العنوان أغرب وأشجع تقرير لشركات التبغ يقول: «نحن قتلة»
الكاتب د. محمد علي البار
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1988
مشاهدات 78
نشر في العدد 861
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 05-أبريل-1988
بين يدي مجلة
"اللانست" الطبية البريطانية المشهورة (عدد 14 نوفمبر 1987)، وقد لفت
انتباهي تقرير صدر من أستراليا عن التدخين والصحة. لم يتحدث التقرير عن أضرار
التبغ كما هو معتاد في مثل هذه التقارير، بل جعل شركات التبغ نفسها تكتب الحقيقة،
وبدلًا من أن تكتب شركات التبغ أرقام المبيعات والمكاسب الضخمة التي تحققها سنويًا
بدأت بالاعتراف التالي:
"لمدة ربع
قرن من الزمان ونحن نحاول أن نخفي الحقيقة أو نخفف من وقعها على الجمهور، وقد
عملنا بشتى الوسائل الخفية والعلنية للتقليل من الأضرار الصحية لتدخين التبغ.
إننا نعترف الآن
أننا نقوم بقتل 23,000 (ثلاثة وعشرين ألف) مواطن من سكان أستراليا (وهي بلد قليل
السكان وأغلبه صحارٍ شاسعة) سنويًا، ولهذا فنحن نشعر بثقل المسؤولية ونحن لا
نستطيع أن نواصل الإعلان والترويج لمادة تسبب هلاك هذا العدد الهائل من البشر كل
عام. ومنذ عام 1962 وحتى عام 1984 قمنا نحن أصحاب شركات التبغ بقتل 470,000
(أربعمائة وسبعين ألف) مواطن أسترالي. وفي عام 1984 فقط قامت شركة روثمان بقتل
8000 شخص وقامت شركة أماتيل بقتل 6600 شخص وقامت شركة فيليب موريس بقتل 5500 شخص.
"إننا
نتحدث إلى حاملي الأسهم ونقول لهم بكل صراحة نحن لا نستطيع أن نروج بضاعة تقتل
عشرات الألوف من مواطني أستراليا وتسبب الأمراض والأسقام لمئات الألوف سنويًا. لقد
حان الوقت لنعلن بكل شجاعة مسؤوليتنا الكاملة عن هذه المأساة ولا بد أن نقوم
بمحاولة التخفيف من هذه الآثار المفجعة وأن نتحمل التبعات الضخمة الملقاة على
عاتقنا."
"لقد أثبتت
الأبحاث الطبية بدون جدال أن أهم سبب للوفيات في العالم هو تدخين التبغ، وأن أهم
سبب للأمراض والأسقام في العالم هو تدخين التبغ. لهذا نعلن بكل صراحة وشجاعة أننا
سنتوقف طواعية عن أي إعلان بأي وسيلة للتبغ كما أننا سنكثف من حملة التوعية بمخاطر
التبغ ونوضح للجمهور هذه المخاطر."
نعم، إنه أغرب
وأشجع تقرير رأيته في حياتي، أن شركات التبغ تكسب آلاف الملايين ومع هذا فقد بدأت
هذه الشركات تعلن بنفسها عن فداحة الجرم الذي ارتكبته في حق الإنسانية.
وللأسف فإن
شركات التبغ لها سياسات مختلفة في بقاع العالم.
ففي العالم
الثالث حيث البشر لا يساوون شيئًا تكثف هذه الشركات إعلاناتها وتزيد مبيعاتها.
أما في أوروبا
والولايات المتحدة وأستراليا حيث الحملات المكثفة ضد التبغ فإن هذه الشركات بدأت
تعترف صراحة بما اقترفته من جرائم قتل جماعية.
ولا شك أن شركات
التبغ العالمية تقتل في كل عام أكثر من مليون شخص سنويًا في العالم حسب تقرير
منظمة الصحة العالمية، وقد قتلت شركات التبغ خلال نصف القرن الحالي أكثر مما قتلته
الحربان العالميتان الأولى والثانية.
