; مداخل الشيطان «الغيبة» | مجلة المجتمع

العنوان مداخل الشيطان «الغيبة»

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-ديسمبر-1979

مشاهدات 100

نشر في العدد 463

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 18-ديسمبر-1979

توطئة:

ويدور إبليس حول الإنسان، ينفث في وساوسه في قلبه يوهمه أنه لا شيء في أخذ الغيبة ما دام ذلك لإزالة المنكر ورد العاصي على الصواب ولو كان الأمر كذلك لهان الأمر ولكنه لا يلتزم بهذا الشرط مبدأ يرتكز عليه عند أخذه للغيبة- فنراه يغتاب كل من يخالفه في رأي أو فكرة كأنه يأكل من لحمه وهو ميت كما قال الله تعالى ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ (سورة الحجرات: 12)..

حجم الغيبة: لقد قالت عائشة رضي الله عنها للرسول صلى الله عليه وسلم «حسبك من صفية كذا وكذا» تعني قصيرة فقال «لقد قلت كلمة لو مزجت بها البحر لمزجته».

كلمة واحدة مزجت البحر فما بال ذلك الصنف من الدعاة الذين يغتابون مخالفيهم بالرأي وبالفروع بكلمات وليست بكلمة واحدة ويا ليتها بمستوى «قصيرة»!!

أنواع الغيبة: قال الحسن: الغيبة ثلاثة أوجه كلها في كتاب الله تعالى: الغيبة والأفك والبهتان.

فأما الغيبة فهو أن تقول في أخيك ما هو فيه.

وأما الأفك فأن تقول فيه ما بلغك عنه.

وأما البهتان فأن تقول فيه ما ليس فيه. 

قاعدة نبوية: ولقد عرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم تعريفًا نجعله قاعدة لنا تخلصنا من التأويلات الملتوية- قال صلى الله عليه وسلم «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول، قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» ولقد شرح الإمام النووي «ذكرك أخاك بما يكره» شرحًا مفصلًا قال «سواء ذكرته بلفظك أو في كتابك أو رمزت أو أشرت إليه بعينك أو يدك أو رأسك وضابطه كل ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم فهو غيبة محرمة».

غيبة المتفقهين: ونوع آخر من الغيبة لا يشعر به الكثير سماه الإمام النووي «غيبة المتفقهين والمتعبدين» قال «فإنهم يعرضون بالغيبة تعريضًا يفهم به كما يفهم به التصريح، فيقال لأحدهم: كيف حال فلان؟ فيقول: الله يصلحنا، الله يغفر لنا، الله يصلحه، نسأل الله العافية، نحمد الله الذي لم يبتلينا بالدخول على الظلمة، نعوذ بالله من الشر، الله يعافينا من قلة الحياء، الله يتوب علينا وما أشبه ذلك مما يفهم منه تنقصه فكل ذلك غيبة محرمة وكل هذا معلوم من مقتضى الحديث عن صحيح مسلم وغيره في حد الغيبة والله أعلم»..

السماعون: ولسنا بصدد آكلي اللحوم الميتة فحسب ولكن بصدد أولئك الذين يشاركونهم بالأكل ونقصد بذلك السماعون للغيبة.

فلا ينبغي لمن يسمع غيبة مسلم أن يشجع المغتاب بسماعه منه وإظهار التجاوب معه بل عليه أن ينصحه بالإقلاع عن هذه الخصلة واستبدال ذلك بمجالس الساعات الإيمانية..

وحرصًا من الرسول صلى الله عليه وسلم على تكوين الأخوة بأسمى معانيها لم يغفل ذلك الجانب فقال: «من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة» وقال «من رد عن عرض أخيه كان له حجابًا من النار» أفلا تحب أن يرد عن وجهك النار يوم القيامة ويكون لك حجابًا من النار؟؟

وتنشأ من هذه الظلمات ظلمة أخرى مساوية لها بالظلمة حتى أنه يصعب التمييز بينهما لشدة التشابه تلك هي ظلمة تصيد أخطاء الآخرين..

«1» الحجرات ۱۲

«2» صحيح الجامع الصغير. ج ٥ ص ۳۱

«3» تفسير القرطبي ج 16 ص 335

«4» صحيح مسلم

«5» الأذكار ص ۳۰۰

«» الأذكار ص ٣٠٠- ٣٠١

«7» «8» صحيح الجامع الصغير ج ٥ ص ٢٩٥

«تصيد العيوب»

تعريف

وهي إحدى مداخل إبليس يوهمه أن ذلك من النهي عن المنكر فيولع به حتى تكون له هواية فما أن يرى عيبًا من شخص ما حتى يذيعه ويشهره بين الناس يترصد كلماته ويتسقط سقطاته كأن كل همه هو البحث عن عيوب الناس.

الإمام ابن الجوزي يصف المتصيد

قال الإمام ابن الجوزي «ومن تلبيس إبليس على المنكر أنه إذا أنكر جلس في مجمع يصف ما فعل ويتباهى به ويسب أصحاب المنكر سب الحنق عليهم ويلعنهم ولعل القوم قد تابوا وربما كانوا خيرًا منه لندمهم وكبره ويندرج في ضمن حديثه كشف عورات المسلمين لأنه يعلم من لا يعلم والستر على المسلم واجب مهما أمكن».

التأويل السيء: وإن لم ير عيبًا من خلال كلامه معهم فإنه يذهب يتصفح الكتب ويمسك قلمًا يخط به خطوطًا تحت العبارات التي يظنها خطأ أخطاءً يظنها وهي ليست أخطاء عند غيره ليس ذلك بسبب علمه وجهلهم إنما ذلك بسبب سوء ظنه وحسن ظن الآخرين تجده يأول كل كلمة يسمعها أو يقرؤها تأويلًا سيئًا.

سبب المرض: 

وهي فئة ليست حديثة إنما هي قديمة قدم الزمان فلقد حذر الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه هذه الفئة في عهده من هذا المدخل الشيطاني وسدد السهم في الهدف عندما ذكر لهم سبب هذا المرض وهو الغفلة عن عيوب النفس فقال «يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه وينسى الجزع أو الجذل في عينه».

العلاج:

وأدركها الإمام الحافظ ابن حبان وجعل هذه الصفة تنافي صفات العاقل وجعل تركها من واجباته فقال: «الواجب على العاقل لزوم السلامة يترك التجسس عن عيوب الناس مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه فإن من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنه ولم يتعب قلبه فكما اطلع على عيب نفسه هان عليه ما يرى مثله من أخيه وأن من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمى قلبه وتعب بدنه وتعذر عليه ترك عيوب نفسه وأن من أعجز الناس من عاب الناس بما فيهم وأعجز منه من عابهم بما فيه من عاب الناس عابوه»..

الشعراء يساهمون بالعلاج: 

وكان للشعراء نصيب كبير في هذه الحملة لاقتلاع هذا الداء من نفوس الدعاة إلى الله فقال قائلهم:

إذا أنت عيب الناس عابوا وأكثروا 

                  عليك وأبوا منك ما كان يستر 

وقد قال في بعض الأقاويل قائل 

                   له منطق فيه كلام محبر 

إذا ما ذكرت الناس فأترك عيوبهم 

                   فلا عيب إلا دون ما منك يذكر 

فإن عبث قومًا بالذين ليس فيهم 

                   فذلك عند الله والناس أكبر 

متى تلتمس للناس عيبًا تجد لهم 

                   عيوبًا ولكن الذين فيك أكبر

فسالمهم بالكف عنهم فإنهم

                   بعيبك من عينيك أهدى وأبصر

كلمة أخيرة:

ولا يعني هذا أن يركن الداعية إلى الله لا ينكر على الفاسقين وأصحاب الغفلة منكراتهم إنما هناك فرق واضح بين إنكار المنكر ودرجاته الثلاثة باليد أو باللسان أو بالقلب وبين هواية تصيد العيوب التي ذكرناها..

فمتى ما سعى إلى تنقية نفسه من العجب بالنفس واحتقار أصحاب المعاصي والتشهير بهم وغفلته عن عيوب نفسه وسوء الظن بكلام الآخرين كان هو الداعية الذي أراده الله ويكون عمله كله مباركًا موفقًا بإذن الله أما أن تلكأ في تنقية نفسه من هذه العيوب فليعلم أنه من هذه الزمرة.

«1» شیس إبليس ص ١٦٥

«2» الزهد لأحمد ص ۱۷۸

«3» روضة العقلاء لابن حبان ص 125

الإيحاء بالمجادلة

وحيان: 

جاء رجل إلى ابن عباس فقال: يا بن عباس زعم أبو إسحق أنه أوحي إليه الليلة فقال ابن عباس: صدق فنفرت وقلت يقول ابن عباس صدق؟ فقال ابن عباس هما وحيان: وحي الله. ووحي الشيطان فوحي الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم ووحي الشيطان إلى أوليائه ثم قرأ  ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ (الأنعام:١٢١)

وإنهم يوحون إليهم ذلك ليجادلوا أصحاب الحق في الحق الذي معهم وليشككوا فيه لكي يتزعزع إيمان المؤمن بعقيدته ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام:١٢١)

الجدل المحمود:

والجدل يبغضه الإسلام إلا في حالات الدعوة وتكون أيضا مقيدة بشرط وهو الالتزام بالأدب الإسلامي وعدم الخروج منه حيث قال الله تعالى ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ١٢٥) أما ما عدا ذلك فهو مبغوض في الإسلام لأنه غالبًا ما تكون عاقبته سيئة يقول صاحب الظلال «وبالجدل بالتي هي أحسن بلا تحامل على المخالف ولا ترذيل له وتقبيح حتى يطمئن إلى الداعي ويشعر أنه هدفه ليس الغلبة في الجدل ولكن الإقناع والوصول إلى الحق فالنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها وهي لا تنزل عن الرأي الذي يدافع عنه إلا بالرفق حتى لا تشعر بالهزيمة وسرعان ما تختلط على النفس قيمة الرأي وقيمتها هي عند الناس فتعتبر التنازل عن الرأي تنازلًا عن هيبتها واحترامها وكيانها والجدل بالحسنى فهو الذي يطامن من هذه الكبرياء الحساسة ويشعر المجادل أن ذاته مصونة وقيمته كريمة وأن الداعي لا يقصد إلا كشف الحقيقة في ذاتها والاهتداء إليها في سبيل الله لا في سبيل ذاته ونصرة رأيه وهزيمة الرأي الآخر.

ما هو جدالهم:

وكان جدالهم لأصحاب الحق في الجاهلية القديمة في أكل الميتة والشرك وأن الملائكة بنات الله وأن سلام الله سحر..

أما جدالهم لأصحاب الحق في الجاهلية الحديثة عن عدم تناسب أحكام القرآن مع هذا التقدم الحضاري وعن القسوة في الحدود الإسلامية وعدم وضع السياسة في الدين إلى ما شابه ذلك من تفاهات ولئن استسلم بعض الدعاة إلى تلك الحجج الواهية وأيدهم وأطاعهم فصل من كتيبة الدعاة وخرج من حصن الإسلام ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: 121) 

جدل الدعاة:

وجدل من نوع آخر يكون في صفوف الدعاة وضعه عدو الله ليفكك رباطهم ويزرع الكراهية بينهم ليلتهوا به ويتركوا الهدف وذلك ما يبغي عدو الله وهي زلات يقع بها الدعاة «فإن الإمام الأوزاعي قد أحصاها فوجدها خمس زلات قبيحات تزيد طرد الخير قبحًا فقال:

«دع من الجدال ما: يفتن القلب وينبت الضغينة ويجفي القلب ويرق الورع في المنطق والفعل وهذا إثقال واضح لكفة الشمال في ميزان المتجادل ينبي عن خسارة والعياذ بالله خسارة يصعب معها الرجاء إذا اقترنت بلجاجة وإعجاب إذ تتم حينذاك كما رأها التابعي بلال بن سعد فقال: «إذا رأيت الرجل لجوجًا مماريًا معجبًا برأيه فقد تمت خسارته قول خبير ليس بكاذب ولا مبالغ» فلا عجب إذن من قول الرسول صلى الله عليه وسلم «أنا زعيم ببيت في ريض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا».

«عبد الحميد أبو بلال»

«1» ابن كثير ج 2 ص 170

«2» الأنعام ۱۲۱

«3» النحل ١٢٥

«4» الظلال ج ٤ ص ٢٢٢

«5» العوائق ص ۱۸۲

«6» ربض- الأطراف الغنية بالزرع

«7» سلسلة الأحاديث الصحيحة ج 1 ص 147 

لعبة الأمم أو سياسة الاستدراج

«الرافعي الصغير»

تقدم أنه حينما استحال على الغرب الصليبي القضاء على الإسلام باحتلال بلاده، وتنصير أبنائه، لجأ إلى خطة خبيثة طويلة المدى تأتي المسلمين من حيث لم يحتسبوا.. وكان ذلك بعد هزيمتهم المذلة في حروبهم الصليبية.. 

وأدرك أبالستهم أن الإسلام هو الذي بعث المسلمين لحربهم، وهو الذي جمعهم ووحدهم باسم الله على طرد أعداء الله من بلاد الله. 

القضاء على كل جسم خبيث بغزو بلاد المسلمين .

ومهما طال الزمن فلا بد أن يتم إذن.. فلا مخرج للغرب الصليبي من هزائمه المتلاحقة إلا إفساد دين المسلمين.. وقد تحقق لهم ذلك.. إلا قليلًا ممن رحم ربك..

وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من قاتلهم إلى يوم القيامة».

وهؤلاء هم الأمل والرجاء بعودة كريمة إلى الله إن شاء الله..

فليعلم كل مسلم أنه متآمر مع أعداء الإسلام والمسلمين إن لم يكن في صف ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (سورة الكهف: 28)..

ويعلم كل مسلم أنه محارب لله ورسوله إذا كان راضيًا بفصل الدين عن الحياة، وعزله عن رسم سياسة الأمة.. 

وليعلم كل مسلم أنه مشارك في هدم دينه، إذا كان قاعدًا عن الجهاد في سبيل إعادة مجد الأمة الإسلامية وإصلاح حالها بدينها.. 

فإلى متى نقبل الدنية في ديننا. خوفًا من جبار، أو حرصًا على دينار ولا نخشى الله الواحد القهار.. انظروا في أنفسكم يا معشر من أمن بلسانه، ولم يؤمن قلبه.. وقولوا:

هل نحن مسلمون؟..

الرابط المختصر :