيك فثبتني عليه، وإن كان يغضبك ولا يرضيك فأغرقني ثم أعدني للحياة، واجعلني أكثر صلاحاً والتزاماً».

وما هي إلا أيام حتى ذهب إلى ذلك المسبح كالعادة، وبعد أن أتم التمارين، وخرج الناس من المسبح أراد زيادة في الغطس، وعندما ألقى بنفسه هذه المرة لم يخرج، واستبطأه المدرب، وعندما تأخر عليه جاء للمسبح مسرعاً فرأه غارقاً في قاع الحوض، رمى بنفسه إلى الماء وأخرجه من فوره لكنه كان جثة هامدة، استخدموا معه جميع أنواع الإسعافات، ولكن بلا جدوى.

يتبع

أبو خلاد

المسجد والتربية السياسية

يعمق الشعور الجماعي والحاجة للانتماء في نفس المسلم

خطبة الجمعة من أعظم الوسائل لتعريف المسلمين بحكم الله في المستجدات

خالد أحمد الشنتوت (*)

للمسجد مكان الصدارة في المجتمع المسلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ﴾ (آل عمران:96)، قال ابن كثير - يرحمه الله - (٣٨٣/١): «يخبر تعالى أن أول بيت وضع للناس، أي لعموم الناس لعبادتهم ونسکهم، يطوفون به، ويصلون إليه، ويعتكفون عنده، ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ يعني الكعبة التي بناها إبراهيم عليه السلام».

إن رسول الله r لم يستقر به المقام عندما وصل إلى حي بني عمرو بن عوف في قباء حتى بدأ ببناء مسجد قباء، وهو أول مسجد بني في المدينة، كما ذكر ابن كثير - يرحمه الله - (٣/ ٢٠٩). وعندما واصل سيره إلى قلب المدينة (يثرب يومذاك) كان أول عمل قام به هو بناء مسجده (١)، وهذا يدل على المكانة العظيمة للمسجد في المجتمع المسلم، فهو بيت الله، وكفاه شرفاً بهذا النسب: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾ (الجن:18).

في المجتمع المسلم: للمسجد وظائف متعددة في المجتمع المسلم، أولها وأهمها إقامة الصلاة، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام، حيث يلتقي المسلمون خمس مرات في اليوم والليلة، بعد أن يسمعوا النداء إليه مذكراً بتوحيد الله: «الله أكبر ... أشهد ألا إله إلا الله ...».

والوظيفة الثانية للمسجد التربية الإسلامية «الروحية والعقلية والسياسية والجسدية..»، ونشر العلم، وتعليم المسلمين ما ينفعهم في آخرتهم، ثم ما ينفعهم في معاشهم، وعندما انطلق العلم من المسجد كان مباركاً خالصاً لله عز وجل، ومن ثم نشأت الكتاتيب في المساجد، ثم تحولت إلى مدارس وجامعات (٢).

وفي المسجد تُعقد المؤتمرات لمناقشة أحوال الأمة وما يواجهها من مشكلات، وفيه تُتخذ قرارات الشورى، وفيه يجتمع أهل الحل والعقد لرسم السياسة العليا للمجتمع، كما كان في عهد رسول الله r، والخلفاء الراشدين - رضوان الله عليهم.

ومن المسجد كان العلماء يُسيِّرون الجيوش المسلمة للدفاع عن المسلمين، فهذا ابن تيمية والعز بن عبد السلام - يرحمهما الله - يقودون المسلمين لمواجهة التتار، وحتى أثناء الحملة الفرنسية على مصر كان علماء الأزهر يقودون المسلمين في مصر لمواجهة الفرنسيين مثل: عبد الله الشرقاوي، والإمام أحمد الدردير، وكان للأزهر دور كبير في ثورة ١٩١٩م ضد الإنجليز، ووقفت الدوريات العسكرية الإنجليزية أمام الأزهر لتمنع العلماء والطلاب من المظاهرات (٣).

