; المكتبة القرآنية.. "النبأ العظيم" للدكتور محمد عبد الله دراز | مجلة المجتمع

العنوان المكتبة القرآنية.. "النبأ العظيم" للدكتور محمد عبد الله دراز

الكاتب عبد القادر طاش التركستاني

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1976

مشاهدات 69

نشر في العدد 294

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 06-أبريل-1976

«حظي القرآن الكريم بدراسات متعددة، ومؤلفات متنوعة، وبحوث مستفيضة في شتى فنونه وعلومه، ومختلف مواضيعه وقضاياه، حتى غدت تلك الدراسات والمؤلفات تكوِّن «مكتبة قرآنية» رحبة الآماد، ممتدة الأطراف، حلوة الشمار. 

وقد اشتملت هذه المكتبة على كتب منها القديم، ومنها الحديث، منها ما يتعلق بعلوم القرآن كالتفسير والقراءات والتجويد، ومنها ما يتعلق بعلوم أخرى لها بالقرآن وثيق صلة كالفقه والأحكام، منها ما يتناول أسلوب القرآن البياني، ويستعرض وجوه إعجازه وبلاغته، ومنها ما يتخذ جانبًا معينًا من مواضيع الفكر، أو قضايا الحياة، أو اتجاهات الأدب والعلم؛ ليعرضه في ضوء القرآن وسوى ذلك من اتجاهات وسبل.

وهذه الصفحة من مجلة «المجتمع» تتناول- بجهد المقل واجتهاد الضعيف- بعض مؤلفات هذه المكتبة العامرة مع الحرص- قدر الطاقة- على انتخاب واختيار ما يمثل كل لون من تلك الألوان، وما يدل على كل اتجاه من تلك الاتجاهات التي سلكها المؤلفون حين غمسوا أقلامهم في بحر القرآن، وعسى أن نوفق لما فيه الخير» 

حين تذكر الدراسات القرآنية يلمع في الذهن اسم عالم فاضل كانت له في رحاب القرآن عدة مؤلفات اتسمت بعمق الفكر، وأصالة المنهج، وقوة الأسلوب وجماله، 

وهو الدكتور/ محمد عبد الله دراز، الذي ألف: التعريف بالقرآن، ودستور الأخلاق في القرآن، والمدخل لدراسة القرآن، والنبأ العظيم، وهي كتب نفيسة أضافت إلى المكتبة القرآنية رصيدًا ممتازًا من الدراسات الرصينة العميقة الهادفة. 

وكتابه «النبأ العظيم» طبع للمرة الثالثة في دار القلم الكويتية سنة ١٣٩٤هـ في ٢١٦ صفحة من القطع المتوسط، وهو عبارة عن بحوث ودراسات ومحاضرات ألقاها المؤلف على طلابه في الجامعة الأزهرية، وقد قسمه إلى بحثين، أولهما في تحديد معنى القرآن والفرق بينه وبين الحديث القدسي والنبوي, أما ثانيهما فهو مدار الكتاب تفنن فيه المؤلف، وحلل وفصل، وأبدع في بيان أخَّاذ، ومنطق ساطع، عرض فيه إلى الشبهة القديمة الحديثة التي تسند هذا القرآن إلى محمد- صلى الله عليه وسلم-، وتزعم أنه مؤلفه، وقد فند المؤلف هذه الحجة بعدة أدلة منها:  إقراره- صلى الله عليه وسلم- بأن القرآن ليس من عنده: «وأي مصلحة للعاقل الذي يدعي لنفسه حق الزعامة، ويتحدى الناس بالأعاجيب والمعجزات لتأييد تلك الزعامة، أي مصلحة له في أن ينسب بضاعته لغيره، وينسلخ منها انسلاخًا على حين أنه كان يستطيع أن ينتحلها فيزاد بها رفعة وفخامة وشأنًا»؟؟

