العنوان المغرب.. القلعة المغلقة ترفض الاستسلام للاقتراع الشعبي الحر
الكاتب أحمد العلمي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-مارس-1998
مشاهدات 55
نشر في العدد 1293
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 24-مارس-1998
• فاتورة الحساب الثقيلة رجحت توزير المعارضة
• يواجه المغرب عددًا من الاستحقاقات السياسية والاقتصادية دفعت إلى تحويل المسئولية إلى شان جماعي ديمقراطي.
غداة استقلال المغرب كانت القوى السياسية المنظمة بشكل من الأشكال هي الحزب التقليدي -كما كانت تسميه فرنسا- بإدارته ووجهائه وأعيانه، والحزب الوطني الرئيسي حزب الاستقلال، بقادته وأطره وخلاياه المنتشرة في المدن أكثر من القرى، وفي الطبقة المتوسطة المتعلمة أكثر من غيرها، وجيش التحرير المتحالف مع المجاهدين الجزائريين والرافض لتأجيل قضيتي الصحراء وموريتانيا، والنقابة المركزية «الاتحاد المغربي للشغل» المؤطرة لحوالي ٥٠٠ ألف عامل وعاملة (۱)، وباستثناء القوة الأولي -التقليدية- والمكونة من شيوخ بعض الطرق الصوفية وقواد الدوائر وباشاوات المدن ومن جندتهم فرنسا أو إسبانيا في جيشهما من الضباط وضباط الصف والجنود، باستثناء هؤلاء فإن الآخرين رغم ما بينهم من تنافس تجمعهم قواسم مشتركة منها السعي إلى:
- دراسة تغيير الأسس الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي تساعد على إنتاج واستمرار الحزب التقليدي، وحسم الصراع السياسي معه بتجريده من قدراته (۲) واتهامه بالخيانة والولاء للمستعمر وتوجيه الإصلاح الزراعي والتخطيط الصناعي والتقسيم الانتخابي والتعبئة الحزبية والنقابية والدينية وجهة تنهي هذا الخصم.
- التركيز في التعبئة والتأطير على الشباب والمتعلمين والعمال والقطاعات الحضرية عمومًا.
- رفع شعارات أيديولوجية وطنية مغاربية إسلامية أو مغاربية عروبية اشتراكية وتبني حركات التحرر في العالم.
- الانطلاق من نوع الأبوة والوصاية على المشروع التحرري المغربي قد يصل إلى حد الإقصاء واحتكار الحق.
- إحداث موازين سوسيو- سياسية تطور المؤسسة الحاكمة (۳).
وخلال السنوات الخمس الأولى من الاستقلال كان هناك نوع من التوازن بين الحزب التقليدي، من جهة والتوجهات الأخرى التي ذكرنا من جهة أخرى، وإذا كان الوطنيون بمختلف مشاربهم قد وصلوا بنضالهم إلى مستوى كبير من الجماهيرية والالتفاف الشعبي حولهم فإن التقليديين ورثوا ترسانة المستعمر الأمنية والإدارية وخبرته في التعامل الطويل النفس مع الأحداث والفرقاء، ولم ينته عقد واحد على إعلان الاستقلال حتى كان التقليديون، قد ربحوا المعركة وأوقعوا في الجهة الأخرى خسائر كثيرة نذكر منها:
1 - نهاية جيش التحرير قبل أن ينهي مشاكل الصحراء وسبتة ومليلة والجزر وموريتانيا والحدود الشرقية للمغرب.
2-تفجير مفرقعات والغام الانقسام والتشرذم والأنانية داخل الصف الوطني السياسي والنقابي وتدجين أكبر نقابة عرفها تاريخ المغرب الحديث.
3-إخراج ملفي الجيش والأمن الوطني من دائرة المشاورات والمفاوضات السياسية الحكومية مع الحركة الوطنية.
4- تشييع جنازة فكرة الجمعية التأسيسية المنتخبة الوضع دستور ثم المجلس الدستوري المعين للغرض نفسه.
5- إعلان تقطيع ونظام انتخابيين يضمنان استمرار الأغلبية التقليدية بمسمياتها المختلفة حسب كل مرحلة.
6- عدم البدء في سياسة التصنيع وتجميد مشروع الإصلاح الزراعي للحيلولة دون انبثاق طبقات وعقليات تؤدي إلى تغيير البنية الاجتماعية والسياسية للمجتمع.
7- إحياء شكل من أشكال السياسة البربرية وتنقية الإدارة من المتعاطفين مع الأحزاب الوطنية (٤).
8-إدخال البلاد في سلسلة من المحاكمات السياسية بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم وتتويج ذلك بإعلان حالة الاستثناء سنة ١٩٦٥م ومنع أو مصادرة الصحف الوطنية (5) « التحرير، المحرر، العلم، الرأي، الطليعة. إلخ» وتصنيف المغرب من طرف المنظمات الحقوقية العالمية في نادي المشهورين بالسجون الجحيمية، وممارسات التعذيب والاختطاف والاغتيال (6).
إن نتائج الانتخابات التشريعية المغربية (١٩٦٣، ١٩٧٧، ١٩٨٤، ۱۹۹۳، ۱۹۹۷م) تدل من خلال نتائجها المتكررة على عقلية القلعة المغلقة، أو المحاصرة الرافضة للاستسلام للاقتراع الشعبي غير المزور، وإنها لمفارقة ما بعدها مفارقة أن نسلم أو نستسلم للعولمة باسم الواقعية والموضوعية دون أن تسلم بنفس المنطق لما تفرزه صناديق الاقتراع قبل تدخل فناني وفنيي « الحزب التقليدي» أو « الحزب السري» كما يسميه المغاربة.
إن الأغلبية في مجلس النواب الحالي تقتضي حصول تكتل من التكتلات على ما لا يقل عن ١٦٣ مقعدًا، وحسب التسميات الرسمية المعتمدة عند حزام (۷) فإن أحدًا لم يحصل على ذلك الرقم السحري « فالكتلة الديمقراطية» لها ۱۰۲ مقعد، ولأحزاب « الوفاق »۱۰۰ مقعد، ولأحزاب « الوسط ۹۷» ولمن تبقى بما فيهم « الإسلاميون» ٢٦ مقعدًا، وانطلاقًا من الأسماء والصفات هذه « كتلة، وفاق، وسط آخرون» فإن وجود حكومة من أحد هؤلاء أمر مستحيل ديمقراطيًا، لكننا إذا قرأنا النتائج بموازين القوى الموروثة من مفاوضات الاستقلال ومعادلاتها التي ثبتت خلال العقد الأول من الاستقلال كما أسلفنا فإننا نجد أن « الحزب التقليدي» الذي ورثناه من الخمسينيات يأخذ اليوم أسماء جديدة يعرفها كل المغاربة المتتبعين الأحوال بلادهم وهي الوفاق- الوسط- التكنوقراط.
الوفاق والوسط مصنوعان لمواجهة الأحزاب التي لها رصيد شعبي تاريخي أو حاضر أو مستقبلي، والتكنوقراط فئة من البشر يستغنى بهم عن جميع الأحزاب ينفذون ويستفيدون ولا يحاسبون حتى المحاسبات الشكلية.
وإذا كان الحزب التقليدي (وفاق + وسط) قد غنم ۱۹۷ مقعدًا فقد كان هو المؤهل - بحكم هذه النتيجة- أن يشكل حكومة ذات أغلبية أكثر من مريحة إلا أن هناك اعتراضات على هذا السيناريو نلخصها في النقاط التالية:
1- السلطات العليا في البلاد تفضل حكومة تقودها الكتلة الاتحاد الاشتراكي والاستقلال أساسًا، ومشهد كهذا ينفس بعض مخزون الغضب الشعبي ويضبط المعارضة ضبطًا محكمًا عن طريق «التقليديين».
2- نظرًا لانتشار الوعي السياسي بين قطاع واسع من الشباب والمثقفين فإن الوسط (التجمع الوطني للأحرار أساسًا) يحتاج لإثبات ذاتيته واستقلاليته وخصوصيته إلى تحالف مع الكتلة، أولًا ثم يمكنه بعد تلك الانقلاب عليها وتعليل ذلك بالتعليلات الكثيرة الممكنة، ويفوز الوسط بهذا التحالف يكون قد حصل على تزكية الكتلة، وتأثيراتها السياسية وهما مكسبان رمزيان لا يقلان في أهميتهما عن المكاسب والتسمية المأخوذة من الجهاز الإداري.
3- مع وجود الأحزاب الاشتراكية والعمالية في أغلب حكومات دول الاتحاد الأوروبي وخاصة في فرنسا فإن الانسجام مع رياح الشراكة يقتضي وجود حكومة مغربية بزعامة رئيس وزراء من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وبخاصة أن الرأسمالية هي مذهب الجميع الآن، وليس هناك غير كوبا وكوريا الشمالية لتسويق مناقب وفضائل ملكية الدولة لوسائل الإنتاج وضرورة التأميم.
4- الإصلاحات الأساسية المؤجلة في مجالات التعليم والتكوين المهني والتشغيل والصحة والبادية وأحزمة الفقر المحيطة بالمدن والمواصلات والصيد البحري والفلاحة والجالية المغربية في الخارج وسيل بعث الحياة في جنة اتحاد المغرب العربي... كل هذه الملفات الحيوية وغيرها تحتاج إلى إرادة سياسية لم تتوافر لدى الحزب التقليدي، منذ الاستقلال.
5- الاستفتاء على الصحراء المغربية يعني احتمال الانفصال كما صرح بذلك كبار المسؤولين في الدولة، وقد تقرر في ديسمبر ١٩٩٨م وللتحكم في النتيجة مهما كانت فإن الأمر يحتاج إلى وضع الكتلة، في الواجهة وتحويل المسؤولية ولو خلال سنة واحدة فقط إلى شأن جماعي شوري ديمقراطي.
6- حاجة البلاد إلى الخروج من الحرب الأهلية، غير المسلحة التي دخلت فيها منذ الاستقلال بسبب أيديولوجية الإقصاء، وامتلاك الحق المطلق لدى التقليديين (۸) من جهة، ولدى اليساريين من جهة أخرى.
لهذه الأسباب والمواقع وربما لغيرها كذلك ترجح قيام الجهات المعنية بتنظيم زواج متعة بين الكتلة، والوسط كم ستكون المدة المتفق عليها في هذا الزواج المنقطع وكم سيكون الصداق الذي سيؤديه الشعب كالعادة ولمن القوامة في هذا الزواج؟
أسئلة قد تعرف أجوبتها في القريب القادم، إلا أن السؤال الأكبر يبقى هو هل تستطيع مؤسسات فاقدة للمصداقية حل مشاكل المغرب الحالية والمستقبلية؟
----------------------------------
الهوامش
1- تجد هذا الرقم في مجموعة من دراسات الباحث كلود بالزولي ضمنها كتابه المغرب السياسي من الاستقلال إلى ۱۹۷۳م، بالفرنسية من CLAUDE PALAZZOLL LE MAROC POLITIQUE DE L'INDEPENDANCE A 1973, PARIS, SIND- BAD, 1974, P 371.
2- تذكر في هذا الإطار، على سبيل المثال لا الحصر ظهير مرسوم، ۳۷-۳-۱۹۸۸ القاضي باسترجاع الأراضي من المعمرين الأوروبيين والخونة، ومنع مواسم الطرق الصوفية التي تنظم حول أضرحتها وسادتها، ومحاولة وضع نظام انتخابي ينهي الولايات القديمة ويستبدلها بأشكال تقدمية جديدة تحل البلدية والحزب مكان القبيلة وار، وقد كانت ظهائر1-9-1959 و 23-6-1960 خطوة في هذا الاتجاه مكنت حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية المنشق عنه من الحصول مجتمعين على أغلبية ٦٣ في الانتخابات البلدية الأولى والمنظمة بتاريخ ٢٩-٥ - ١٩٦٠م.
3- يعتبر الأستاذ علال الفاسي أن الحكم في المغرب يجب أن يقوم على أساس ديمقراطي صحيح، بدستور ينبثق عن مجمع شعبي منتخب وباستفادة من الذين سبقونا في هذا المضمار وهم الإنجليز (...) ولقد كررنا القول بأن بقاءنا في المؤخرة يفرض علينا أن تستفيد من تجارب الآخرين (...) إذ ليس في الدنيا نظام باطل كله ولا حق كله.. علال الفاسي المصدر السابق، ص 165.
4- انظر على سبيل المثال مرسوم ۱۷ سبتمبر ١٩٦٠م في هذا الشأن.
5- في شهر ديسمبر ١٩٥٩م، مثلًا، تم اعتقال مدير تحرير صحيفة التحرير، السيد محمد البصري ورئيس تحريرها السيد عبد الرحمن اليوسفي وهما من شخصيات المقاومة بتهمة « المس بشخص الملك» وفي شهر فبراير ١٩٦٠م اعتقلت جماعة من قادة الاتحاد الوطني القوات الشعبية وجيش التحرير بتهمة « التآمر على حياة الأمير ولي العهد» وفي ١٢ يوليو من السنة نفسها تم تعيين العقيد حينئذ محمد أوفقير مديرًا عامًا للأمن الوطني مما يعني بداية العد العكسي للحركات التي ظنت أنها جاءت بالاستقلال وستحكم البلاد مع الملك أو باسمه.
6- يكفي في هذا المجال أن يطلع القارئ على تقارير منظمة العفو الدولية والفدرالية العالمية لحقوق الإنسان ولجنة مكافحة القمع المغربية، والتقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية ومنشورات جمعيات حقوق الإنسان المغربية وتقاريرها حول حالة السجون بالمغرب من فجر الستينيات إلى اليوم.
7- إذا قالت حزام فصدقوها فإن القول ما قالت حزام
وحزام في المغرب والبلاد العربية في وزارة الداخلية وأجهزتها الأمنية التي لا معقب لما تعلقه من قرارات ونتائج.
8- في ١٣ سبتمبر ١٩٠٥ م كتب القيم العام الفرنسي في المغرب برايي دولا نور يقول: «يجب أن تكون الحكومة المغربية ذات القلبية تقليدية، وبذلك فقط نضمن التوازن الذي بدونه تعرفنا أمواج « حزب الاستقلال» انظر كتاب Pierte Boyer De La Tour Verites
Sur L'Afrique Du Nord, Paris, Plon,1956, P: 151.