العنوان معارضو العرب ومعارضو اليهود ليسوا سواء
الكاتب عزام التميمي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-1995
مشاهدات 55
نشر في العدد 1172
نشر في الصفحة 39
الثلاثاء 24-أكتوبر-1995
على نسق التصنيف المتعارف عليه في علم الحيوان - وهو تصنيف قائم على ما يشبه القبول التَّام بصحة نظرية داروين حول النشأة والارتقاء - حيث الإنسان والقرد أبناء عمومة، والإنسان والدودة ينحدران من أصول عرقية واحدة، يخرج علينا منظِّرو عملية «السلام» في الشرق الأوسط بتصنيفات تساوي بين المعتدي والمعتدى عليه بين اللص وصاحب الدار، وتضع في نفس الخندق المناضلين من أجل استعادة حق مسلوب مع المجرمين السالبين لهذا الحق والممارسين في سبيل استمرار مصادرته كل وسائل العنف والخداع والإجرام.
سواء طالع المرء صحيفة «الهيرالد تريبيون» أو «مجلة نيوزويك». أو صحيفة «الحياة»، وجد تبنيًا عامًّا لهذا التصنيف الجديد، فعرفات ورابين في معسكر، واللوكيديون من العرب واليهود الرافضين لعملية السلام في معسكر، والفريق الأول يمثل في زعم المتبنِّين لهذا التصنيف أغلبيَّة، بينما الفريق الثاني أقليَّة لا تمثل إلا نفسها «انظر عيون وآذان الحياة 5/10/1995، ومجلة نيوزويك ص 14 - 15 عدد 9/ 10/ 1995م»، ما من شكٍّ في أن الهزَّات الزلزالية التي تتابعت بعد مدريد، والتي أنت على كل ثابت، ونالت من كل قيمة، وبترت الحاضر بترًا تشويهيًّا عن الماضي، بحاجة إلى من ينبري لتلطيف آثارها، تبريرًا وتمويهًا وتطبيعًا، وقد تمحور هذا الجهد المتواصل من قبل أنصار «السلام» حول أمرين أساسيين:
أولًا: إقناع جمهور القراء سواء كانوا عربًا أو عجمًا بأن أنصار السلام يمثلون الأغلبية العظمى.
ثانيًا: ترسيخ فكرة أن حماس والجهاد الإسلامي ومن في معسكرهم العربي من رافضين «للسلام» هم حلفاء لنتنياهو وكل من خلفه من أنصار الليكود ومتطرفي اليهود.
لربما أمكن الزعم بأن من يرغبون في «السلام» من اليهود يمثلون الأغلبية داخل مجتمعهم، بدليل أن الكيان اليهودي في فلسطين يحكمه نظام ديمقراطي، يُعطي اليهود فرصة للتعبير عن أرائهم بحرية، ويمنحهم حقًّا في اختيار من يمثل مصالحهم محليًّا وفي المحافل الدولية، أما أن يزعم الشيء نفسه عن الطرف العربي، سواء كان ذلك في مصر، أو بين الفلسطينيين أو بين سواهم ممن جرفه طوفان «السلام» اليهودي، فإن ذلك أشبه بمحاولة إقناع عاقل ذي عينين بأن بدر المساء هو شمس نهار وضَّاء، فمن أين اكتسب زعماء العرب ممن قرروا التفاوض مع اليهود الشرعية؟ ومن الذي خوَّلهم خوض غمار هذا المستنقع نيابة عن شعوبهم التي لا يسمح له بأقل القليل من حريات التعبير والاختيار؟ ومن الذي خوَّل السيد ياسر عرفات أن يقرر هو وقلة قليلة معه أن يفعل ما يريد بحجة أنه الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني؟ ومن أين له شرعية الخروج عن مقررات المجلس الوطني الفلسطيني ومختلف مؤسسات منظمة التحرير وحركة فتح المرة تلو المرة؟ قد يجادل البعض بأن عرفات والأقلية «النضالية» من حوله تعي ما لا يعيه الآخرون، وتدري بمصلحة الأمة أكثر من غيرها، وسواء رفضنا هذا المنطق أم قبلناه، فهذا أمر يختلف عن الادعاء بأنه ومن معه يمثلون الأغلبية، وللقارئ أن يطبق ذلك على كل زعيم دولة عربية منح نفسه والنخبة من حوله حق تمثيل الأمة دون أن يكون للأمة رأي في ذلك، ولا يجادل أحد في أن نظامًا عربيًّا واحدًا من الأنظمة التي تسرع الخُطى للتطبيع وإضفاء الشرعية على كيان اليهود لا تجرؤ على السماح لشعوبها بهامش من الحرية يكافئ عشر ما يسمح به كيان اليهود العصابات المستوطنين والغزاة الصهاينة.
أما مساواة حماس والجهاد الإسلامي بالمتطرفين من اليهود الرافضين لعملية السلام سواء جزئيًّا أو كليًّا، فهو أمر يناقض المنطق والواقع، ولا يمكن أن يفسر إلا على أنه محاولة للتمويه وتزييف الواقع بعد بتره تمامًا عن الماضي القريب والبعيد، نَسِيَ المناضلون السابقون ونَسِيَ مؤازروهم من أصحاب الأقلام الموهوبة كيف ولماذا نشأ كيان اليهود في فلسطين، وغاب عن بالهم أو غيبوه هم عن واقعهم، أن الأمر لا يتعلق بمجرد نزاع على أرض أو تنافس على مسجد أو معبد، بل هو جزء من هجمة استعمارية غربية لم تتوقف حتى الساعة، وما «إسرائيل» إلا مرحلة من مراحلها أو أداة من أدواتها.
ثم بأيِّ حق يساوي بين الفلسطيني الذي يصر على متابعة الكفاح حتى يسترد حقوقه. والتي بات يعي بأن مشاريع السلام المطروحة لا قبل لها باسترداد شيء منها - وبين مستوطن تسلل بليل إلى أرض لا يملكها، ودار لا حق له في أن تطأها قدماه دون إذن أصحابها ليدعي بأنها أعطية السماء له لمجرد أنه يهودي؟
وكيف تجوز المساواة بين ملايين الفلسطينيين المشتتين عدوانًا وظلمًا في أنحاء الأرض - ومعظمهم ما زال مرابطًا في مخيمات اللاجئين في لبنان والأردن وسوريا، وغزة والضفة الغربية- وقطعان من البشر المستورد من روسيا وأوروبا الشرقية، وأمريكا لمجرد ادعاء النسبة إلى اليهودية اعتناقًا أو مصاهرة، يتمتعون بحق الاستيطان في أراضي ومنازل أولئك المشردين؟
إن منطق المساواة بين المتطرفين اليهود والمناضلين من أبناء فلسطين - الذين خذلهم إخوانهم ورفاق دربهم، أولئك الذين أرهقهم درب الكفاح ولم يكتفوا بالتنحي جانبًا، وليتهم فعلوه لكان أشرف وأكرم لهم، بل قبلوا بالدنية في سبيل الاحتفاظ بألقاب ومناصب مفرغة من كل معنى ومجردة من كل كرامة - هذه المساواة يقصد منها تبرير فعل شنيع ستذكر الأجيال القادمة أصحابه، كما يذكر لنا تاريخنا أبا رغال، ويقصد منه إضفاء نوع من المروءة على فعل تنحَّت المروءة عنه ترفعًا وتطهرًا.
أما لو أن الذين ساروا في خط التفاوض مع اليهود، وكل الذين يؤيدونهم في ذلك المختلف النوايا والأسباب، كانوا من النزاهة بحيث أقروا بأنهم اختاروا هذا السبيل لضعفهم، أو لقوة خصمهم، أو لمصالح يرجون تحقيقها، لكان أفضل وأشرف من أن يخرجوا على الدنيا بتبريرات يعلم الطير المحلق في الأجواء والحوت السابح في أعماق المحيطات زيفها وبطلان منطقها، وكم هو البون شاسع بين أن أقرَّ بضعفي وقلة حيلتي وبين أن أزيف الواقع وأطمس التاريخ سعيًا لتبرير خطيئتي.
قد تتمكن عملية السلام في ظل الضعف العربي وبفضل ما تتلقاه من دعم عالمي - في ظل نظام دولي جائر غاشم، من تمرير الحلول المطروحة مهما كانت مرة المذاق، وقد تتمكن من إضعاف معسكر المناضلين الرافضين لمشروع إضفاء الشرعية على الاحتلال وعلى الكيان المصطنع لليهود، ولكن كل ذلك إلى حين، فالأمة ستظل بأغلبيتها رافضة لما يُفرض عليها، تستلهم من آيات سورة الإسراء استقراء المستقبل، وتستلهم من التاريخ الدروس والعبر، ففي سجل التاريخ نماذج ناطقة بمصير من تخلوا وبدلوا ومآل من صدقوا الله ما وعدوه، فلم يبدلوا ولم يغيروا، وحالما تتغير موازين القوة أو تحل القيود التي غلت بها الإرادات فسينقشع السراب.