وفي سيرته- صلى الله عليه وسلم- سواء قبل بعثته، أو بعدها دليل على صدقه، وأمانته، بل إنه- صلى الله عليه وسلم- ليدلل على أمانته البالغة في دعوى الوحي في مواطن كثيرة يذكر المؤلف جملة منها، نكتفي بواحدة، وهي حديث الإفك «فماذا كان يمنعه - لو أن أمر القرآن إليه - أن يقول هذه الكلمة الحاسمة- وهي براءة زوجه الطاهرة- من قبل- تلك المدة الطويلة الخانقة المثقلة بالعذاب النفسي- ليحمي بها عرضه، ويذب بها عن عرينه، وينسبها إلى الوحي السماوي لتنقطع ألسنة المتخرصين؟» ص ٢٤. 

ومن تلك الأدلة عجزه- صلى الله عليه وسلم- عن أن يقول مثل هذا القرآن بحكم أميته التي نشأ عليها، وفي القرآن علم غزير، وتاريخ حافل ممتد، وتشريع دقيق، وأنباء من وراء الغيب، فهل لأمي مثله أن يأتي بكل هذا من عنده؟ هيهات هيهات.. 

وقد يقال- كما قيل من قبل-: إنما يعلمه بشر، ويناقش المؤلف هذه الشبهة ليؤكد أنه- صلى الله عليه وسلم- بشهادة التاريخ لم يسبق له أن تتلمذ على معلم من قوم الأميين، ولا ثبت أبدًا أنه- صلى الله عليه وسلم- جلس إلى أحد من العلماء من غير قومه.

وظاهرة الوحي نفسها، وما يحدث له- صلى الله عليه وسلم- حين نزول القرآن عليه من احمرار الوجه، وتفصد الجبين بالعرق، وسماع جلسائه لأصوات مختلطة تشبه دوي النحل.. هذه الظاهرة دليل واضح قوي على كون هذا القرآن غير منسوب إلى بشر البتة.. «ونظرة واحدة تلقيها على عناصر هذه الظاهرة تهدينا إلى أنها لا يمكن أن تكون صناعة وتكلفًا، وبخاصة لو تأملت تلك الأصوات المختلطة التي كانت تسمع عند الوجه النبوي الشريف، وأيضًا لو كانت صناعة وتكلفًا لكانت طوع یمینه فكان لا يشاء يومًا أن يأتي بقرآن جديد إلا جاء به.. وقد علمنا أن كثيرًا ما التمسه في أشد أوقات الحاجة إليه وكان لا يظفر به إلا حين يشاء الله» ص ۷۱.

وليست ظاهرة الوحي سباتًا يعتري المرء وقت حاجته إلى النوم، فظاهرة الوحي كما يقول المؤلف- تعروه- صلى الله عليه وسلم- قائمًا، أو قاعدًا، وسائرًا، أو راكبًا، وبكرة، أو عشيًّا، وفي أثناء حديثه مع أصحابه، أو أعدائه، وكانت تعروه فجأة وتزول عنه فجأة، وتنقضي في لحظات يسيرة لا بالتدريج الذي يعرض للوسنان» ص ۷۱.

إنه إذن وحي معجز تلقيه إلى- محمد صلى الله عليه وسلم- قوة ملك كريم و «لقد عجبوا أن يكون إنسان يرى الملائكة عيانًا، ويكلمه جهارًا، وقالوا: كيف يرى محمد مالا نرى، ويسمع مالا نسمع»، وإلى هؤلاء يسوق المؤلف مثلًا يقرب إليهم تلك الظاهرة المعجزة ولا بمثلها، وهو «آلة الهاتف». 

«فقد أصبح الرجلان يكون أحدهما في أقصى المشرق والآخر في أقصى المغرب، ثم يتخاطبان ويتراءيان من حيث لا يرى الجالسون في مجالس التخاطب شيئًا، ولا يسمعون إلا أزيزًا كدوي النحل في صفة الوحي» ٧٥.