هذه بعض وظائف المسجد في المجتمع المسلم، ولا يسمح المقام بالتفصيل، لأننا سنعود للحديث عن التربية السياسية في المسجد:

التربية السياسية: للصلاة فوائد كثيرة منها التربية السياسية التي تربي الفرد المسلم ليكون مواطناً صالحاً في المجتمع المسلم، ويمكن تعريف التربية السياسية بأنها: إعداد المواطن الصالح للمجتمع المسلم، الذي يعرف واجباته فيؤديها تقرباً لله عز وجل، ويعرف حقوقه فيطالب بها بالطرق المشروعة، ومن المسلَّمات أن الإنسان لا يعيش دون مجتمع، والمجتمع سابق على الفرد، فلا يوجد الفرد إلا ضمن مجتمع، ولا يستطيع الفرد أن يحقق وجوده الإسلامي إلا ضمن المجتمع، وثلاثة أرباع الفرائض والواجبات الإسلامية لا تتم دون مجتمع مسلم.

المسجد وصلاة الجماعة 

للمسجد أهمية كبيرة في تماسك المجتمع ليبقى حياً كالجسد الواحد كما وصفه رسول الله r عندما قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، وكيف يتراحم المسلمون إذا لم ير بعضهم بعضاً؟ لذلك كانت صلاة الجماعة ليلتقي المسلمون خمس مرات في اليوم والليلة، ويعيش الفرد المسلم متفاعلاً مع المجتمع، ولا ينعزل عنه.

إن أهم رسالات المسجد لقاءات المؤمنين في رحابه خمس مرات يومياً في عبادة، وتذاكر، وتراحم، وتعاون، متماسكين كصفوفهم في الصلاة، وصلاة المسلم في المسجد أفضل من صلاته في بيته أو سوقه، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي r قال: «صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه خطيئة، فإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه، وتصلي عليه الملائكة مادام في مسجده الذي يصلي فيهم، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث فيه» (٤).

ويتعلم المسلم في المسجد الكثير، ومنه اتباع النظام والتعود عليه عند تسوية الصفوف، القدم بالقدم، والكتف بالكتف، كما يتعلم التواضع، فالفقير بجوار الغني، كتف بكتف، وقد يكون الإمام أقل الناس مالاً، والمأموم أكثر منه ثراءُ (٥).

وقد رغب رسول الله r في صلاة الجماعة. وحث المسلمين عليها، فعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما- أن رسول الله r قال «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة»، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه – أن رسول الله r قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لآتوهما ولو حبوًا».

هذه الأحاديث الشريفة وغيرها كثير تحض المسلمين على صلاة الجماعة في المسجد، لأن في صلاة الجماعة طاعة لله ورسوله، ثم تربية روحية، وتربية سياسية ينتج عنها التكافل الاجتماعي، والتوادد والتراحم، حتى يصبح المسلمون كالجسد الواحد.

الإمام والمصلون

لصلاة الجماعة في المسجد قيم ومعان إسلامية كبيرة وكثيرة، منها هذا الموقف العظيم؛ إذ يصطف المصلون خلف الإمام والإمام أقرؤهم لكتاب الله، وليس أغناهم، أو أعظمهم جاهاً، أو أشرفهم نسباً، وكلهم ينفذون تعليماته رغبةً في ثواب الله عز وجل، يتابعونه ولا يسبقونه، يركعون بعد أن يركع، ويسجدون بعد أن يسجد، ويطيعونه طاعةً لله عز وجل، ورغبة في ثواب الله عز وجل عندما يقبل صلاتهم.

