; المجتمع الثقافي.. عدد 1524 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي.. عدد 1524

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 26-أكتوبر-2002

مشاهدات 74

نشر في العدد 1524

نشر في الصفحة 48

السبت 26-أكتوبر-2002

جائزة فيصل.. البديل الأدبي للعرب والمسلمين

موجات من الإدانة لفوز كيريتش اليهودي بجائزة نوبل للآداب

  • يحلم بـ«إسرائيل الكبري» من النيل إلى الفرات.. وبالقدس عاصمة لليهود!

صلاح رشید

سجلت جائزة نوبل العالمية للآداب وصمة عار جديدة هذا العام، وصدقت تأكيدات الأوساط العلمية والأكاديمية والشعبية في العالم العربي الإسلامي عندما اتهمتها من قبل بالعنصرية والعداء التام للحضارة العربية الإسلامية والانحياز الأعمى للصهيونية العالمية والترويج للكتابات الموتورة الحانقة ضد الإسلام.

عزز هذه الاتهامات وخلع عليها وعلى لجنة الاختيار هذه الروح المتربصة حصول الروائي اليهودي العنصري المجري «إيمري كيريتش» على الجائزة هذا العام وهو المولود بين أحضان «الجيتو» اليهودي، وابن الصهيونية التي تحتقر العروبة والإسلام وتعتبر القدس عاصمة أبدية توراتية لهم.

وينطق كيريتش في أعماله الروائية ومقالاته من کونه يهوديًا عاش تجربة الهولوكوست على يد النازية وهو شاب صغير، لذلك أخلص لهذه التجربة في كل أعماله حتى أصبح صوتها، وهو ما رشحه لنيل الجائزة كما أعلنت حيثيات الأكاديمية بالسويد ذلك. 

وعن ردود الأفعال العربية تجاه فوز كيريتش اليهودي بالجائزة، وهل هناك نية مبيتة لإعطائها له في وقت يقتلع فيه السفاح الإرهابي شارون أهل فلسطين ويحصدهم حصدًا، وهل فقدت نوبل مصداقيتها إلى الأبد؟ ولماذا تعادي الأكاديمية كل ما هو عربي وإسلامي؟ كان هذا الاستطلاع:

كيريتش ليس أديبًا

يتهم الدكتور رشاد الشامي – أستاذ الأدب العبري بجامعة عين شمس – القائمين على الجائزة بالتربص بالقضية الفلسطينية واستقرار العرب والمسلمين، واستباحة حرية الكلمة والأدب، وإشاعة ما يسمى بالأدب النازي على يد مجموعة من الموصومين – حقًا – بالعتاة والخارجين على الأعراف والتقاليد والأديان، ولا يخفى أن فوز نايبول بها في العام الماضي كان دليل الإدانة الذي عرف المجتمع العربي الإسلامي بعنصرية «نوبل» واضطهادها للعروبة والإسلام على حساب كتابات سخيفة تقوم برعايتها وتشجيعها ومدها بالشهرة والمال، لكن النظرة الفنية الفاحصة لكتابات كيريتش الصهيوني – برغم قلتها – تكشف لنا عن إنتاج متوسط القيمة، يمتلئ بالعبارات المباشرة والسطحية، والتطرف في الحديث عن معسكرات النازية. 

ولأن كيرتيش لا يملك موهبة أدبية رفيعة المستوى، فإنه عمد إلى دغدغة مشاعر الأوروبيين والأمريكيين بحديثه الكاذب عن الاضطهاد والتشريد والنفي والسجن في «أوشفتيز» على يد الألمان، والدليل أنه كتب مقالًا في جريدة «هاآرتس» العبرية منذ ستة أشهر يتحدث فيه عن الانتفاضة ويصفها بمنظور يميني ليكودي متطرف فيقول: «إنني لأعجب.. كيف ينتحر هؤلاء الأطفال ويتساقطون بإرادتهم لكي يخدعوا الآخرين بأن ثمة هولوكوست في بلادنا».

إن كيريتش يربط بين معسكرات النازية، والانتفاضة التي يظن أن أبناءها يستشهدون فيها بدافع القهر لا بدافع الحاسة الدينية الوطنية، وفي المقال نفسه يتمنى إعلان قيام إسرائيل الكبرى وعاصمتها القدس، وأن يتم طرد الفلسطينيين إلى الأبد. 

سياسية حتى النخاع

الأديب والناقد الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي لا يرى في فوز كيريتش سببًا للتنديد بجائزة نوبل أو تعليق الآمال الكبرى عليها؛ لأنها – حسب كلامه – لیست جائزة عادلة ومحترمة، ولا يمكن أن تنظر إليها بنظرة الإنصاف لنا ولتراثنا وأدبائنا، فسجلها حافل بالمغالطات الحضارية، وبخضوعها للسياسات العالمية الإمبريالية، ولخدمة الساسة الكبار على حساب حقوق الشعوب المقهورة التي لا تملك لنفسها حولًا ولا قوة، وكم من الأسماء الأدبية الكبرى مثل على أحمد باكثير وأحمد شوقي ومحمد إقبال التي لم تفز بها، لوقوف القائمين عليها في وجه الأدب الأصيل المدافع عن القضايا المصيرية للعرب والإسلام، والداعي إلى إعلاء قيم الحق والخير والفضيلة.

صوت اليهود

ويتفق د. شوقي ضيف، رئيس مجمع الخالدين بالقاهرة والناقد الأدبي البارز، مع ما سبق قوله، مؤكدًا أن جائزة نوبل باتت بابًا لمحبي الشهرة وذيوع الصيت الذين يطمحون للفوز بها، مضيفًا أن معظم الفائزين بنوبل في السنوات العشر الماضية إما أنصاف أدباء، وإما سياسيون دخلوا حظيرة الأدب خطأ.. أما كيريتش هذا، فكما علمنا فهو أديب قليل البضاعة ضعيف الموهبة خدمته يهوديته واتجاره بمحارق النازية لكسب ود الجماعات المتعاطفة مع اليهود والصهيونية، ومن ثم تجاهلت الجائزة انعدام الخيال والفن في أدبه ولم تنظر إلا لكونه متعصبًا لحق اليهود الأبدي في فلسطين والقدس، وإدانته – الفجة – للانتفاضة، ونظرته الأحادية للقضية الفلسطينية، ولاعتباره اليهود شعب الله المختار، أما العرب فمجرد تابعين لهم.. لكن هذا يدعنا نتساءل: أليس من الأفضل أن نخلص لقضيتنا الحيوية، ولأدبنا العربي الإسلامي بالكتابة والمنافحة والتجديد والنشر والمتابعة مثلما فعل كيرتيش هذا الذي أخلص لقضيته – برغم عدم عدالتها – واكتسب حضورًا عالميًا، وعرف الطريق التي يصل عن طريقها للآخر، وللرأي العالمي، وهو المتطرف العنصري الذي خدع الناس بأدبه الساقط فنيًا وأخلاقيًا؟

فيصل بديلًا عن نوبل

ويدعو الدكتور محمد رجب البيومي، عميد كلية اللغة العربية بالأزهر، إلى أن يلتفت العرب والمسلمون إلى جوائزهم الخاصة، وأن يرفعوا من أسهمها، وأن يعلوا من قدرها على الصعيد العالي وأن يضعوها بديلًا عن نويل التي فقدت نزاهتها ومصداقيتها، وأصبحت حكرًا على اليهود والماركسيين والإلحاديين والفوضويين، ولهذا.. تقع المسؤولية على الأدباء العرب وعلى إعلامنا الذي يجب أن يسلط أضواءه على جائزة الملك فيصل العالمية في الأداب، لكي تكون جائزتنا الأولى، ولكي تحظى بالمتابعة والنشر والرواج، فضلًا عن كونها صوت المسلمين الأول في وجه دعاة الحداثة والتغريب والهولوكوست والصهيونية، وألا نقعد الدنيا وقيمها عندما يفوز نصف أديب موتور بنوبل، لسبب بسيط.. فـ«نوبل» لا يمكن أن تكون صوت الإسلام والعدالة، أما فيصل فإنها جائزة المسلمين الأولى التي ينبغي أن يلتفت إليها.

نوبل ضدنا للأبد

ويمعن الدكتور محمود علي مكي، أستاذ الأدب الأندلسي بآداب القاهرة، النظر في هذه القضية مركزًا حديثه على أن هذه الجائزة ماتت بفعل أصحابها الذين وأدوها على قارعة الطريق بانتهازيتهم وتغطرسهم وعنصريتهم، وممالأتهم القبيحة لليهود واستدرارهم العطف منهم بصورة لم تحدث من قبل، ويضيف: وما أفهمه أن السياسة الأمريكية لا صلة لها بعالم الأدب، وأن واشنطن لا تملي سياستها على الأدب العالمي، إلا أن أكاديمية نوبل للآداب ارتضت لواشنطن وللصهيونية العالمية أن تمتطي كل منها إياها، وأن تكون بوقًا لسياستها، ولمواقفها الظالمة في فلسطين. 

وشدد على أن على العرب والمسلمين أن يوصدوا باب نوبل وألا يهتموا بها سواء فاز بها يهودي بعد ذلك أم حانق على الإسلام، وأن يهتموا بأدبهم الحق وأن ينشروه في المحافل الدولية، وأن يعبروا عن القضية الفلسطينية في لوحة أدبية راقية تليق بعظمة الحدث لكي يقتنع بعدالة قضيتنا العالم أجمع، وألا يلتفت لتفاهات اليهود وصبيانهم.

 

إصدار جديد 

كيف نربي بناتنا على الحجاب؟

كتاب «كيف نربي بناتنا على الحجاب» للباحث خالد أحمد الشنتوت، يقع في «68» صفحة من القطع العادي، ويحتوي على مقدمة وخمسة فصول، خصص الفصل الأول للحديث عن حجاب المرأة المسلمة، وذكر أنه ثلاث مراتب: الأولى القرار في البيت، والثانية عدم الاختلاط، والثالثة لباس المرأة المسلمة عندما تضطر للخروج من بيتها.

وفي الفصل الثاني حاول الإجابة عن سؤال مهم: متى ندرب البنات على الحجاب؟ 

وقال إن التربية بالعادة ضرورية، وينبغي غرس عادة الحجاب عند الطفلة قبل أن يفرض عليها، كما نعود أولادنا على الصلاة قبل أن تفرض عليهم، أما الفصل الثالث فعنوانه: كيف ندرب بناتنا على الحجاب؟ وذكر فيه بالقدوة الحسنة، وحذر من القدوة السيئة وخاصة في التلفاز والمجلات المنحلة. 

ثم كان الفصل الرابع للحديث عن الحجاب والزواج، فتحدث عن الخطبة وأدابها ورؤية المخطوبة، وأخيرًا جعل الفصل الخامس لأنشطة البنات في البيت المسلم. 

يطلب الكتاب من دار المجتمع للنشر والتوزيع في جدة، ومن دار الجريسي في الرياض.