ودليل آخر على أن هذا القرآن من عند الله وليس لأحد - حتى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يد فيه أبدًا، وهو دليل ينبع من جوهر القرآن نفسه، ومن طبيعته ذاتها وهو أقوى الأدلة وأسطع البراهين، وقد خصص المؤلف للحديث عن «إعجاز القرآن» معظم صفحات الكتاب.. 

وإعجاز القرآن- في رأي المؤلف- على أنواع ثلاثة:

الإعجاز اللغوي، والإعجاز العلمي، والإعجاز الإصلاحي التهذيبي الاجتماعي، ولكنه أعطى الناحية اللغوية من الإعجاز وافر عنايته وأكبر جهده لأنها في نظره هي التي وقع من جهتها التحدي بالقرآن جملة وتفصيلًا في سورة منه، وهذا الكتاب يتحدث عن الإعجاز اللغوي- أو البياني- فحسب.

وقد رتب المؤلف وصفه لخصائص القرآن البيانية على أربع مراتب: 

١- القرآن في قطعة قطعة منه.

۲- القرآن في سورة سورة منه.

۳- القرآن فيما بين بعض السور وبعض.

٤- القرآن في جملته.

ولكن المؤلف لم يعرض في كتابه هذا إلا للمرتبتين الأوليين فقط، ولست أدري أكان ينوي إكمال الحديث عن المرتبتين الأخريين في كتاب آخر أم كان مكتفيًا بما كتب؟

بدأ المؤلف بالمرتبة الأولى، فتحدث عن خصائص الأسلوب القرآني في قطعة قطعة منه وهي:

أولًا: القصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى يقول المؤلف: «فإن سرك أن ترى كيف تجتمع هاتان الغايتان على تمامهما بغير فترة ولا انقطاع فانظر حيث شئت من القرآن الكريم تجد بيانًا قد قدر على حاجة النفس أحسن تقدير فلا تحس فيه بتخمة الإسراف، ولا بمخمصة التقتير، يؤدي إليك من كل معنى صورة نقية وافية» ص ۱۱۱.

ثانيًا: خطاب العامة وخطاب الخاصة، وهو«ما لا تجده على أتمه إلا في القرآن الكريم؛ فهو قرآن واحد يراه البلغاء، أو في كلام للطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم لا يلتوي على إفهامهم، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة فهو متعة العامة والخاصة على السواء» ص ۱۱۳.

ثالثًا: والخاصية الثالثة إمتاع العقل، وإمتاع العاطفة معًا «واقرأ مثلًا قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ(الأنبياء: 22)، وانظر كيف اجتمع الاستدلال والتهويل والاستعظام في هذه الكلمات القليلة، بل الدليل نفسه جامع بين عمق المقدمات اليقينية ووضوح المقدمات المسلمة ودقة التصوير لما يعب التنازع من الفساد الرهيب فهو برهاني خطابي، شعري معًا. هل تجد مثل هذا في كتاب من كتب الحكمة النظرية؟!» ص ١١٦.

رابعًا: البيان والإجمال، فإذا قرأت القطعة من القرآن خيل إليك أنك قد أحطت به خبرًا ثم رجعت إليه كرة أخرى لرأيتك منه بإزاء معنى جديد حتى ترى للجملة الواحدة، أو الكلمة الواحدة وجوهًا عدة.. » 

ولا يترك المؤلف هذه الخصائص الأسلوبية دون أن يمثل لها بالأمثلة التي توضحها وتبرزها، ويعرض المؤلف تلك الأمثلة والشواهد للقارئ في أبهى الصور، وأروع الحلل، ويحاول بذوقه الأدبي أن يكشف- ما يستطيعه- من أسرار تلك القطع والأمثلة القرآنية؛ لذلك فليس عجبًا أن يتحدث عن أسرار قطعة صغيرة لا تتجاوز بضع آيات في ٩ صفحات من الكتاب وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (البقرة: 91)، ويقرر المؤلف- بعد ذلك- في ثقة وإصرار أن ليس في كتاب الله كلمة إلا وهي مفتاح لفائدة جليلة، وليس فيه حرف إلا جاء لمعنى، ثم يسترسل في الرد على أولئك الذين يرون بأن في القرآن بعض حروف زائدة، أو يتأدبون فيقولون: للتأكيد، مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (الشورى: 11)، ويكشف لنا في منطق سديد سر هذه الكاف التي هي في موضعها أجمل وقعًا، وأكمل أداء للمعنى المراد، ويمضي المؤلف إلى أمثلة أخرى.