وقد يدخل المسجد مسبوق أقرأ من الإمام، فيلتحق بالجماعة حالاً، وقد يدخل المسجد أمير والإمام شاب يافع فيلتحق بالجماعة فوراً، وينفذ أوامر الإمام في الصلاة، لأن المسلم يعلم جواز إمامة المفضول، وما أعظم هذا المعنى في المجتمع المسلم، فالإمام في الصلاة - وهي أعظم شعائر الإسلام - يجوز أن يكون مفضولاً، وفي المصلين خلفه من هو أفضل منه، وأحق منه في الإمامة، ومع هذا تجوز إمامة المفضول، وصلاة الجميع صحيحة مقبولة إن شاء الله، فمتى ينتبه المسلمون إلى هذا؟ فينظرون إلى الإمامة - أي إمامة – بأنها تكليف وليست تشريفاً، والمهم أن يوجد إمام، فلا صلاة جماعة دون إمام، ولا يجتمع مسلم دون إمام. وإمام مطاع يتقرب إلى الله بطاعته، كما يتقرب المصلون إلى الله بطاعة إمامهم في الصلاة، وينظر إليه المواطنون في المجتمع، كما ينظر المصلون إلى إمام الصلاة.

وقد يخطئ الإمام - إمام الصلاة – بالقراءة فيرده أقرب المصلين إليه، بصوت لا يكاد يسمعه غيره، وما أشبه هذا بتقديم النصيحة إلى أمير المسلمين، فالأمير يخطئ لأنه بشر، والمسلم مأمور بنصيحة الإمام كما وصى رسول الله: «الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال: لله وكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم»، ولا خير في أمة لا تنصح لحاكمها، ومسؤولية العلماء والمصلحين في نصح الحكام أكبر وأعظم، ومن آداب النصيحة أن تكون سِرًّا، قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبخه، والمؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير.

أكبر جوانب التربية

ومن أكبر جوانب التربية السياسية في المسجد خطبة الجمعة، عندما يكون الخطيب كفؤا لها، حيث يجتمع لصلاة الجمعة ما لا يجتمع في صلاة الجماعة، وكثير من المسلمين يتقاعسون عن صلاة الجماعة. لكنهم يحضرون صلاة الجمعة، وأمام هذا العدد الكبير فإن الخطيب الداعية يستطيع أن يبث الوعي السياسي في أذهان المسلمين من خلال خطبة الجمعة، عندما يعالج قضايا الساعة معالجة إسلامية، محددة بكتاب الله وسنة رسوله r، ومن نافلة القول إن للإسلام حكماً في كل قضية مستجدة، ويجب أن يعرف المسلمون حكم الإسلام فيها، وخطبة الجمعة من أعظم الوسائل لتعريف المسلمين بحكم الله عز وجل في تلك المستجدات، ومن منا لا يذكر الشيخ عبد الحميد كشك - يرحمه الله - وأثره في بث الوعي بين المسلمين من منبر يوم الجمعة؟

ومن آداب صلاة الجمعة أن يغتسل المسلم، ويلبس ثياباً نظيفة، ويتطيب، ويبكر إلى المسجد. وينصت المصلون إذا صعد الإمام المنبر، ويستمعون له، وإنه لمنظر رائع عندما ترى الألوف من الناس ينظرون إلى الخطيب صامتين يسمعون كلامه، فقد أخرج البخاري - يرحمه الله – عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله r: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من الطهور، ويدهن من دهنه، ويمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كُتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» (البخاري: ٢/ ٢٠٨ في الجمعة).

فما أعظم هذا الملتقى الأسبوعي حيث يلتقي المسلمون، ويتصافحون بعد الصلاة، وقد وعظهم الخطيب، وذكْرهم بما يحيي القلوب، كما علمهم حكم الله في قضية من قضايا الساعة.

الانتماء: يبحث الفتى عن الرفقة؛ لأنها تغذي حاجة نفسية ملحة عنده، وينتقي أقرانه من الفتيان المشابهين له في الطباع، ويختارهم ممن يكثر لقاؤه بهم، وأقران المسجد يلتقيهم خمس مرات في اليوم والليلة، بالإضافة إلى دروس تحفيظ القرآن، ومن خلال هذه المعايشة ينتقي الفتى المواظب على المسجد أقرانه من رواد المسجد، وليتمكن العاملون في المسجد من الإشراف على هؤلاء الفتيان تشكل لهم أسر مسجدية يشرف عليها الإمام والمدرس، ومن يعاونهم من أهل الحي. وتهدف هذه الأسر المسجدية إلى توفير جماعة أقران صالحة للفتى، حيث يمارسون أنشطتهم ضمن المسجد، وتحث إشراف العاملين فيه (خالد الشنتوت، تربية الشباب المسلم، ص ٧٠).