 

واحة الشعر

متى.. يا نجل المثنى؟

شعر: هاجر أحمد محمدي (1)

الليل يسكن في الدنا ويخيم * * * والكون بالصمت المريب مسوم

واليأس عاتٍ والمآسي جمة * * * والنفس من أعماقها تستفهم

حرفي ذوى كيف الفصاحة بعده * * * لغتي يقاتلها الزمان الأبكم

من أين يفتخر القصيد وينتشي * * * لحن الإباء وأمتي تستسلم

هذا هو التاريخ يروي مجدنا * * * ويعيد ماضينا فما يتلعثم

يختال في زهو ويشهد أننا * * * رغم المصائب أمة لا تهزم

يا أيها التاريخ سلني ما دهى * * * راعي الشعوب فيات يغفل عنهم

سلني عن الركب الشريد أما له * * * من وجهة يعدو لها وييمم

سلني عن الأطفال غاب معيلهم * * * في عالم الموتى لماذا يُتموا

إني لأسمع للرصاص – مزمجرًا – * * * نغمًا وفيه للعدو ترنم

وأرى العروبة ويحها لم ترعوي * * * رقصت على ألحان حرب تؤلم

وأرى الضحايا مُزقت أشلاؤها * * * وأرى السفوح وقد جرى فيها الدم

وأرى الأبي هو السجين بموطني * * * أما الطليق الحر فهو المجرم

هذى بلاد المسلمين مساجد * * * ومآذن تهوي وصرح يهدم

كوجرات تستجدي أناسًا ما بهم * * * من غزنوي (1) يرتجى أو يرحم

قتل العدا جمعًا يوحد ربه * * * والنار في أجسادهم قد أضرموا

وصدى أنين أحبتي يحكي لنا * * * مأساة أرض عاث فيها الظالم

وابؤسها تلك الربوع فكم بها * * * من غادة وعفيفة تستعصم

انظر ترى المليار كيف تخاذلوا * * * سمعوا الندا لكنهم قد أُلجموا

وترى الهوان وقد أناخ بدارهم * * * وترى القوى خارت وكل المعصم

وتأمل القدس الحزينة رامها * * * بالمسجد الأقصى عدو جاثم

من أین تنصر أمة تأبي العلا * * * وعلى بلاد الأنبياء تساوم

فتياتها أخذت تحيد عن الهدى * * * وشبابها بحطام دنيا مغرم

كم ناعق زعم السفور كرامة * * * ويظل يدعو للخنا لا يسأم

كمن من بغي رام نزع عقيدة * * * غراء تهدي من غووا أو من عموا

أفبعد ذا ندعو الإله ونبتغي * * * من عنده النصر المؤزر يقدم

لا لن نرى فجر الحقيقة بازغًا * * * مادام يغشانا الظلام القاتم

فالله ليس مغيرًا قومًا طغوا * * * حتى يهموا بالصلاح ويسلموا

فمتى نرى نجل المثنى هاتفًا * * * يا أيها التاريخ إني مسلم

أنا قصة من أحرف النور الذي * * * دانت له شمس الضحى والأنجم

أنا مقلة تسقي الربوع بمائها * * * لترى البلاد خريطة تتبسم

أنا صرخة دوت بآفاق الفضا * * * وسرت به کيما يفيق العالم

أنا من أخوض الحرب وهي شديدة * * * وأرومها والخيل عنها تحجم

أنا منيتي عند النزال شهادة * * * أعطى بها الفردوس فيما أنعم

أو نصر ديني فهو غاية مهجتي * * * حتى يدين له العدو العالم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محمود الغزنوي الذي فتح كوجرات. 

 

مكتبة الإسكندرية تعود بعد 15 قرنًا

تأمل في مضارعة مكتبة الكونجرس.. وأن تضم 8 ملايين كتاب

الإسكندرية «مصر»: محمد جمال عرفة

ما إن تخرج من المكتبة الكبرى التي تم افتتاحها في مدينة الإسكندرية الساحلية المصرية يوم 19 أكتوبر الجاري بحضور حشد ضخم من الزعماء العرب والأجانب والمثقفين، حتى تجد من يستقبلك بالطبول والدفوف على الطرف الآخر للطريق. 

والحقيقة أن هذه الطبول والدفوف ليست ترحيبًا بضيوف المكتبة، ولكنها تدق للعرسان الذين يتجمعون أمام باب هذا الصرح المعماري الكبير في تقليد جديد.. وبعدما كان من تقاليد أفراح الإسكندرية زف العريس والعروسة على عربة يجرها حصان أمام مسجد أبي العباس المرسى غير البعيد عن المكتبة، أصبح التقليد الجديد هو الزفاف أمام المكتبة.

افتتاح المكتبة زاد من آمال أبناء المدينة في تحويلها إلى واحدة من كبريات المدن الساحلية الثقافية، خصوصًا بعدما تزايد توافد الأجانب عليها لرؤية المكتبة والاطلاع على جمالها المعماري وآلاف الكتب التي تضمها، خصوصًا الكتب التاريخية القديمة وأمهات الكتب الثقافية التي تبرع بها العشرات من المصريين والعرب والأجانب. 

وزاد هذا الطموح في تحويل المكتبة إلى صرح ثقافي عالي كبير يضم 8  ملايين كتاب وتضارع مكتبة الكونجرس الأمريكية، بيد أن مدير المكتبة د. إسماعيل سراج الدين يعترف بأن المسائل المالية تعرقل هذا الطموح رغم وجوده، حيث تقدر موازنة تشغيل المكتبة بـ 20 مليون دولار فقط، في حين أن مكتبة الكونجرس تقدر موازنتها بـ 435 مليون دولار!