وينتقل المؤلف بعد هذه الجولة الممتعة إلى القرآن في سورة سورة منه؛ ليبين لنا تلك العلاقة الحميمة بين أجزاء السورة الواحدة وآياتها فيقول:«وإنك لتقرأ السورة الطويلة المنجمة يحسبها الجاهل أضغاثًا من المعاني حشيت حشوًا، وأوزاعًا من المعاني جمعت عفوًا فإذا هي لو تدبرت بنية متماسكة قد بنيت من المقاصد الكلية على أسس وأصول، وأقيم على كل أصل منها شعب وفصول، وامتد من كل شعبة منها فروع تقصر، أو تطول، فلا تزال تنتقل بين أجزائها كما تنتقل بين حجرات وأفنية في بنيان واحد قد وضع رسمه مرة واحدة»، «ولماذا نقول: إن هذه المعاني تنسق في السورة كما تنتسق الحجرات في البنيان؟ لا بل إنها لتلتحم فيها كما تلتحم الأعضاء في جسم الإنسان» ص ١٥٥. 

وحتى لا يدع المؤلف هذا القول مائلًا لا يسنده برهان، أو دليل حتى يقوم شامخًا مقنعًا ذهب في تحليل أدبي رائع يطبق هذا المنهج على أطول سورة في القرآن وهي سورة البقرة ليؤكد من خلال ذلك التحليل الدقيق صدق هذا القول في التحام أجزاء السورة الواحدة كالتحام أعضاء الجسم، ولا يخفى سر اختیار المؤلف لهذه السورة من القرآن إذ إنها:«أطول سور القرآن كافة، وهي أكثرها جمعًا للمعاني المختلفة، وهي أكثرها في التنزيل نجومًا، وهي أبعدها في هذا التنجيم تراخيًا» ص ١٥٧.

وقد امتد هذا التحليل وانفسح حتى قارب الخمسين صفحة من الكتاب. 

وهذا المنهج الرشيد في ربط أجزاء السورة الواحدة، وبيان أخذ بعضها برقاب بعض منهج سلكته ثلة طيبة من العلماء والمفكرين الذين فسروا القرآن، أو كتبوا حول منهج الإمام البقاعي في العصر المملوكي، والإمام الشهيد سيد قطب في العصر الحاضر. 

وبعد.. 

فإن المؤلف- رحمه الله- قد اتخذ من الإقناع بالحجة والمنطق السديد القويم تكأة يصل بها إلى تقرير آرائه في أذهان قارئيه، ولكنه في الوقت نفسه يضرب بأسلوبه الأدبي البديع وتر العاطفة في قارئه، وبذلك يجمع بين إيمان العقل وهوى القلب، فإذا الأفكار راسخة كل الرسوخ، محبوبة كل الحب.. وقد أفلح المؤلف- رحمه الله- في أن يصل إلى بغيته من أيسر طريق.    والله الموفق

عبد القادر طاش التركستاني

كلية اللغة العربية- الرياض

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

1552

الثلاثاء 24-مارس-1970

حَديث صَريح للشيخ محمد أبو زهرة

نشر في العدد 11

140

الثلاثاء 26-مايو-1970

تفسير زئبقي للقرآن

نشر في العدد 46

113

الثلاثاء 02-فبراير-1971

كيف يفكر أشبال الجيل الجديد؟