يقول الشيخ محمد قطب - يحفظه الله -: «لم يعد الفتى متمركزاً حول ذاته، إنما صار مشغولاً بالآخرين، ومن أين يبدأ الإصلاح، ومن هذا الخيط يسعى الشباب إلى الانتماء، كما تتسارع الجماعات والأحزاب إلى جذب الشاب إليها من هذا الخيط ذاته» (منهج التربية الإسلامية: ٢/ ٢٥٩).

ويقول أيضاً: «لابد من انتماء الشباب إلى الجماعة، لأن هذا الشعور الجماعي فطري لدى الإنسان، ولأن الحاجة إلى الانتماء من الحاجات الأساسية لدى الشباب» (ص ٢٨٧)، وعندما ينتمي الشاب إلى المسجد يكون انتماؤه إسلامياً، ويسد الطريق على الأحزاب العلمانية، والهيئات الملحدة التي تخرب عقائد الشباب.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يرد مساجدنا عامرةٌ بالإيمان، والعلم، والتربية الإسلامية الشاملة، كي تعود كما كانت المحرّك الأساسي في المجتمع، لا أن تكون دوراً للصلاة فقط، إنه سميع مجيب.

الهوامش

(١) عبد الله قادري، دور المسجد في التربية. دار المجتمع، جدة: ١٤٠٧هـ. ص ٦٥

(٢) عبد اللطيف بن دهيش، الكتاتيب في الحرمين الشريفين وما حولها، ط ١، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، ١٤٠٦هـ، ص ١٥.

(٣) علي محمد مختار، دور المسجد في الإسلام، دعوة الحق، جمادى الأولى ١٤٠٢هـ - العدد ١٤، ص ٧٨ بتصرف.

(٤) البخاري: 2/113، ومسلم ٦٤٩، وغيرهما.

(٥) علي محمد مختار، مرجع سابق، ص ٤٨ بتصرف.

المجتمع التربوي

معادلات إيمانية

حفظ الجوارح.. طريق الجنة «2 من 2»

من يحفظ جوارحه.. يستقم له قلبه العمر كله

اللسان أخطر جارحة.. ولا بد من التثبت وعدم التعجل في نقل الأحاديث

بقلم: الشيخ عبد الحميد البلالي

تحدثنا في العدد السابق عن معنى الجوارح، ومعادلتها، ومسؤولية حفظها وشهادتها يوم القيامة على أعمال العبد في الدنيا، والأنوار التي تكتسيها إن استخدمت في الطاعة، مشيرين إلى أن الطريق لحفظ الجوارح يمر بطرق كثيرة، استعرضنا منها الشعور برقابة الله الدائمة، والصمت، وتذكر الجنة.

واليوم نستكمل استعراض هذه الطرق لحفظ الجوارح.. منها:

٤ - تذكر النار:

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي r قال: «إن العبد لَيَتَكَلَّمُ بالكلمةِ من رِضْوَانِ اللهِ تعالى ما يُلْقِي لها بَالًا يَرْفَعُهُ الله بها درجاتٍ، وإن العبد لَيَتَكَلَّمُ بالكلمة من سَخَطِ الله تعالى لا يُلْقِي لها بَالًا يَهْوِي بها في جهنم (١).

يكفي الإنسان أن يتذكر جهنم، وما يحدث له فيها من الأهوال بسبب جوارحه فيكفها عما يغضب الجليل، كيف لا، وقد ورد في صحيح البخاري أن أهون أهلها عذاباً من توضع في أخمص قدميه جمرة يغلي منها دماغه.

٥ - تذكر سخط الله تعالى:

عن بلال بن الحارث المزني سمع رسول الله r يقول: «إنَّ الرجُلَ لَيتكلَّمُ بِالكلِمَةِ من رِضوانِ اللهِ تَعالى ما يَظُنَّ أنْ تَبلُغَ ما بَلَغَتْ؛ فيَكتبُ اللهُ له بِها رِضوانَهُ إلى يَومِ القِيامةِ، وإنَّ الرجُلَ لَيتكلمُ بِالكلمةِ من سَخَطِ اللهِ تَعالى ما يَظنُّ أنْ تبلُغَ ما بَلَغَتْ؛ فيُكتُبُ اللهُ عليه بِها سَخَطَهُ إلى يَومِ القِيامَةِ» (٢).

يقول الإمام المناوي: «يكتب الله بها عليه سخطه إلى يوم القيامة بأن يختم له بالشقاوة، ويصير معذباً في قبره، مهاناً في حشره حتى يلقاه يوم القيامة فيورده النار، وبئس الورد المورود» (٣).

إن المرء عندما يتسبب بسخط إنسان لما أخطأ به لسانه عليه، فإنه يبقى حذراً خائفاً، يتوارى منه، خشية أن يصيبه الضرر منه، خاصة إذا كان من أصحاب الجاه والسلطان، فكيف عندما يتكلم بكلمة مما يغضب الله، وهو مالك السماوات والأرض، ويكتب عليه سخطه، ويا ليت ذلك السخط فقط في الدنيا، إنما يتصل حتى يوم القيامة، يا لها من كلمة تسببت في شقاوة ذلك الإنسان بسبب ذلك اللسان الذي أورده ذلك المورد.

يقول الإمام الشافعي: «ينبغي للمرء أن يتفكر فيما يريد أن يتكلم به، ويتدبر عاقبته، فإن ظهر له أنه خير محقق لا يترتب عليه مفسدة، ولا يجر إلى منهي عنه أتى به، وإلا سكت» (٤).

٦ - تذكر الاستقامة:

إننا ندعو كل يوم وليلة أكثر من عشرين مرة بالاستقامة من خلال سورة الفاتحة، وكل مقدمة الفاتحة من الثناء والحمد إنما يتأتى تمهيداً لدعائنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.

إننا ندعوه ونتذلل له لهدايتنا للصراط المستقيم في الدنيا، حتى نتمكن من الاستقامة على صراط الآخرة المنصوب على نار جهنم والعياذ بالله.. وتذكر هذا الأمر يدعونا لتجنب كل ما يسبب الانحراف عن الصراط المستقيم، واللسان هو الجارحة الأخطر في الإنسان، إذ إنه المسبب الرئيس في الاستقامة أو الانحراف كأنه سيد الجوارح كلها، كما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله r: إذا أصيح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، وتقول: اتَّقِ الله فِينَا، فإنَّما نحن بِك؛ فإن اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وإن اعْوَجَجْت اعْوَجَجْنَا (٥).

يقول الإمام الغزالي: «المعنى في ذلك: أن نطق اللسان يؤثِّر في أعضاء الإنسان بالتوفيق والخذلان، فاللسان أشدُّ الأعضاء جماحًا وطغيانًا، وأكثرها فسادًا وعُدوانًا، ويؤكّد هذا المعنى قول مالك بن دينارٍ: إذا رأيت قسوةً في قلبك، ووهنًا في بدنك, وحرمانًا في رزقك, فاعلم أنَّك تكلَّمت فيما لا يعنيكَ» (٦).

فكلما تذكر الإنسان أهمية الاستقامة انتبه للسانه، وألجمه حتى لا ينطق إلا بما يفيد.

٧- عدم نقل الحديث:

ومن الأمور المهمة في حفظ الجوارح التثبت، والتأكد، وعدم التعجل في نقل ما نسمع من أحاديث الآخرين، خاصة إذا كانت تطعن في أعراض البعض، وتتهمهم بما يسيء إلى استقامتهم، إذ يقول الرسول r: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا: أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (٧).

٨ - التعوذ:

هو طلب العون من الله تعالى واللجوء إليه للنجاة من شرور جوارحنا، وما تسببه لنا من المعاصي والآثام، لذلك كان الرسول ّ يكثر من التعوذ بالله من جوارحه، ويعلمنا أن نفعل ذلك، إذ يروي الإمام الترمذي عن شَكَل بن حُمَيْدٍ رضي الله عنه؛ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ r فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ عَلِّمْنِي تَعَوُّذًا أَتَعَوَّذُ بِهِ، قَالَ: فَأَخَذَ بِكَتِفِي فقَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي، وَمِنْ شَرِّ بَصَرِي، وَمِنْ شَرِّ لِسَانِي، وَمِنْ شَرِّ قَلْبِي، وَمِنْ شَرِّ مَنِيِّي» يعني: فرجه» (٨).

يقول الإمام القاري: «من شر سمعي: حتى لا أسمع ما تكرهه، ومن شر بصري: حتى لا أرى شيئاً لا ترضاه، ومن شر لساني: حتى لا أتكلم بما لا يعنيني، ومن شر قلبي: حتى لا أعتقد اعتقاداً فاسداً، ولا يكون فيه نحو حقد وحسد وتصميم فعل مذموم أبداً، ومن شر منيي: وهو أن يغلب عليه حتى يقع في الزنى أو في مقدماته» (٩).

٩ - الحياء:

هو الحاجز دون الإقدام على المعصية، والحياء من الحياة، فالذي لا يملك الحياء ميت يدب على الأرض، لذلك قال الرسول فيما رواه الإمام أحمد عن ابن مسعود: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت: (١٠).

فإذا انهدم هذا الحاجز فلا يستغرب أن يقوم الإنسان بكل ما يخطر على البال من محرم، لأنه لا يوجد ما يصده عن فعله.. ولهذا الأمر حثَّ النبي r صحابته الكرام على الحياء في أحاديث كثيرة حتى يستعينوا بذلك في حفظ جوارحهم، ولعل من أكثر الأحاديث تفصيلاً عن أهمية الحياء في حفظ الجوارح، ما رواه الإمام الترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله r: «استحيوا من الله حق الحياء»، قلنا: يا رسول الله إنا نستحيى والحمد لله، قال: «ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء، أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك، فقد استحيا من الله حق الحياء» (١١).

قال الإمام الطيبي: «جعل الرأس وعاء وظرفاً لكل ما لا ينبغي من رذائل الأخلاق، كالفم والعين والأذن وما يتصل بها، وأمر أن يصونها، كأنه قيل كف عنك لسانك فلا تنطق به إلا خيراً، ولم يصرح بذكر اللسان بشمل ما يتعلق بالفم من أكل الحرام والشبهات، وكأنه قيل: وسد سمعك أيضاً عن الإصغاء إلى ما لا يعنيك من الأباطيل والشواغل، واغضض عينيك عن المحرمات والشبهات، ولا تمدن عينيك إلى ما تمتع به الكفار من زهرة الدنيا، وهنا نكتة، وهي عطف ما وعى على الرأس، فحفظ الرأس مجملاً عبارة عن التنزه عن الشرك، فلا يضع رأسه لغير الله ساجداً، ولا يرفعه تكبراً على عباد الله، وجعل البطن قطبا يدور على سرية الأعضاء من القلب والفرج، واليدين والرجلين، وفي عطف «وما حوى» على «البطن» إشارة إلى حفظه من الحرام، والاحتراز من أن يملأ من المباح» (١٢).

عندما تتحقق المعادلة:

إن حفظ هذه الجوارح يستغرق العمر كله، وهو ترجمة لمعنى الاستقامة على الصراط المستقيم، وعندما يتحقق شطر هذه المعادلة «مَنْ يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه..» يستحق المرء بعد ذلك، وبرحمة من الله وفضل سلعة الله الغالية وهي الجنة التي يضمنها النبي r لمن حفظ جوارحه.

ومن قام بحفظ جوارحه استقام له قلبه، يقول الواعظ الزاهد أبو علي أحمد بن عاصم الأنطاكي: «إذا أردت صلاح قلبك، فاستعن عليه بحفظ جوارحك» (١٣) 

الهوامش

(١) رواه البخاري ١١/ ٢٦٦.

(٢) رواه مالك وصححه الألباني (ص.ج.ص ١٦١٩).

(٤,٣) فيض القدير ٢/ ٣٢١.

(٥) رواه أحمد 3/96، وحسنه الألباني (ص.ج.ص ٣٥١).

(٦) فيض القدير ١/ ٢٨٧.

(٧) رواه مسلم: ٥ في المقدمة.

(٨) رواه الترمذي ٣٤١٤ في الدعوات، وصححه الألباني ص.ج.ص٤٣٩٩

(٩) مرقاة المصابيح: ٣٢٨:٥.

(١٠) رواه أحمد، وصححه الألباني (ص.ج.ص ٢٢٣٠).

(١١) رواه الترمذي في صفة القيامة (٢٣٨٢). وحسنه الألباني (ص.ج. ص ٩٣٥)

(١٢) فيض القدير ١/ ٤٨٨.

(١٣) البداية والنهاية 10/3180

القرآن الكريم ومعالجة الالتباس في حقوق الانسان

احتل جانب التعامل مع الآخرين في الإسلام منزلة عظيمة لا تعلوها منزلة، وعلت حقوق الإنسان في القران إلى درجة لا تضاهيها درجة، فلا القانون الدولي، ولا دستور الأمم المتحدة يستطيع أن يصون هذه الحقوق كما هو الحال في قوانين الإسلام، وتعاليمه.

ومن المؤسف أنه غالباً ما يلتبس الأمر على بعض المسلمين، فلا يزن قضية التعامل مع الآخرين، وحقوقهم بميزان الإسلام، فكل يضعها في محور اجتهاده الخاص حسب ظروف الزمان، والمكان، ومن هنا يبدأ الهبوط في مستوى التعامل عن المنزلة المطلوبة في الإسلام، ويكفينا زيارة واحدة إلى محكمة الأحوال الشخصية في أي بلد عربي أو بلد إسلامي لنقيس مقدار مستوى الهبوط الذي وصلنا إليه في مسائل التعامل والحقوق!

ولو تتبعنا الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة لوجدنا المبادئ التي نتحدث عنها متجلية تسطع بنورها الأخاذ لتسير بالبشرية في طريق الارتقاء والسمو حتى إن الله سبحانه وتعالى ربط هذه القضايا بالثواب والعقاب الأخروي، بل وأنزل عذاب الاستئصال لبعض الأمم السابقة حينما تخلت عن هذه المبادئ.

وابتداء أبرز الله سبحانه وتعالى مكانة الإنسان الحقيقية في دين الإسلام بغض النظر عن لونه أو جنسه، أو لغته. فيقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: ٧٠) فالتكريم هنا جاء للإنسانية جمعاء دون استثناه.

كما يقول الله تعالى أيضاً: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ (البقرة: ٣٤) وأي تكريم من الله للإنسان بعد هذا، وأي احترام، وتقدير، أراد الله سبحانه وتعالى أن يظهر به الإنسان، فإذا كان تكريم الله سبحانه وتعالى للإنسان على هذا المستوى، فما الذي يجب أن يكون عليه الحال بين الناس أنفسهم؟

وحتى نبرز هذا الأمر أكثر فلنا عبرة عظيمة في قصة سيدنا شعيب مع قومه كما يرويها القرآن الكريم، يقول الله سبحانه وتعالى على لسانه: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ (هود:85).

ففي هذه الآية يخاطب سيدنا شعيب عليه السلام قومه: «قوم سيدنا شعيب هم أهل مدين وكانت بلادهم تقع في الطريق من الحجاز إلى الشام» مطالباً إياهم بأن يلتزموا القسط والعدل في مكاييلهم، وموازينهم عندما يتعاملون في تجارتهم مع الآخرين وهم كانوا على غير ذلك.

وإدراكاً من النبي المرسل لعظم هذا الأمر الذي يعد ظلماً فاحشاً في حق الإنسانية، وهذا ما تؤكده كلمة الناس في الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ (هود: ٦٥)، لذلك صاح في وجههم أن يكفوا عن ذلك وأن يعودوا للالتزام بتعاليم الله القاضية باحترام حقوق الإنسانية، وعدم انتقاصها، والتلاعب فيها.

إن بخس الناس أشياءهم في نظر الإسلام لا يتمثل في الحقوق المادية فقط بل ويتعداها إلى الحقوق المعنوية وهذه عين الكرامة التي أرادها لله سبحانه وتعالى للإنسان، وهذا ما يذكره الكثير من تفاسير القران الكريم.

فماذا كانِ جواب القوم: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾ (هود:91).

لقد أنكر القوم على رسول الله ما يقول وعادوا إلى بخس الناس أشياءهم، وإلى انتقاص حقوق الإنسان التي أراد الله سبحانه وتعالى لها أن تكون في ميزانها الصحيح، وهم غير أبهين بعذاب الله فماذا كان مصيرهم؟

قال تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (هود:67) هكذا كانت النهاية المأساوية لمن يستحقها، بل وكان عذاب الله عليهم نوعاً من الذل والمهانة، وهذا ما تشير إليه كلمة «جاثمين» في الآية الكريمة أي: منكبين على وجوههم صاغرين.

يلخص سيد قطب - رحمه الله - في ظلال القرآن الحقيقة التي أراد القرآن الكريم إبرازها إذ يقول: «ويخس الناس أشياءهم فوق أنه ظلم يشيع في نفوس الناس مشاعر سيئة من الألم أو الحقد أو اليأس من العدل، والخير، وحسن التقدير، وكلها مشاعر تفسد جو الحياة، والتعامل، والروابط الاجتماعية، والنفوس، والضمائر، ولا تبقي على شيء صالح في الحياة».

إن المتأمل في أوضاع الناس اليوم ليسهل عليه أن يدرك أن قضية التطفيف في الميزان والتلاعب فيه قد أصبحت من الأمور العادية البسيطة المتعارف عليها، أما ما عداها فهو أمر وأعظم، فاليوم تباد شعوب وتزهق أرواح في مختلف بقاع الأرض لمجرد مطامع شخصية أو مطامع دولة وكل ذلك تحت مظلة ما يسمى: «الشرعية الدولية».

إن لمعاني حقوق الآخرين، والتعامل معهم في الإسلام شفافية تدل على عظمة الرسالة الربانية التي أراد الله سبحانه وتعالى أن تصل معانيها، واضحة جلية إلى البشر جميعاً.

فكيف لا تقوم بعد ذلك، في ظل تطبيق سليم لمثل هذه المعاني، حضارة إسلامية شامخة تكون منارة هداية للناس أجمعين كما قامت في عصر الرسول وصحابته الكرام، والتابعين، ومن تليهم بإحسان وكيف لا تزول هذه المنارة، وتتحطم لبناتها لبنة لبنة في عصرنا الحالي، وقد تخلينا عن الامتثال، لأوامر الله وتعاليم الرسول.

إن هذه التعاليم والومضات السلوكية ما هي إلا كجدول يسير ماؤه في اراض متشعبة ليصب في النهاية في حقل الدعوة إلى الله لا ينبت إلا خيراً، فهل نكون على قدر المسؤولية؟

مهيوب خضر محمود - إسلام أباد - باكستان

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

118

الثلاثاء 07-أبريل-1970

الوحدة وصلاة الجماعة في المدارس

نشر في العدد 98

136

الثلاثاء 02-مايو-1972

بريد القراء (98)

نشر في العدد 59

138

الثلاثاء 11-مايو-1971

حوار مع الشيطان