العنوان الابتكار.. طعم آخر للحياة.. الرسول القائد.. مبتكراً
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2007
مشاهدات 69
نشر في العدد 1748
نشر في الصفحة 59
السبت 21-أبريل-2007
تناولنا في الحلقة السابقة.. الابتكار في وسائل الإيضاح عند النبي وذكرنا من ذلك... وسائل الإيضاح البعيدة المنال، وتستكمل في هذه الحلقة بقية هذه الوسائل.
الترهيب من الغيبة
إنه يبني مجتمعاً صادقاً متماسكاً بين لبناته، والغيبة خيانة، وتضعضع لبنات هذا المجتمع، فيريد الترهيب والتنفير من هذا الخلق السين، فيلجأ إلى أسلوب مبتكر، وذلك عندما اغتابت السيدة عائشة سيدتنا صفية رضي الله عنهما كما روت الأولى قلت للنبي، حسبك من صفية كذا وكذا، تعني قصيرة فقال لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته (۱) وهذا الأسلوب هو تضخيم الذنب الصغير ليبدو في عين المذنب عظيماً.
وإن المرء فعلا ليعجب من فطنة النبي باستخدام هذا المثل، فمياه البحر تغطي ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، فما مقدار كلمة (قصيرة) أمام مليارات الأطنان من المياه في البحار والمحيطات؟ إنها عظمة استخدام أساليب التنفير من الذنب التي استخدمها الرسول القائد.
التربية على الزهد في الدنيا
وقريب من مثال البحر للتنفير من معصية الغيبة يستخدم الرسول صلى الله عليه وسلم مرة أخرى وسيلة البحر للتربية على الزهد في دنيانا فيقول والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل أن يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم.. فلينظر بم يرجع (۲)، هكذا يصور الرسول صلى الله عليه وسلم الدنيا بما يرجعه الأصبع إذا وضعه في اليم، فماذا يرجع أكثر من قطرة أو قطرات ما تلبث أن تعود ثانية إلى اليم، فلا يبقى شيء بالإصبع؟
ويستخدم وسيلة أخرى منتشرة بين الناس وهي البعوضة، فيقول.. لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافراً منها شرية ماء (٣)
ولعل البعض يتصور الدنيا بملذاتها ومغرياتها كبيرة وخالدة، فيأتي هذا التشبيه المبتكر ليجمعها فتصغر هذه الصورة في خيال ذلك الهائم في خضم هذه الدنيا، وتصغر وتصغر وتصغر حتى تكون كجناح بعوضة، فعندما يصل به الخيال والقدرة على تصور الدنيا بهذا الحجم، فيقول له الرسول صلى الله عليه وسلم إنها لا تعدل عند الله حتى ذلك الحجم فلماذا التقاتل عليها والغفلة عن الهدف من الخلق بسببها؟
الإكثار من الأعمال الصالحة
ويحرص النبي على تربية الصحابة الكرام. ومن بعدهم على الإكثار من الأعمال الصالحة والاقتداء بالصالحين ليقرب إليهم قيمة المعرضين عن الالتزام بالدين، فيقول.. يذهب الصالحون الأول فالأول، وتبقى حثالة كحثالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله بالة. (4)
قال الداوودي الحثالة ما يسقط من الشعير عند الغربلة، ويبقى من التمر بعد الأكل (٥). وقال الخطابي، ألا يباليهم الله بالة، أي لا يرفع لهم قدراً، ولا يقيم لهم وزناً (٦).
الاهتمام بالوقت
لقد حرم الإسلام أكل الخنزير وكل ما يتصل به، ولذلك فإن المسلمين بشكل عام يكرهون الخنزير، بل لا يطيقون رؤيته، فيستغل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك، ويبتكر وسيلة تقريبه لتنغيرهم من إضاعة الأوقات بما لا يرجع بهم شيئاً من الأجر، فيقول. من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزیر ودمه (۷)
قال الإمام القرطبي، قوله، فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه.. هذا كناية عن تذكيته وتذكيته حرام، فالحديث يدل على تحريم اللعب. وقال القاضي عياض، معنى صبغ يده في لحم خنزير ودمه.. أي في حال أكله منه. فقد شبه اللعب في تحريمه بتحريم أكله. (۸)، فبمجرد سماع هذا التشبيه فإن المسلم ينفر من هذا اللون من اللعب أشد النفور
التربية على تجنب الفتن
إنه يعيش في بيئة تكثر فيها زراعة النخيل، ومن النخيل يأخذون السعف ليصنعوا منه الحصر فهم يرونها ويصنعونها بأيديهم، من هنا تتبدى عظمة المبتكر باختبار وسيلة الإيضاح.. من قلب البيئة القريبة الملموسة لتكون أشد وقعاً على السامع من أمر يجهله، أو لم يره من قبل خاصة إذا تعلق الأمر بقضية عظمى مثل، تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً الحديث (9)
قال الإمام محمد السنوسي: المعني كما ينسج الحصير عوداً عوداً لأن ناسح الحصير عند العرب كلما صنع عوداً أخذ آخر ونسجه، فشبه عرض الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير على صانعها واحداً بعد واحد (۱۰).
التربية على تحسين الخلق
ومن ابتكاره في وسائل الإيضاح اختياره أجمل الأشجار في الجزيرة، والتي يعشقها العربي ليشبهها بالمسلم، تحفيزاً للسامع على التمسك بالخلق الحسن فيقول.. إن في الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي؟، فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله بن عمر، فوقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت ثم قالوا حدثنا يا رسول الله قال هي النخلة. (۱۱)
قال الإمام ابن حجر العسقلاني، ضرب الأمثال والأشباه لزيادة الأفهام، وتصوير المعاني لترسخ في الذهن، ولتحديد الفكر في النظر في حكم الحادثة (١٢).
الهوامش
(۱) رواه أبو داود وصححه الألباني (ص ج من ٥١٤٠).
(۲) رواه مسلم (۲۸۵۸)
(3) أخرجه الترمذي (۲۲۲۱) وصححه الألباني (ص ج
م (٥٢٩٢)
(4) البخاري - فتح الباري ٦٤٣٤
(5و ٦) فتح الباري ٢٥٢/١
(۷) رواه مسلم (٢٢٦٠) عن بريدة.
(۸) مكمل إكمال الكمال شرح مسلم ٦٧/٦
(9) رواه مسلم (۱٤۱) وله تكملة.
(۱۰) مكمل إكمال الكمال (٢٥١/١)
(۱۱) رواه البخاري - الفتح (٦١).
(۱۲) فتح الباري ١٤٧/١ - السلفية