ومن المعلوم أن
الإنتاج العالمي للتبغ تسيطر عليه ست شركات عالمية ويسمونها الأخوات الست، مثل
الأخوات الست التي كانت تتحكم في إنتاج وتسويق البترول. ويكفي أن نذكر أن شركة
واحدة هي فيليب موريس تنتج وتبيع أكثر من 175 نوعًا من السجائر في 160 دولة وتتحكم
في 25 شركة مصنعة للسجائر ومجموعة من الشركات المتخصصة. وتملك الشركة الأمريكية
البريطانية للتبغ أكثر من 119 مصنعًا للسجائر في 52 دولة، كما أن شركة روثمان
البريطانية تملك العديد من الشركات والمصانع المنتشرة في مختلف بقاع العالم، وقد
قامت الملكة إليزابيث الثانية ملكة المملكة المتحدة بإعطاء وسام التصدير لشركة
روثمان عام 1983 لأنها حققت أكبر دخل في تلك السنة للمملكة المتحدة، وقد قامت هذه
الشركة بالتبرع لإسرائيل بخمسين مليون جنيه إسترليني من مكاسبها الخرافية.
ولعلم القارئ
فإن شركات التبغ الاحتكارية الكبرى تدفع كل عام ألفي مليون دولار سنويًا للدعاية
والتسويق، فكم يا ترى تكون مكاسبها؟
إنها أرقام
فلكية تصيب الإنسان بالدوار، ورغم هذا انحسرت مبيعات شركات التبغ في الدول
الغربية، ولكن هذه الشركات عوضت هذه الخسائر بمضاعفة مبيعاتها في العالم الثالث.
وكمثال بسيط
نورد هذه الأرقام التي نشرتها الغرفة التجارية في المملكة العربية السعودية، ففي
عام 1972 بلغت كمية التبغ المستوردة 4,575,000 كيلوجرامًا، وفي عام 1981 استوردت
المملكة 36,732,500 كيلوجرامًا، أي أن الكمية تضاعفت بأكثر من ثمانمائة بالمئة
خلال تسع سنوات فقط.
إن العالم
الثالث الذي تشكل الدول الإسلامية عربية وأعجمية أغلبيته الساحقة، هو المستهدف
أولًا وأخيرًا من شركات التبغ الكبرى، وخاصة بعد أن انحسرت مبيعاتها في الدول
الغربية انحسارًا كبيرًا.
ولا بد من وقفة
شجاعة مع النفس والاعتراف فورًا بأننا نواجه غزوًا مبطنًا ومعلنًا، وأن كل علبة
سجائر تدخل إلى بلادنا تستنزف صحتنا وأموالنا وضمائرنا.
إن السكوت أو
التغاضي عن هذه الجرائم المروعة هو في حد ذاته جريمة، وقد أعلن فقهاؤنا الأجلاء في
أكثر من مناسبة تحريم التبغ تحريمًا كاملًا، وكان من أشهر هذه المواقف الموقف
الإجماعي الذي قام به الفقهاء بتحريم التبغ في المؤتمر العالمي لمكافحة المسكرات
والمخدرات المنعقد بالمدينة المنورة في 27-30/5/1402هـ تحت رعاية صاحب السمو
الملكي الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء حفظه
الله.
ولا بد إذن من
تكثيف الحملات الإعلامية ضد التبغ ومنع بيعه للأطفال دون سن الرشد (18) عامًا على
الأقل، ومنع التدخين في وسائل النقل البرية والجوية، ومنع التدخين في جميع
المستشفيات والعيادات والدوائر الحكومية، والرقابة في تنفيذ هذه الأوامر السامية.
كما ينبغي أن يتضاعف سعر التبغ فعلبة السجائر أرخص لدينا من أي بلد آخر في العالم،
وعلينا أن نضاعف الجمارك عدة مرات حتى يبلغ ثمن العلبة عشرين ريالًا مثلًا، بحيث
يصبح استهلاك التبغ عبئًا ماليًا على كل مدخن، وفي نفس الوقت تضمن الدولة دخلًا
يقوم بعبء معالجة بعض الأمراض الناتجة عن التبغ والتي تتكلفه الدولة حاليًا. كما
ينبغي أيضًا منع دخول الصحف والمجلات المعلنة عن التبغ أو على الأقل نزع صفحة
الإعلان، وهذا الإجراء تتخذه المملكة بالنسبة للخمور وهو إجراء حكيم وصائب.
إن اتخاذ هذه
الخطوات يشكل في رأينا الخطوات الأولى لمنع التبغ مطلقًا، وهو الأمر الذي نادى
وينادي به علماء الإسلام الأجلاء والأغلبية الساحقة من الأطباء.