العنوان تأملات في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم (1)
الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 12-يناير-2008
مشاهدات 76
نشر في العدد 1784
نشر في الصفحة 50
السبت 12-يناير-2008
بشائر النصر في عبير الذكرى
في هذه الأيام الطيبة هلت علينا نسائم الهجرة النبوية المباركة تحمل معها أريج النصر لدين الله سبحانه، وتعيد ذكرى قيام هذا الدين الخالد، وميلاد تلك الأمة العظيمة خير أمة أخرجت للناس، نراها مع تتبع مراحل الدعوة النبوية وهي تنمو وتترعرع كالصبي الصغير الذي يحبو حينًا ويتعثر آخر، حتى استوى على عوده وما زاده تعثره إلا قوة في بنيته وخبرة بما يعترض ساحته، وعزمًا وتصميمًا على الوصول إلى غايته، فاشتد فنهض وقام.
وقد بدأت هذه الأمة المباركة بنبي الله -صلى الله عليه وسلم- له وحده ومن حوله قلة من المؤمنين الصادقين المخلصين، فكانوا بحق خير نواة لأعظم أمة، وخير دليل على الله -عز وجل- وخير من دعا لهذا الدين، ومع تجدد ذكرى الهجرة ومجيئها كل عام يتجدد الأمل في قلوب المسلمين في شتى بقاع الأرض؛ إذ يجمعهم الانتساب لهذه الأمة التي كتب الله لها الخلود والبقاء؛ لأنها حاملة الدين الخاتم، ووعاء الرسالة العامة، وتستبشر مع حلول الذكرى تلك النفوس المكلومة والمجروحة من جسد أمتنا الواحد، وتشتاق إلى نصر الله المؤزر، ذلك النصر الذي يعيد لها ما غم عنها من سالف ماضيها المشرق، إنها متلهفة لرؤيته موقنة بمجيئه وتحققه ولو بعد حين؛ لذا فهي تبغي من ربها نصرًا عامًا بكل معانيه.
النصر العظيم:
إنها تتطلع للنصر على أعدائها من كل جنس ولون بعد أن اغتصبت أراضيها، وانتهكت فيها الحرمات بعد أن سالت في طرقها الدماء واستبيحت الأعراض، بعد أن سرق العدل وغيب الميزان، فانتشر الظلم وانتهبت الخيرات، نصرًا على المؤامرات التي تحاك ضدها، نصرًا على التحديات والمعوقات والحدود والحواجز، نصرًا على الفرقة والاختلاف والتناحر والخصام على النفوس والأهواء والبغضاء والشحناء، على الفقر والجوع والجهل والأمراض، على الأثرة والأنانية وحب الذات، إنها تطلب نصرًا على اللذات المحرمة والشهوات المثبطة، نصرًا على الشيطان الرجيم وجنده وأتباعه من شياطين الإنس والجن، فهي تبغي من ربها ذلك النصر العظيم الذي يعيد الأمور إلى نصابها، ويرجع إليها مكانتها وعزتها المستمدة من دين ربها، ويفسد على أعدائها مخططاتهم الخبيثة للإيقاع بها في فخاخهم المبثوثة هنا وهناك، فهل تنهض أمتنا من كبوتها لتصبح أشد وأقوى، وتصير أصح وأعلى؟
لا تحزن إن الله معنا:
يقول -تعالى- مذكرًا نبينا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بذكرى الهجرة وما سبقها من أذى وتمحيص وما لحقها من نصر وتأييد: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (سورة الأنفال: 30). أي واذكر يا محمد "إذ يمكر بك الذين كفروا"، وقد اجتمعوا للمشاورة في شأنك بدار الندوة "ليثبتوك" يوثقوك ويحبسوك أو يقتلوك "كلهم قتلة رجل واحد"، أو "يخرجوك" من مكة، و"يمكرون"، بك و"يمكر الله" بهم بتدبير أمرك بأن أوحي إليك ما دبروه وأمرك بالخروج، و"الله خير الماكرين"، أعلمهم به.
الرحلة من البداية:
ومع الهجرة نعيش الرحلة من البداية وكأننا نعاصرها، فلقد مرت الرسالة المحمدية والدعوة الإسلامية بمراحل حالكة ومواطن بالغة الصعوبة؛ إذ أوذي صاحب الرسالة وهو أفضل الخليقة وخير البشر وأحبهم إلى الخالق العظيم، وافتري عليه ظلمًا وبهتانًا فقيل: ساحر وشاعر ومجنون -فداه نفسي وأبي وأمي -صلى الله عليه وسلم- وحيكت ضده المؤامرات، وعقدت من أجل القضاء عليه المؤتمرات، وما "دار الندوة" عن تدبيرهم ببعيد، لكنه صبر فأيده الله ونصره، وحسبك أن تقرأ قوله -تعالى- لتعرف ما نال نبيك في سبيل تبليغ دين الله لي ولك ولكل البشر؛ حتى تصبح فردًا من أفراده تحمل همه على عاتقك، وتسعى لتطبيقه ونشره مهما كلفك، ولك في هذا الرسول العظيم الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة؛ إذ كان له خير حامل حتى إنه اضطر إلى الهجرة فرارًا بدعوته تلك، وبحثًا عن أرض خصبة تصلح لزرعه ونمائه، وكان له بفضل الله ما أراد، قال -تعالى-: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (سورة التوبة: 40). قال ابن كثير: أي عام الهجرة لما هم المشركون بقتله أو حبسه أو نفيه فخرج منهم هاربًا، صحبه صديقه وصاحبه أبو بكر بن أبي قحافة- رضي الله عنه-.
وبهذا أخرج النبي- صلى الله عليه وسلم- رغمًا عنه، أخرج من أحب البقاع إليه، تاركًا خلفه مراتع صباه وذكريات شبابه، ومخلفًا وراءه أهله وذويه وأحبابه، لكن ذلك كله لم يفت في عضده، بل زاده البلاء من الله قربًا وطهرًا، وأكسبه التمحيص قوة إيمان وصبرًا.
ألا إن نصر الله قريب:
وحين يرى النبي- صلى الله عليه وسلم- من بعض أصحابه وهنًا وضعفًا تتنزل عليه الآيات من الله تترًا، تحمل معها دلائل البشرى لمن صبر مع حصول الفتنة وصدق بعد حلول البلوي: ﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (سورة العنكبوت: 1 – 3). وتبين الآيات أن ذلك الابتلاء -وإن اختلفت أشكاله وتنوعت أسبابه إلا أنه- باب للنصر، وسبيل للرضا، ورصيد من الأجر، وطريق للجنة، فقد «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات» (مسلم). فيقول -تعالى- لافتًا الأنظار لذلك: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (سورة البقرة: 214). أي: "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة" قبل أن تبتلوا وتختبروا وتمتحنوا كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم، ولهذا قال: "ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء" وهي الأمراض والأسقام والآلآم والمصائب والنوائب، وزلزلوا؛ خوفوا من الأعداء زلزالًا شديدًا، وامتحنوا امتحانًا عظيمًا، كما جاء في الحديث الصحيح عن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- مرة قال: قلنا يا رسول الله: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه»، ثم قال: «والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون».
الداعية الأعظم والنبي القدوة:
وهذه سنة الله في خلقه، إنها سنة الابتلاء والتمحيص، سنة البأساء والضراء؛ إذ يتردد الناس عامة وأهل الإسلام خاصة بين ساعات من الصحة والعافية، ومن القوة والضعف، والوهن والشدة، لكن الأسوة الحسنة لنا -معشر المسلمين- جميعًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد مرت عليه هو أيضًا في دعوته تلك الحال، كما أن طريق الدعوة شاق وطويل يستغرق عمر الإنسان كله ولا ينتهي، ولا بد من سلوكه كما سلكه الداعية الأعظم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكم في الهجرة من دروس وعبر أكثر من أن تحصى نرى فيها بريق الأمل، ويتسلل من ثناياها بصيص النور تطل معه بوادر النصر وإشراقاته.
التاريخ يعيد نفسه:
فلئن أخرج بعضنا من دياره بالاحتلال والاضطهاد وغيرهما من أسباب الخروج فقد أخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحبه الكرام ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (سورة الحج: 40) عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق؛ يعني محمدًا وأصحابه، إلا أن يقولوا ربنا الله، أي ما كان لهم إلى قومهم إساءة، ولا كان لهم ذنب إلا أنهم وحدوا الله وعبدوه لا شريك له.
إنهم أخرجوا وأوذوا فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، فكان الفتح المبين، وعادوا إلى ديارهم فاتحين منتصرين.
ولئن كان جزاء إخواننا الذين يطالبون بأرضهم وبيوتهم ووطنهم الحبس في سجون المحتلين الغاشمين، ولئن أودع البعض الآخر وحبس في غياهب السجون بعيدًا عن أوطانهم، وألقوا وغيبوا فيها دون محاكمة أو تحقيق بحجة مكافحة الإرهاب، وهم من يمارس معهم الإرهاب بعينه بكل صوره القبيحة، متمثلًا في التفنن في تعذيبهم، وانتزاع الاعترافات والكلمات منهم تحت وطأته، وتلفيق الاتهامات الظالمة لهم بلا دليل أو بينة، وتركوا كسقط المتاع في ظلمة السجن التي اختلطت بظلمات الظلم وقسوة السجان كما نرى ونسمع في وسائل الإعلام، وما تطالعنا به من صور، وما خفي فهو أعظم، فلأن حدث ذلك لهم فقد سجن إخوانهم من المسلمين الأوائل بأيدي المشركين، بل وبأيدي أهليهم وذويهم من غير المؤمنين، وحرموا الطعام والشراب: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (سورة البروج: 8)، فصبروا وثبتوا؛ ففك الله أسرهم، وجعل العاقبة لهم.
ولئن مرت الأمة وأبناؤها بمزيد من الأذى ممن يمكرون بها ويسيئون لنبيها الكريم، ويلومون نسبها العظيم (الإسلام) ويحاولون تشويه صورته النقية، وطمس معالمه والهوية، فقد وجد هؤلاء في كل عصر ووقت، بل ووجد من ادعى النبوة بعد ختامها، وتلك سنة الله إلى قيام الساعة: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (سورة البقرة: 251). فالصبر الصبر، والثبات الثبات، والجد الجد، والعمل العمل، ليتحقق النصر كما قال -تعالى-: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (سورة الحج: 40).
وإذا ما ادلهمت بك الخطوب، وكثرت من حولك المحن، وإذا ما اشتد أمامك الكرب، وضاقت عليك السبل، فأبشر بالفرج كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا» (الترمذي).
المرجع:
تفسير الجلالين، تفسير ابن كثير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل