العنوان خطوات على طريق النجاة
الكاتب بدر علي قمبر
تاريخ النشر السبت 30-نوفمبر-2002
مشاهدات 86
نشر في العدد 1529
نشر في الصفحة 52
السبت 30-نوفمبر-2002
المصالحة مع النفس والاختلاط بالناس أول معينات الطريق
الزم أصحاب الهمم العالية واغتنم الفرص في الخيرات قبل زوالها
استثمر وقتك كأفضل ما يكون وكن على ثقة بمعية الله وتوفيقه
الطريق الموصل إلى جنان الله الخالدة، طريق شاق يتطلب ممن يسلكه تحمل تبعات ثقيلة، عليه أن يحملها دون تعب، أو نصب، أو فتور. ولعل المسلم الملتزم بدينه، والذي يسعى جاهدًا لنشر نور الإسلام وبساطته في قلوب البشر، لعله يعي جيدًا متطلبات الطريق والزاد الذي يجب أن يحمله ليعينه للوصول إلى بر الأمان.
صحة نفسية
إن أول ملامح هذا الطريق، طريق النجاة، حالة التوافق النفسي الذي يجب أن يتصف به صاحبنا، فمن وفّقه الله تعالى لتطهير النفس من الأزمات النفسية الحادة في معترك الحياة، واستطاع أن يدیر أزماته الحياتية باقتدار، ودون خسران المقعد الحياتي والدعوي، فهو بلا ريب إنسان يعرف كيف يتلاءم مع نفسه التي تتغاير ظروفها وتتبدل أحوالها تبعًا لظروف وثقافة المجتمع، ثم أحوال الفئة التي ينتمي إليها، والتي إما أن تساهم في الارتقاء بالنفس، أو طمس هويتها إلى أسفل سافلين والعياذ بالله!!
يقول الدكتور مصطفى حجازي في كتابه «الصحة النفسية»: «لقد أدى تعاظم التحديات الحياتية المعاصرة، وتعقيد الحياة المدنية بشكل غير مسبوق، وتصاعد المتطلبات والضغوطات التي تفرضها على الناس، إلى جعل مسألة التكيف، والقدرة على إدارة دفة الحياة، والنجاح فيهما سواء في العمل، أو الزواج، أو العلاقات العاطفية، أو الانغراس والتفاعل الاجتماعي، أو بناء المشاريع الوجودية مسائل تتطلب توظيفًا للقدرات والفرص غير مسبوقين كما أصبحت تتطلب قدرات عالية على تحمل الضغوطات والتحولات والتغيرات المتسارعة في أنماط الحياة على مختلف الصعد»..
من هنا يتعين على صاحبنا في طريق تحقيق الذات والوصول إلى غايات الآخرة، أن يستبصر وبصورة جيدة أفق تحقيق الصحة النفسية بطريقة تضمن له العيش الكريم، وعدم العيش في متاهات النفس ودوائرها المضيعة للأوقات، فلا بد من الشعور بالاطمئنان النفسي، الذي يتمحور بشكل أساسي على النهل من معين الحياة الروحية التي أساسها الإسلام والمستمدة من كتاب الله الكريم وسُنة الرسول ﷺ، كما قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28) فهذه الطمأنينة لن تأتي بمجرد الإيمان بمجمل النظريات النفسية، بقدر ما هي النظر وبشكل متأن في منظومات الإسلام على كل الأصعدة، ومنها أيضًا ما يتعلق بالقلق الناتج عن الضغوطات الحياتية، والقدرة على تفعيل هذا القلق بشكل إيجابي وبطريقة تحقق النجاح الفعلي في الحياة والآخرة. ولا ينسى صاحبنا محاولة تقليل الشعور بالإحباط الذي يعاني منه الكثير من الناس، فمن استطاع أن ينجح في إيجاد مخارج متعددة للإحباطات الحياتية، نقل نفسه نقلة نوعية من محطة الشعور بالهزيمة، إلى محطات الشعور بالنجاحات المتتالية.
من الحاضر للمستقبل
تدعو الكاتبة «سالي جونسون» في کتابها «حطمي الضغوط النفسية» إلى المحافظة على الإنجازات مخاطبة الفتاة بشكل خاص: «لغرض المحافظة على الأشياء الجيدة التي سبق لك أن أحرزتها أثناء قيامك بتحديد غاياتك أو أهدافك المستقبلية، من المهم البقاء عند اللحظة التي أنت فيها، وتعرفين بالضبط ماذا يحدث في داخلك وفي خارجك. ومن السهل الانبهار والانصراف إلى المستقبل بكل جوارحك بحيث تنسين مسيرة حياتك اليومية الحاضرة، والتي تمضي وتسير دون أن تهتمي بما تفعلين لإسنادها أو الإعاقة ما يحصل فيها. وعليك أن تتزني في السرعة التي تسيرين بها أيضًا، ولا تتسابقي إلى الأمام لأنك متلهفة للوصول إلى ما تبغين الوصول إليه، فإذا دفعت بنفسك إلى وراء حدودك، فسوف تنتهين بالإحباط وقد تهملين في النهاية ما قد يكون هدفًا يسير المثال جدًا. وإذا اكتشفت في وسط مسيرتك بأنك قد اخترت الغاية التي لن تنجح معك، أجلسي وأعيدي النظر في الأمر - اختاري البديل الآخر الأكثر إيجابية وانظري إذا ما كنت مقتنعة بذلك».
الاختلاط بالناس: يقول الرسول ﷺ في حديث رواه الإمام أحمد: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم»، ولعل الذي يستوعب حديث الرسول ﷺ في تفضيل المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم وشرهم على المؤمن الذي يعتزل المجتمع وتصبح حياته مجرد خواء روحي ونفسي، يستنتج أهمية الاندماج الحقيقي في المجتمع وبخاصة المجتمع المتغير في أطره وتشريعاته الحياتية، ذلك أن فئة من الناس لا تزال تنظر للمجتمع نظرة سوداوية وسلبية، عملًا بالمقولة السائدة «دعني وشأني» فترى حياته مسلطة على العمل الرسمي، ثم جلسات الأصدقاء الترويحية، ثم جلسة الأسرة التي هي الأخرى قد تكون آخر ما يفكر فيها!! فما زلنا في أمسّ الحاجة لمعرفة الناس والمجتمع معرفة متبصرة بحالهم والتحسس بظروفهم المعيشية حتى نستطيع أن نوصل المجتمع إلى مراتب الخير، وننتشلهم من براثن الجهل الأعمى، والتي لا تزال تحط بأذيالها على عقول فئات غير قليلة من المجتمع إن جاز التعبير. فهل يا ترى حققت بعض الفئات مبدأ الاختلاط بالناس والصبر على أذاهم؟
يقول الأستاذ محمد الراشد في كتابه «المسار»: «صحيح أيضًا أن فينا أهل نشاط واتصال بالناس، ولكن الكثيرين منّا ينعزلون في مجالس خاصة، ولا يبعدون عن دائرة رواد المساجد، ويستأنسون بطول اللبث يوميًا في مجالس العوام، ونعم البرهان في على تواضع الداعية، لولا ما فيها من تعويد على الكسل، وفتور الذهن، وما يسببه الإسراف في التلذذ بها من هجر مجتمعات المثقفين، في نواديهم، ونقاباتهم، وجمعياتهم، وسهراتهم المنزلية، ولا بد من إقامة توازن وتوزيع أوقاتنا على أنواع المجالس».
ثقة بالله تعالى
أورد الشيخ عبد الحميد البلالي في كتابه «وقفات تربوية» هذه القصة: «جاء في ترجمة يونس بن عبد الأعلى في إحدى حكاياته: «أن رجلًا جاء إلى نحاس، فقال له: أسلفني ألف دينار إلى أجل فقال النحاس: من يضمن لي المبلغ قال الله تعالى فأعطاه ألف دينار، فسافر بها الرجل يتجر، فلما بلغ الأجل أراد الخروج إليه، فحبسه عدم وجود رياح، فعمل تابوتًا. وجعل فيه ألف دينار، وأغلقه وسمره، وألقاه في البحر، فقال اللهم هذا الذي ضمنته لي فخرج صاحب المال ينتظر قدوم الذي معه المال، فرأى سوادًا في البحر، فقال: آيتوني بهذا، فأتي بالتابوت، ففتحه، فإذا فيه ألف دينار».
والجميل في هذه الحادثة أن سلفنا الصالح قد أيقن أشد اليقين بأهمية الثقة بالله تعالى، هذه الثقة التي يجب أن تزرع بقلوبنا ونحن نسير على طريق الإيمان في هذه الحياة وصولًا إلى الفردوس الأعلى بإذن الله تعالى، فنحن بحاجة ماسة إلى هذه الثقة التي تنتشلنا من بحور التردي النفسي إلى أفاق الخير والثقة بنصر الله تعالى في كل الميادين الحياتية.
همة عالية
من أراد الارتقاء في منازل الهمة العالية والوصول إلى قمة الجبل، لا بد له أن يصاحب ویلازم أصحاب الهمم العالية الذين يدفعون بأصحابهم إلى معالي الأمور، وإلى التلذذ بمعاني الآخرة والجنة الغالية، ذلك أن أصحاب النفوس المريضة ذوات العزائم الفاترة والخاوية يجعلون أصحابهم ينشغلون بتوافه الأمور وبالسفاسف الدنيئة، وبهواجس النفس المتردية، وبشهوات النفس الأثمة، فهم عن الخير غافلون، وعن الجنة لاهون، وللجري وراء حب النفس لاهثون، ومن ثم فأي خير يرجى من فئة خط الهوى على سطورها، وانتشرت الرذيلة بين ثنايا قلوبها، وانتهشت أفعى الانحطاط من جسد عزيمتها، وقوة إيمانها، فلم يبق منها إلا هيكلًا عاريًا، وسقفًا مثقوبًا تنزل ذرات المطر من خلاله لتنسكب على أرض جدباء!! من هنا فإن سير النفس وراء أصحاب الهمم العالية، والتزامها بحبل الله المتين، وبومضات السُنة المطهرة، مع إتباع نهج السلف الصالح والمعاصرين، ممن تشربت نفوسهم حب الخيرات، وخدمة الإسلام في كل ميدان، يضمن وبلا أدنى شك نهوض النفس ودخولها في أُطر الحياة الدعوية الرصينة، حتى تستطيع أن تخدمها بأرواحها ودمائها، حتى إن سالت قطرة دم واحدة عطرت برائحتها الزكية قلوب المتلهفين للدخول في إسلامنا الحنيف، لذا حري بنا أن نأنف من الدخول في مراتب النفوس المريضة وملازمتها. فهي نفوس يجب أن تتربى لا أن نأخذ منها التربية.
وأخيرًا.. الوقت ينقضي
إنه لمن الصواب أن نتذكر دائمًا مقولة الإمام الحسن البصري -رحمه الله- كل يوم: «ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي منادٍ: يا ابن آدم، أنا يوم جديد وعلى عملك شهيد فتزّود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة»، هذه هي الأيام الجديدة التي تنقضي أوقاتها بشكل يعجز الفكر عن إدراكه، فكلما أتى يوم جديد بأثقاله وتبعاته. تنهض النفس للتفكير في كيفية استغلال أوقاته. وما إن تخطط إلا وترى اليوم قد انقضى، فلا مجال حينئذ للتسويف والتأجيل، بل علينا بالاستغلال الأمثل للفرص السانحة في كل لحظة من لحظات اليوم، لأن أعمارنا تنصرم، وأجالنا تقترب، ولا تزال بعض الأنفس اللاهية والعابثة في ميادين الشهوات لا تلتفت لانقضاء أعمارها. بل هي تعبث وتعبث ولا تلتفت لأهمية حُسن الخاتمة!! فالبدار البدار قبل فوات الأوان.