وتضم المكتبة قرابة 240 ألف كتاب في الوقت الراهن يسعى المسؤولون عنها للوصول إلى رقم 8 ملايین کتاب، بيد أنهم يلفتون الأنظار لإمكان مطالعة كتب أخرى عبر الدوائر الإلكترونية والإنترنت في مكاتب أخرى. 

ولكن الطموح لا يزال موجودًا مع توقع زيادة التبرع بالمزيد من الكتب والدوريات والمخطوطات في السنوات المقبلة، وزيادة الهبات المالية باعتبار أنها مكتبة شاملة تضم كتبًا ومخطوطات في كل مناحي الحياة مثل الفلسفة والأديان والتاريخ والجغرافيا والتقدم العلمي، وكذلك الأدب واللغات والفنون والثقافة والتنمية وإدارة الأعمال والعلوم والتقنية. 

وتضم المكتبة قاعة مطالعة هي الكبرى في العالم وثلاثة متاحف ومراكز للعرض، ومتحفًا أثريًا ومركزًا فلكيًا ومتحفًا للعلوم، فضلًا عن مئات المكاتب وأجهزة الكمبيوتر لتسهيل البحث بالنسبة للزائرين، كما تتضمن تسهيلات بحثية كبيرة للزوار. 

ويقول القائمون على شؤون المكتبة إن عدد الزائرين بلغ خلال فترة الافتتاح التجريبي قرابة 10 آلاف شخص يوميًا، مما يشير إلى أن العدد سوف يتزايد بمقدار النصف عقب الافتتاح الرسمي للجمهور الذي بدأ يوم 20 أكتوبر الجاري.

وقد حرص مصممو المكتبة ومهندسوها على التركيز على نظام الحريق الخاص بالمكتبة ووضع أكثر من إنذار على أحدث المستويات لاستكشاف الدخان والحرائق، حتى أن المشرفين على شؤون المكتبة يشيرون إلى أن أجهزة الحريق تكتشف أدخنة السجائر. 

والمعروف أن مكتبة الإسكندرية القديمة التي كانت موجودة قبل ميلاد المسيح تعرضت للحرق أكثر من مرة مما دمر محتوياتها، وكان الحريق الأول عام 48 ق. م إبان حرب الإسكندرية التي تدخل فيها يوليوس قيصر لمساعدة كليوباترا ضد أخيها بطليموس الثالث عشر، وفي هذه الحرب احترق ما يقرب من 40 ألف كتاب من حوالي 400 ألف كتاب موجودة في ذلك الوقت بالمكتبة. 

ولقد أهدى مارك أنطوني حوالي 200 ألف لفافة «كتاب» للملكة كليوباترا كنوع من تعويض خسائر الحريق الأول.

وفي القرن الثالث الميلادي، تعرضت أجزاء من المكتبة للتدمير والحريق إبان الاضطرابات والصراعات على السلطة التي هزت أرجاء الإمبراطورية الرومانية آنذاك. 

وحينما تم إعلان المسيحية ديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية، أصدر الإمبراطور ثيودوسيوس مرسومًا في عام 391 ميلادية يقرر هدم كل المعابد الوثنية بالإسكندرية، وقد اضطلع الأسقف ثيوفيلوس - أسقف الإسكندرية  من سنة 385 وحتى 412 ميلادية – بتلك المهمة، ولكنه هدم من ضمن ما هدم أجزاءً متبقية من المكتبة منها السرابيوم والمكتبة الملحقة به بعدما وصفهما بأنهما معقلان للوثنية. 

ولا يعرف مصير ما تبقى من المكتبة، ولكن المصادر تكاد تجمع على أن المكتبة لم يعد لها وجود منذ القرن الخامس الميلادي، وذلك قبل الفتح الإسلامي لمصر في عام 642م بما يربو على قرنين من الزمان.

دور أكبر للأجانب!

وعلى الرغم من أنه جرى تهميش دور العديد من المثقفين المصريين والعرب في مراحل بناء المكتبة وحتى مراسم الافتتاح في حين أعطي دور أكبر للأجانب في التصميم والبناء والديكور، فقد سعى المثقفون المصريون للإسهام بدور في إحياء المكتبة، وأهداها بعضهم عشرات المخطوطات والكتب القديمة، حيث تزخر مكتبة الإسكندرية بإهداءات شخصية نادرة قدمها علماء وأساتذة ومفكرو مصر تسابقوا لتقديم نوادر مكتباتهم الخاصة لإثراء المكتبة، كما وهب بعض الورثة مكتبات ذويهم القيمة لإدارة المكتبة. 

ورغم ذلك يلاحظ غلبة المراجع الأجنبية على العربية، واتباع نظم غربية في أرجاء المكتبة، خاصة أن تكاليف إنشاء المكتبة شاركت فيها دول أجنبية ومنظمات دولية، حيث تكلف المبنى الضخم 225 مليون دولار قدمتها مصر ودول عربية وأوروبية ومنظمة اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية. 

وقد ارتبط افتتاح المكتبة باسم فلسطين، إذ تأجل افتتاحها الرسمي في أبريل الماضي بسبب تصاعد الانتفاضة الفلسطينية وانتشار المظاهرات الطلابية في القاهرة والإسكندرية وغيرها من المدن المصرية ووقوع طالب مصري قتيلًا برصاص قوات الأمن من جامعة الإسكندرية، مما عكر الأجواء ودفع لتأجيل الحفل إلى أكتوبر لإتاحة الفرصة لإقامة الافتتاح في أجواء هادئة.

 

الوعي النخبوي العربي بين «نجمة السرّة».. ومكاييل أمريكا

عبد الله عيسى السلامة

في الخمسينيات من القرن الماضي، وتحديدًا عام 1958م، نشرت مجلة «المصور» المصرية تحقيقًا حول جدل كان يدور في الأوساط الفنية والثقافية، حول وضع النجمة على السرة في الرقص الشرقي..! ذلك أن إحدى الراقصات «المبدعات» كانت تؤدي رقصتها في أحد الأندية الليلية دون أن «تستر» سرتها بنجمة كما هو متعارف عليه في الأوساط الفنية، لا سيما الرصينة المحترمة منها! 

وبالطبع من يعرف الرقص الشرقي وطبيعته و«اللباس» الذي تلبسه الراقصة عند ممارسته، يدرك جيدًا أهمية ستر السرة.

تذكرت ذلك التحقيق الذي كنت قد قرأته في تلك الأيام، وتذكرت كيف أني تأثرت بوجهة نظر «الأخلاقيين» الذين كانوا يصرون على وجوب ستر السرة.. فالحشمة مطلوبة، إذ لا تكفي «أخلاقيًا» تغطية السوأة والنصف العلوي من الثديين، بل لا بد من تغطية السرة أيضًا، وإلا فما معنى صفة «شرقي» وأين القيم الشرقية الأصيلة؟

أقول تذكرت ذلك التحقيق، وتذكرت ذلك الإسهام «الجليل» الذي أضافه إلى بنية الوعي «الخلقي والاجتماعي» لديَّ في تلك المرحلة المبكرة من عمرى. 

لكن.. بأي مناسبة تذكرت ذلك التحقيق، وما الذي دفعه إلى ساحة الوعي لديَّ بعد ما يقارب خمسة وأربعين عامًا؟

إنها مكاييل أمريكا، بل الأدق: إنه تعامل بعض النخب العربية مع مكاييل أمريكا.. بعض النخب السياسية، والإعلامية، والثقافية، وربما الفنية.. ولست أجزم ما إذا كانت نخبة أنصار الرقص الشرقي منها أم لا!

أجل! إن النخب العربية التي تتبوأ مراكز القيادة والتوجيه في بلادنا، لا سيما في وسائل الإعلام هي – تحديدًا – التي دفعت ذلك التحقيق إلى سطح الذاكرة لديَّ بطريقة تعاملها مع مكاييل أمريكا «المزدوجة»!

فهل الربط واضح بين تعامل نخب الخمسينيات مع أخلاقيات الرقص الشرقي، وسرة الراقصة التي يجب سترها ، من أجل الحشمة.. وتعامل بعض النخب الحالية مع مكاييل أمريكا، التي يجب ألا تكون «مزدوجة»؟ أحسب الربط – بل أكاد أحسبه – واضعًا لكل عقل «نخبوي» يتصدى للتنظير في المسائل العامة السياسية والاجتماعية والثقافية.

وإلا، فلم سميت النخبة نخبة!؟ وهل الصفات «الكبيرة» تعطى بالمجان أو تباع في أسواق «البالة»؟

لن أتحدث عن عورات أمريكا، المفضوحة بصورة أشنع من صورة أي راقصة – شرقية كانت أو غربية – فهذا مما عرفته دهماء الناس وعامتهم، في قارات الأرض كلها، بله النخب المثقفة المتنورة.. فالربط ليس بين راقصتين، شرقية متخلفة، وغربية نصبت نفسها إمبراطورة على العالم! 

لا.. الربط بين تفكير نخبة وتفكير نخبة أخرى.. 

فلماذا؟

لماذا وقفت أخلاقيات تلك النخبة المثقفة – بعض النخبة – عند وجوب ستر السرة في جسد عار كله؟! ووقفت أخلاقيات النخبة الجديدة عند ازدواج المكاييل في سياسة مدمرة كلها؟! وما دور تلك الأخلاقيات الرفيعة في بناء الوعي الإنساني والاجتماعي والخلفي لدى الفرد في أمتنا؟ 

ثم ما دور الأخلاقيات السياسية الراهنة الرفيعة في بناء الوعي السياسي والثقافي لدى المواطن في عالمنا العربي اليوم؟

وإذا كانت الراقصة الشرقية – عارية الجسد – تضحك من «تزمت» تلك النخبة التي تأمرها بستر السرة..

وإذا كانت الراقصة الغربية الإمبراطورية – العارية من كل قيمة خلقية – تضحك، بل تقهقه، من «صرامة» نخبة اليوم التي تأمرها بتوحيد المكاييل السياسية.. فتعامل «إسرائيل» كما تعامل باكستان، أو الصومال، أو اليمن.. فهل ينبغي على جماهير أمتنا أن تضحك أم تبكي حين تصر نخبها التي تقودها، وترود لها مواقع الحياة الكريمة - والرائد لا يكذب أهله - حين تصر هذه النخب على تزييف وعي الجماهير بشكل بشع وبصورة متعمدة، وبتصميم غريب؟

عري الراقصة أمام الناس مقبول يسوغه «الفن»! لو غطت سرتها! وعربدة أمريكا وعبثها بمقدرات الدول والأمم.. كل ذلك مقبول تسوغه «القوة» أو يسوغه «التمدن» لو كالت بمكيال واحد في تعاملها مع «إسرائيل والسودان» أو مع «كندا وإيران» أو مع «بريطانيا وليبيا» أو مع «نيويورك ومقديشو»!

هل سألت النخب الكريمة نفسها هذا السؤال: لماذا يطلب من أمريكا أن توحد معاملتها مع الناس جميعًا، مع خصومها وحلفائها، ومع أنصارها وأعدائها؟!

أهي قاضٍ عالمي انتخبه العالم ليعامل أفراده بالعدل والمساواة والحيدة والنزاهة؟ 

وهل تقر النخب العربية لأمريكا بهذه الصفة؟ وإذا كانت لا تقر لها بهذه الصفة، فبأي منطق إنساني تطلب منها أن تسوي بين أعدائها وأصدقائها؟ وهل هذا التركيز على «وجوب العدالة» في تعامل أمريكا مع أعدائها وأصدقائها.. مما يصحح الوعي الإنساني والوطني لدى أبناء أمتنا، أم مما يزيفه ويفسده؟! 

قد نستطيع أن ندرك بعض الأسباب التي تدفع تلاميذ أمريكا في بلادنا، وأتباعها، والخاضعين لها، إلى التعامل معها على أنها «ولي حميم» متمثلين بقول الشاعر: «كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه»، والعيب الوحيد لأمريكا، هو عدم المساواة في التعامل مع الأعداء والأصدقاء!

قد نستطيع أن ندرك الأسباب لدى هؤلاء، التي تدفعهم إلى تزييف الوعي الإنساني والوطني لدى أبناء شعوبنا. 

فما بال الآخرين؛ الذين يعرفون حقيقة أمريكا، وحقيقة اندمجها التام في المصالح والمبادئ مع كيان اليهود في فلسطين؟ 

ما بالهم يرددون المصطلحات ذاتها، و«يعتبون» العتب ذاته على أمريكا، التي تغلغل فيها النفوذ اليهودي حتى النخاع، وحكوماتها كلها خاضعة له؟ أهي السذاجة، أم الغفلة، أم مجاراة التيار، أم الخوف من فضح حقيقة أمريكا؟

ترى لو سئل أحد أفراد هذه النخب:

هل تعامل أخاك كما تعامل ابنك؟ وهل تعامل ابن عمك كما تعامل أخاك؟ وهل تعامل الغريب كما تعامل ابن عمك؟ وهل تعامل عدوك كما تعامل صديقك؟ «وكل ذلك في مجال الصالح والمشاعر دون أن يكون له علاقة بالقضاء والتقاضي».. لو سئل هذه الأسئلة، فكيف ستكون إجاباته؟

وإذا كانت إجاباته كلها بالنفي، فكيف يسمي مطالبته لأمريكا، بأن تعدل بين أعدائها وأصدقائها في تعاملاتها المصلحية، ومعاملات الدول قائمة في المصالح؟ فلندع جانبًا مجال القضاء والتقاضي ولنقر بأن لكل منا آلاف المكاييل في تعامله مع أقاربه وأصدقائه وخصومه وأعدائه ومعارفه، على مستوى المصالح والمشاعر والمواقف والتفضيلات. 

وما ينطبق على الأفراد ينطبق على الدول.. فما معنى الثرثرة اليومية المستمرة التي تصدع الرؤوس في وسائل الإعلام حول ازدواجية لدى أمريكا؟ 

ومن المستفيد من هذه الثرثرة المضلة البائسة؟

وإلى متى يستمر مسلسل تزييف الوعي لدى أبناء هذه الأمة المثخنة بطعنات المحسوبين عليها قبل طعنات أعدائها؟

 

مجمع اللغة العربية بالقاهرة يناقش:

الانطواء الحضاري.. كيف يمهد الطريق أمام العولمة الثقافية؟

القاهرة: محمود خليل

  • بعيدًا عن الاندهاش والانبهار بالآخر.. الزمن يعمل لصالح المسلمين

حول التأثير المتبادل بين الثقافات العربية والأجنبية، أنهى مؤخرًا مجمع اللغة العربية بالقاهرة مؤتمره الثامن والستين بالتأكيد على أن أمتنا أصبحت في الخندق الأول من وجوب تحديد الهوية الثقافية الخاصة بها، وتحديد موقفها من الثقافات الغازية.

برئاسة الأستاذ الدكتور شوقي ضيف، رئيس المجمع، وبمشاركة الوفود التي مثلت أكثر من أربعين دولة عربية وأجنبية، تناولت بحوث ومناقشات الأعضاء والخبراء بالمجمع حركة التثاقف بيننا وبين الغرب، وخطورة استعمال اللغة الأجنبية لتلبية الاحتياجات الآنية والاستهلاكية التي تمثل ترفًا اجتماعيًا وثقافيًا، بعيدًا عن المشروعات النهضوية الشاملة التي تكون فيها اللغة الأجنبية مفتاحًا للتقدم ووسيلة لنشر الصورة الصحيحة عناء، وجسرًا علميًا آمنًا بيننا وبين الآخرين، وهذا من أكبر الأسباب الكامنة وراء إخفاق التثاقف بيننا، والذي ظهر بوضوح بعد الأحداث الأخيرة حين اشتدت الهجمات المغرضة علينا، فما وجدنا الأجنحة التي تعمق من تحليقنا في سماوات الآخرين.. اللهم إلا الأهداف الحيوية الكبرى للأمم والثقافات.

وعبر جلسات المؤتمر التي استمرت أسبوعين، ناقش الأعضاء عددًا من البحوث التي تناولت محاور الثقافة الأصلية التي تؤثر في غيرها، حتى وهي مغلوبة، فكلما كان شعب عصيًا على الذوبان في غيره، معتزًا بثقافته، كان أكثر تأثيرًا في غيره.

وحول «التثاقف السياسي والفكري»، تناول الدكتور أبو القاسم سعد الله، من الجزائر، التجارب النيابية التي تمت في كثير من البلدان العربية والإسلامية كمصر وتونس وسوريا والعراق ولبنان وتركيا، وكيف قطعت هذه التجارب أشواطًا بعيدة منذ عشرينيات القرن الماضي، والتي تمت في معظمها تحت ضغوط لممارسة حياة جديدة في النظم السياسية والتشريعية على الطريقة الأوروبية لا عهد للمجتمع المسلم بها، لأنها إجراءات قائمة على النموذج الغربي بداية من الخط الشريف العثماني عام 1839م، والخط الهمايوني عام 1856م، ثم تجارب إبراهيم باشا، ووالده محمد علي بمصر، وأحمد باي بتونس، ثم صناعة الأحزاب بالبلدان العربية والإسلامية المختلفة، كالاتحاد والترقي بتركيا، والدستوري بتونس، والوفد بمصر.

ويرصد الدكتور أبو القاسم سعد الله عدة مشاهد من هذا التثاقف الذي تأثر بأوروبا الاستعمارية في بدايته بأزمات الخوف والتقليد، ثم تأثر بعد ذلك بأمريكا باعتبارها وارثة التجارب الأوروبية مجتمعة، وظهور هذا الانطواء الحضاري والثقافي في ميادين الأدب والفن والفكر والفلسفة واللغة، مما كان له أثره الداهم في هذا الشعور المنهار حضاريًا، وفتح الطريق واسعًا أمام العولمة الثقافية التي توجب تداعياتها تفعيل كل عوامل الحصانة والحماية، ذلك لأن الثقافة الأصلية هي القادرة وحدها على التثاقف، أي على تبادل التأثر والتأثير مع الثقافات الأخرى، وهي التي تقبل التحدي حسب نظريات البناء والتفاعل الحضاري المعروفة، كنظرية «شبنجلر» في «سقوط الحضارة»، وعلى أبناء الثقافة العربية الإسلامية أن يعلموا أن الزمن يعمل في صالحهم، وعليهم أن يعوا دورهم بحيث لا يقعون في فخ الاندهاش والانبهار أمام الآخر، وعليهم أن يواجهوا ذلك بالاستجابة الواعية والإلهام المبدع بثقافتهم الحية، وتراثهم الأصيل ولغتهم الشريفة المتجددة.

بين النقل والتلاقح

وقد مر انتقال النتاجات الحضارية عبر عمليات عقلية متواصلة بعيدًا عن النقل والترجمة أو القسر والقوة، ذلك لأن الحضارات الناضجة المتسامية المنفتحة، يدخل ضمن منظومتها الحضارية هذا التبادل الحضاري، دون أن يكون لها هدف من إلغاء خصوصية الآخر.. وحول أنماط التفاعل الحضاري دار بحث الدكتور محمود حياوي حماش، رئيس المجمع العلمي العراقي، الذي تناول فيه التفرقة بين النقل والتلاقح، فالنقل يظل في الغالب سطحيًا وعارضًا غير مبرمج أو هادف، أما التلاقح فيتم عبر عمليات التفهم والتمثل والتعامل السلمي التفاعلي مثلما حدث مع الحضارتين المصرية والعراقية القديمة وانتقال نتاجها الحضاري إلى الإغريق، ومثلما مر بالحضارة الإسلامية من أطوار التاثر والتأثير في إطار خصوصية الدين واللغة والزمان والمكان والحضارة والمجتمع الممثل لهذا البنيان الحضاري الروحي الثقافي المتماسك.

ويعجب د. محمود حياوي حماش من الحضارة الغربية المتعالية، وكيف انحرفت حتى أصبحت محكومة بتوجهات تحمل سمات لا إنسانية، من الاستعمار إلى السيطرة على الآخرين واستغلالهم، إلى الميل والهوى في كل ما يتعلق بقضايانا العربية الإسلامية، إلى الحد الذي ترغب معه في سلب الشعوب والأقطار الأخرى حقوقها، وإرغامها على أن تتحول في بنائها الفكري والثقافي والاجتماعي وفق ما يخدم إدامة هذا الخلل الحضاري القائم على شروط السلب والتحول والإذابة في إطار «عولمة» القيم والمبادئ والأسس والثوابت التي ترتكز إليها الثقافة العربية والإسلامية.

وحول واقع اللغات الأجنبية في هذا التبادل الثقافي بيننا وبين الغرب، تناول الدكتور أحمد بن محمد الضبيب – من السعودية – تجاربنا الناجحة في التثاقف مع الآخرين، موضحًا شروط التفاعل دون الانخراط في أواخر القرن الحديث التي اعتمدت طريق التحديث لا التغريب، بعكس بلدان أخرى استسهلت طريق التعريب القائم على استيراد الثقافة دون مراعاة للجوانب الذاتية والتراثية، وتعاملت من منطلق التبعية لا الندية، بحيث أصبح تعلم اللغات الأجنبية – في معظمه – لا يأتي من باب التثاقف والتفاعل الواثق والإبداع والابتكار بقدر ما أصبح تكريسًا للتبعية، ونكوصًا عن الثقافة الأم واللغة الأم وانسلاخًا من الانتماء الثقافي في أهم ركائزه هو الانتماء اللغوي بكل ما تمثله اللغة من ذاتية وكينونة وتراث. 

ثنائية اللغة والتثاقف

لذلك.. سيقل الموقف من لغة الآخر مشوبًا دائمًا بالحذر، فيما يتعلق بالثنائية اللغوية التي اعتبرها تقرير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «علاقة صراع وصدام لا علاقة حوار وإثراء متبادل»، وذلك في تقرير لها حول واقع الثنائية اللغوية في أقطار المغرب العربي، وذلك بسبب التداخل الثقافي الناشئ عن التداخل اللغوي، وهو ما يسميه مؤرخو الذهنيات والمقارنة بين الثقافات «برؤية الأمة إلى العالم»، أي ما راكمته كل ثقافة عبر مكوناتها المعرفية من تجارب وتصورات وأحوال وأفكار وتطلعات.

ولمعالجة هذه القضية بشيء من العمق دارت عدة جلسات حول بحث الدكتور عباس الصوري عن «التداخلات اللغوية وأثرها في المجال الثقافي العربي»، حيث أكد أن التساكن بين ثقافتين مختلفتين في المنطقة نفسها من الرهانات التي لوحت بها الدول الاستعمارية في المظاهر، لكن الواقع أثبت أن ثقافة القوي هي التي تهيمن... وهذا عين ما تدعو إليه «العولمة» باعتبارها أداة حداثية تركن إلى ضبابية في المفهوم الثقافي، وتعتمد قوة مالية وتكنولوجية طاغية تخفي وراءها وجهًا كالحًا ومكشرًا بالنسبة للدول الضعيفة التي تسعى إلى توطين التكنولوجيا للخروج من أزماتها، ولن يتم ذلك بمعزل عن غزو ثقافي خطير، يتوجب معه تفعيل كل الاحترازات وتوفير الشروط الخاصة التي تحول دون تحول هذا الحوار الواجب بين طرفين إلى وقوف طرف واحد على أرضية التنازلات والقهر، ودفع التكاليف. 

وحول هذا المحور، أضاف الشاعر السعودي حسن عبد الله القرشي في بحثه عن «التأثير المتبادل بين الثقافة العربية والأجنبية» منذ تلاقت الفئتان في مسيرة التاريخ، مبرزًا دور العرب وتأثيرها البالغ في الثقافة الأوروبية، وتأثير الحضارة الأوروبية في الثقافة العربية في نواحٍ مختلفة، وذلك بناءً على مبدأ الأصالة بين الحضارات والثقافة، ودلل القرشي علي ذلك بمجالات الطب والجبر والهندسة والجغرافيا والكيمياء، إلى الحد الذي حدا بالمصطفى صلى الله عليه وسلم حين مرض الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص أن يقول للحارث بن كلدة: «عالج سعدًا مما به»، وكان الحارث على غير دين الإسلام، ولكن ذلك التأثير المتبادل كان يتم فوق أرض صلبة.

ثم توافدت مدارس التبادل الثقافي من بغداد إلى دمشق وقرطبة والفسطاط والقيروان.. حتى قلبت مبتكرات العلوم والصناعة كيان الغرب المادي والأدبي رأسًا على عقب، ونالت يد الانقلاب أوضاع الأسرة وحقوق التملك والديانة والأخلاق والمعتقدات، بما يمثل خطرًا يجب دفعه ضمانًا وأمانًا لمضمار الحضارة ومضمونها.

وتواكبت بحوث د. أبو القاسم سعد الله حول «اللغة العربية في الخطاب الرسمي» و«الشعر العربي ومولد الشعر الغنائي الأوروبي» للدكتور علي مكي.. لتستكمل رسم المشهد الثقافي المعاصر الذي فصله بحث الدكتور عبد الحافظ حلمي – عضو المجمع ورئيس الجمعية المصرية لتعريب العلوم - حول «العلم والقيم في التراث واللغة» في سياقه التاريخي والسياسي، وكيف يتم عقد المصالحة بين العلم والقيم، وأثر الإسلام في حل هذه الإشكالية باعتباره دين العلم في المقام الأول محفوظًا بإطار أخلاقي قويم، ذلك لأن العلم وحده لا يستطيع أن يحقق الأهداف الصحيحة للحضارة البشرية «فالحياة العلمية المعاصرة إذا أريد لها أن تكون حضارة خير، فلا بد أن توجه إلى خير البشر» على حد تعبیر برتراند رسل، وهو الأمر الذي حدا بالحضارة الغربية إلى أن تحذر من مغبة الفصل بين العلم والقيم، فخرجت عشرات البحوث والدراسات في هذا الصدد، منها في أواخر الثمانينيات كتاب «من المعرفة إلى الحكمة: ثورة في أهداف العلم وطرائقه» الذي أخرجه «نيكولاس ماكسويل»، داعيًا فيه إلى أنه ينبغي علينا في بحوثنا العلمية، أن نحرص على أن يكون ذلك معينًا على تنمية كل ما هو ذو قيمة وجدير بالوجود في الكون» وأن «هيروشيما» و«نجازاكي» كانا نتيجة لما درج عليه العلماء من الفصل بين المعرفة العلمية المتحررة من «القيم» «value free» وبين تطبيقاتها «المثقلة بالقيم» «value – laden»، وينبغي ألا يتم حكمنا على العلماء بالنظر إلى نشاطهم العلمي منعزلًا عن آثاره الاجتماعية والأخلاقية البعيدة.

تم تناول الدكتور عبد الحافظ حلمي عشرات الأمثلة من حالات الانفلات العلمي في مجالات الممارسات البيولوجية والطبية والنووية، طارحًا تساؤله المثير قائلًا: لذلك لم يكن غريبًا أن يتجه الغرب في هذا العصر إلى أصول الشريعة الإسلامية لكي يتلمسوا فيها ما قد يعينهم على كبح جماح العلم وشططه، وحسن توجيهه لخير البشر.

تم تناولت الجلسات الخاصة باللجان النوعية للمجمع عددًا من البحوث التخصصية التي قدمها أعضاء المجمع، مثل بحوث د. عبد الهادي التازي، ود. كمال بشر، ود. محمود فهمي حجازي، وفاروق شوشة، ود. محمد نايل وغيرهم، إلى جانب تخصيص جلسة كاملة لتأبين الأمين العام للمجمع العالم اللغوي إبراهيم الترزي الذي توفي أواخر العام الماضي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل