العنوان من إعجاز القرآن
الكاتب محمد يحي سالم
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مايو-1979
مشاهدات 102
نشر في العدد 443
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 01-مايو-1979
الحديث عن إعجاز القرآن معين لا ينضب. وقد ألفت في هذا الموضوع كتب عديدة ومقالات كثيرة. فالقرآن الذي أنزل على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فنطق به، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، مخبرًا عن الأولين والآخرين، وواضعًا أحسن النظم لبني الإنسان، إنما هو إعجاز إلهي ودليل قاطع على صدق النبوة. وموضوعنا في الإعجاز القرآني ينحصر في كيفية ثبات القرآن الكريم على مر العصور دون تبديل أو تغيير.
لما كان الله تعالى قد كلف عباده بالمحافظة على كتبهم السماوية السابقة للقرآن.. فتركوها وبدلوا وغيروا، ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ (المائدة: 13)، وحرفوا الكثير عن موضعه، فإن الله تعهد بالمحافظة على القرآن الكريم بنفسه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).
والقرآن معجزة بنصه وقراءته، ولا بد أن يبقى النص كما هو وإلا ضاع الإعجاز، والمراد هنا إظهار إرادة الله تعالى للمحافظة على القرآن. ونحن لا ندرك ولا يمكن لبشر أن يدرك الأسرار الإلهية.. فليس بالإمكان إذن حصر الأسباب التي بها يحافظ الله تعالى على القرآن الكريم.. إنما ندرك يقينًا أن إرادة الله فوق كل إرادة بشرية وغير بشرية، لذلك فمن المسلم به يقينًا ومنطقيًّا أن إرادة الله هذه تتحقق دائمًا وتحافظ على القرآن من أي زيادة، أو نقصان، أو تغيير، أو تبديل إلى الأبد.
ومع أننا لا يمكن أن نحصر الأسباب؛ إلا أنه يمكن أن نعدد بعضها، دليلنا على ذلك البرهان العقلي والعلمي.
أ- الأسلوب اللغوي:
يضيق المجال هنا للحديث عن أسلوب القرآن، وقد ضاقت آلاف الكتب عن إعجاز القرآن.. ولأسلوب القرآن أثر نفسي يثير الوجدان ويهز القلب؛ وذلك للنغم الموسيقي والإيقاع الداخلي في الآيات، ولما في نظم الحروف والألفاظ وضمها بعضها إلى بعض من انسجام، فجاءت بسلاسة وعذوبة وتآلف دقيق بين المعنى واللفظ.
وأسلوب القرآن الكريم على ما فيه من بلاغة وبيان فهو أيضًا أسلوب علمي كامل، والأسلوب العلمي عادة يبدأ بتسمية الشيء ثم بالتعريف عنه وشرح خصائصه وصفاته.. اقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ، قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ﴾ (طه: 17، 18). والكلام فيه السلاسة اللغوية، والبلاغة في التعبير، والدقة العلمية في التعريف. واقرأ قوله تعالى: ﴿جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا، رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَٰنِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا...﴾ (النبأ: 36، 37) ما أروعه من قول يعرف فيه الله عن نفسه. ففي الآية الأولى وردت كلمة «ربك»، وفي الآية الثانية عرفها التعريف الدقيق: ﴿رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ فلم يترك من الكون شيئًا قط، ثم وصف نفسه بالرحمن، وكأنما يقول لنا: إن قدرته ورحمته وسعتا الكون کله.
وقد بهر القرآن العرب فصاحة وبلاغة، وهم أهلها، ودعاهم إلى الالتفات إليه، فعلقت به أفئدتهم وأسماعهم لما جاء به من جديد في أساليب التعبير والبيان، وبما جمع من كلام رائع وعلوم، وأخبار، وقصص وتشريع، وتحدى من عارضوه أن يأتوا بمثله فعجزوا، ثم زاد في التحدي لإظهار عجزهم: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ...﴾ (البقرة: 23).
ولما أيقن العرب أنه ليس بالإمكان مجاراة القرآن بالبلاغة والبيان، وأن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ينفرد في التعبير بطريقة خارجة عن العادة عندهم تفوق كل طريقة، صرفوا النظر عن معارضة القرآن بكلامهم، وقبول التحدي، والوقوف مع العجز دون الرد أشد عند العرب من قتل النفس والولد.
فهذا الأسلوب القرآني السهل الممتنع هو خط أحمر لا يمكن أن يدخل إلى حيزه كلام البشر، وهو بحد ذاته دليل قاطع على حفظ القرآن من أن يدخل إليه أي كلام غريب.
ب- توارد الحفظ:
سخر الله تعالى لهذا القرآن حفظة أمناء من كل قوم، وفي كل عصر فقل ما ترى بلدًا إسلاميًّا واحدًا إلا وتجد فيه من ينبري لحفظ القرآن عن ظهر قلب. وكان صلى الله عليه وسلم سيد الحفاظ وأولهم، وكان يجمع القرآن في قلبه، ويعرضه بدوره على الصحابة عرضًا رسميًّا، من أوله إلى آخره، وبالترتيب الذي هو عليه ليحفظوه ويستظهروه. ومما يزيد الطمأنينة في حفظ الرسول عليه السلام للقرآن أن الوحي -جبريل عليه السلام- كان يراجعه فيه مرة كل سنة من أوله إلى آخره بالترتيب الرسمي له. وكان حفاظ القرآن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحصون.
وقد توارد هذا الحفظ منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم حتى الآن، وإجماع حفاظ القرآن بالتوارد على مر العصور، وفي كل البلاد الإسلامية وعلى صيغة القرآن كما هو الآن، دليل قاطع على أن كتاب الله المجيد لم ينقص منه شيء ولم يتغير في نصه شيء قط.
والسؤال الذي يرد الآن: كيف يتسنى لآلاف الناس أن يحفظوا هذا الكتاب بكامله عن ظهر قلب؟ والتاريخ لم يتحدث قط عن أن إنسانًا ما قد حفظ التوراة أو الإنجيل، ولا يتحدث عن أن أي إنسان قد استطاع أن يحفظ مؤلفات كاملة لأديب أو شاعر، أو غيرهما، إذن فعملية الحفظ بحد ذاتها منوطة بإعجاز إلهي؛ إذ هي لا تختص عادة إلا بالأنبياء حتى يؤدوا رسالاتهم بأمانة، والله سبحانه وتعالى يقول مخاطبًا رسوله محمدًا عليه السلام: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ﴾ (الأعلى: 6). أما أن عامة الناس باستطاعتهم حفظ القرآن عن ظهر قلب، وهو كتاب شامل فيه أنباء وقصص للأولين والآخرين، وفيه التشريع الاقتصادي والتشريع الاجتماعي، والتشريع الحربي، وفيه علوم الفلك والطبيعة، وفيه قوانين للعبادات والمعاملات إلى غير ذلك، فإن هذا لدليل بين على أن القرآن الكريم أنزل بعناية إلهية فائقة، وفي هذا يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (القمر: 17).
جـ- الحاسب الإلكتروني:
جمع القرآن الكريم في عهدين: عهد النبوة، وعهد الخلفاء الراشدين، وكان لكل جمع خصائصه ومزاياه، وكان معنى جمع القرآن في عهد النبوة یعني أمرين معًا:
الأول: الجمع في الصدور عن طريق الحفظ والاستظهار.
الثاني: الجمع بالتدوين عن طريق الكتابة والنقش.
وقد تحدثنا فيما سبق عن حفظ القرآن واستظهاره من المسلمين أمانة، ومن القرآن كتابة، فقد للرسول صلى الله عليه وسلم کتاب الوحي، كلما نزل شيء من القرآن أمرهم بتدوينه. وكانت الكتابة إضافة إلى الحفظ والاستظهار زيادة في التوثيق والضبط، والاحتياط الشديد في كتاب الله، حتى تدعم الكتابة في السطور ما أودعه الله تعالى في الصدور. وكان أهم كتاب الوحي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفیان، والخلفاء الراشدون وغيرهم. وكانوا كتبوه على جريد النخل وعلى الحجارة ورقاع الجلد وغيرها من الوسائل البدائية التي كانت معروفة لديهم.
ولا يزال القرآن الكريم يجمع بنفس الطريقتين حتى يومنا هذا.. يحفظ في الصدور، ويطبع على الورق في المصاحف، كما جمع في عهد عثمان بن عفان.
وقد بلغ التقدم التقني في هذا القرن مرحلة متقدمة جدًّا من العلم لم يكن أسلافنا يتوقعونها، وبات الحاسب الإلكتروني من خصائص هذا العصر بالذات، ومن أهم الوسائل المستعملة للتدوين. أفلا يكون من الإعجاز أيضًا حفظ القرآن الكريم بواسطة الحاسب الإلكتروني في القرن العشرين؛ فإن بالإمكان تسجيل المصحف وتدوينه بواسطة الحاسب الإلكتروني بشكل يوثق به حيث لا ينقص منه شيء ولا يزيد فيه شيء.
والحقيقة أن الحاسب الإلكتروني يستعمل حاليًا لدراسات وبحوث في القرآن، والنتائج الأولى التي وصلت بهذا الخصوص أعطت تفسيرات إحصائية كثيرة لم يكن من السهولة الحصول عليها بدونه.
هذا يسير من كثير من إعجاز القرآن الكريم، وإعجازه لم يتوقف في عصر نزوله كما بينا، ولن يتوقف، وهو يعطي لكل جيل معجزة عقلية لم يعطها للأجيال السابقة، والله سبحانه وتعالى حين تولى الحفاظ عليه عبر عن الإرادة الإلهية التي لا يمكن أن تقهر. وسيبقى القرآن محفوظًا في الصدور، مدونًا في السطور دون تغيير أو تبديل حتى نهاية البشرية.
وإذا نظرنا إلى بعد المسلمين المتزايد عن تعاليم القرآن، وأن تطبيق هذه التعاليم يضعف كلما ازداد الزمن، أدركنا أن غفلتنا كمسلمين عن هذه التعاليم لا تتمشى مع ازدياد المحافظة على القرآن.
القرآن موجود في كل مكان يزين الصدور، وأرفف المكاتب، وفي السيارات وغيرها، حتى أن ألمانيا وإيطاليا واليابان تتسابق على إعطاء المصحف زخارف فنية وطباعات ملونة جميلة أنيقة.. إن هذا يدل بوضوح على أن الله تعالى هو الذي يحفظ القرآن، وهو الذي يسخر له من يعتني به.. وليس القائمين على المنهج الحنيف.