; تجربة ذاتية يرويها: أحمد عز الدين أمام المحكمة العسكرية العليا | مجلة المجتمع

العنوان تجربة ذاتية يرويها: أحمد عز الدين أمام المحكمة العسكرية العليا

الكاتب أحمد عز الدين

تاريخ النشر السبت 01-مارس-2008

مشاهدات 51

نشر في العدد 1791

نشر في الصفحة 32

السبت 01-مارس-2008

مصر

تفاصيل مثيرة في أغرب قضية برها الأمن للإخوان المسلمين (٦)

  • دار بيننا نقاش طويل حول طريقة التعامل مع القضية بين من يرى أن القضية محسومة مسبقًا ومن يرى أن الدفاع واجب لا ينبغي النكوص عن القيام به.

  • رغم علنية المحاكمة إلا أنه لم يسمح بدخول وسائل الإعلام أو منظمات حقوق الإنسان طوال الجلسات!

  • في الجلسة الأولى للمحاكمة تولى المتهمون الحديث والدفاع عن أنفسهم.

قبلت المحاكم - مرتين - التظلمات التي قدمها ١٣ ممن شملهم قرار الاعتقال, وتأخر قبول ٣ تظلمات لأسباب متعلقة ببعض الأخطاء الإجرائية, وكنت أنا منهم, وبصدور الحكم الثاني لصالح المعتقلين يتوجب على وزارة الداخلية الإفراج عنهم. إلا أن أجهزة الأمن دأبت على إعادة اعتقال الكثيرين: وكان بعضهم يغادر السجن إلى مقار مباحث أمن الدولة؛ حيث يعاد اعتقالهم وإعادتهم للسجن دون أن يتنسموا رياح الحرية، ولو ليوم واحد، وكان آخرون لا يغادرون السجن، ويعاد اعتقالهم وهم فيه!

أما بالنسبة للإخوان المسلمين، فقد كانت مسألة إعادة الاعتقال على الفور نادرة الحدوث، ولكن هل يعني ذلك أن يتم الإفراج عن تلك المجموعة، وفيها المهندس خيرت الشاطر المتهم رقم «۱» في القضية، وبينما لا يزال عشرون آخرون في السجن؟ إذا كنا نتكلم عن تطبيق القانون، فالإفراج هو الاحتمال الوحيد, أما بالنسبة لمن داب على عدم تنفيذ القانون، بل الاستهزاء به وبأحكامه، فمن المتوقع أن يكون هناك تصرف آخر!

رغم توقع النظام لصدور أحكام قضائية بالإفراج، إلا أنه لم يكن قد حدث أي ترتيب لما بعد هذه الخطوة.

وفي يوم ٢٤ من أبريل ٢٠٠٧م طلبت إدارة السجن من المجموعة المفرج عنها الاستعداد للتوجه إلى النيابة العسكرية في الخامسة مساءً، وهو توقيت غير معتاد بالنسبة للنيابة العسكرية, حتى تقوم النيابة العسكرية بإصدار أوامر جديدة بحبس المتهمين، وبعد أن ركبوا عربة الترحيلات, وبقوا فيها أكثر من ساعة أعيدوا للسجن مرة أخرى دون أن يتم الإفراج عنهم، ودون أن يصدر قرار حبس جديد لهم. 

وكان اليوم التالي ٢٥ من أبريل يوم إجازة رسمية، وفي يوم السادس والعشرين من أبريل تقرر استدعاؤنا جميعًا للذهاب إلى المحكمة العسكرية العليا، ومقرها داخل منطقة عسكرية مغلقة شرق مدينة القاهرة تسمى «الهايكستب»، كانت قاعة المحكمة مسرحًا تم تحويله إلى قاعة للمحكمة, الأمر الذي أصبح مثار تندر، فوظيفة المبنى لم تتغير، وإن اختلفت طبيعة المسرحيات والجمهور، فالسجناء وأسرهم والمحامون شهود لمسرحية هم أيضًا ضحاياها,

مسرحية هزلية لا علاقة لها بالقضاء. في الجانب الأيسر من صفوف المسرح أقيمت أقفاص حديدية ضيقة؛ حيث يضم القفص صفًا واحدًا من المقاعد الخشبية الصغيرة، وبطول ستة مقاعد، ويحيط القفص الحديدي بتلك المقاعد من كل الجهات، وفوقه سقف حديدي، ويفصل تلك الأقفاص جميعًا عن بقية القاعة سور حديدي مغطى بشبك حديدي، لا يسمح بمرور أصبع اليد، وهذه القاعة هي التي شهدت جميع المحاكمات العسكرية التي جرت للإخوان منذ عام ١٩٩٥م. ورغم علنية المحاكمة، إلا أنه لم يسمح أبدًا طوال الجلسات التي تعدت خمسين جلسة، حتى كتابة هذه السطور، بدخول أحد من وسائل الإعلام، بما في ذلك وسائل الإعلام الحكومية، ولا يسمح إلا بدخول أربعة أشخاص من أقارب كل منهم، ودخلت بنا عربات الترحيلات القاعدة العسكرية من باب غير الباب الذي يدخل منه الأهالي والمحامون, كي لا يروا المتهمين إلا عند باب المحاكمة.

 ومنع دخول أجهزة الهاتف المحمول وكاميرات التصوير، سواء مع المحامين أو الأهالي. 

المتهمون يدافعون عن أنفسهم

 كان من الواضح أن الجلسة الأولى للمحاكمة قد عقدت على عجل ودون استعداد، ولم تخطر المحكمة المحامين للحضور، كان السبب الرئيس لهذه الجلسة هو أن تصدر المحكمة قرارًا بحبس المتهمين لتجاوز عقبة الإفراج عن المجموعة, التي صدرت لصالحها قرارات بالإفراج، ودون اللجوء إلى إعادة اعتقالهم بقرار من وزير الداخلية. كان واضحًا أيضًا أن المحكمة لم تكن قد اطلعت على أوراق القضية التي جرى تحقيقها بعد ذلك بأكثر من شهرين في عدة مجلدات، ولذلك فقد طلب رئيس المحكمة اللواء «عبد الفتاح عبد الله علي», من المتهمين طلبًا غير مألوف في المحاكمات، فقد طلب من كل منهم أن يقف ويتحدث عن نفسه وعن القضية، وقد تحدث جميع الحضور الاثنان والثلاثون عن ظروف عملية الاحتجاز، ثم الحبس الاحتياطي والاعتقال, وعن تجاوزات ضباط أمن الدولة، وعن دعوة الإصلاح التي يعتنقها هؤلاء المتهمون ومكافحتهم للفساد, والخصومة التي حولها النظام إلى عداوة للمعارضة السياسية.

كما تحدثنا عن احترامنا للقوات المسلحة، ورغبتنا في أن تظل بمنأى عن ألاعيب النظام، وألا تستخدم مباحث أمن الدولة المحكمة العسكرية للتنكيل بالخصوم السياسيين, وألا تكون أداة لتصفية حسابات النظام مع خصومه.

كان بعض المتهمين من دارسي القانون, أو ممن مروا بتجارب سابقة في المحاكمات أو النيابات، ولذلك فقد قاموا بدور المحامين في غيابهم، وأوضحوا للمحكمة أن مجموعة الـ ١٣ الذين صدر قرار الإفراج عنهم، ينبغي أن يكونوا أحرارًا طلقاء، فكيف جيء بهم إلى المحكمة، وهم في الأغلال؟ وكيف تم إخطارهم لحضور جلسة المحكمة؟ إذ من المفترض أن يتم إخطارهم على عناوين إقامتهم، وهو ما لم يحدث!

 وهنا تكهرب الجو، وجرت بعض التحركات الغامضة في القاعة، وأعلن رئيس المحكمة أنه قد صدر قرار ضبط وإحضار خاص بتلك المجموعة بتاريخ ٢٤ من أبريل, وكانت تلك أولى الأخطاء: فقد تم تشكيل المحاكمة بتاريخ ۲۳ من أبريل، وبتشكيل المحكمة تزول كل سلطات النيابة العسكرية على المتهمين، ولا تملك إصدار قرار الضبط والإحضار، وقد طلب المتهمون الاطلاع على قرار الضبط والإحضار, لكن المحكمة لم تستجب للطلب. 

كما تحدث المتهمون عن انعدام قرار الحبس الاحتياطي لصدوره دون بيان الأسباب، وانعدام جريمة غسل الأموال لانعدام الدلائل, ولمخالفة النيابة للقانون حين وجهت تلك التهمة، وطالب الجميع المحكمة بالإفراج عنهم لانتفاء أسباب استمرار الحبس الاحتياطي.

محاولة لترطيب الأجواء

 وقد عمدت المحكمة منذ الجلسة الأولى إلى محاولة ترطيب الأجواء، وامتصاص التوتر، والتغاضي عن كثير من المراسيم الجافة التي تتسم بها قاعات المحاكم، وقد اتضح من خلال مسيرة المحاكمة أن المحكمة تميز بين أمرين: حسن المعاملة داخل القاعة، فقد أمر رئيس المحكمة في الجلستين الأوليين بتقديم المشروبات، وبعض المأكولات الخفيفة لنا داخل الأقفاص، وهو حين ينادي المتهمين بلقب أستاذ، ويطلب إدخال عدد من المراوح والمياه الباردة لنا في الصيف، ويسمح بزيارة الأهل لنا داخل الأقفاص خاصة الأطفال الذين يبقى بعضهم ساعات مع والديهم داخل الأقفاص، وقدم رئيس المحكمة التهنئة أكثر من مرة لبعض المتهمين الذين زوجوا أبناءهم، أو بناتهم أثناء فترة المحاكمة، كما قدم العزاء للأستاذ حسن مالك في وفاة شقيق زوجته، ورفع الجلسة مؤقتًا حين لاحظ دخول زوجة مالك القاعة باكية بعد جنازة أخيها. أما الأمر الثاني فهو يتعلق بسير المحاكمة؛ إذ لم تستجب المحكمة لكل طلبات الدفاع، وكل دفوعه القانونية، على كثرتها ووجاهتها، ومطابقتها للقانون، كما سيأتي تفصيلًا في حينه.

واستمرت المحكمة في تجديد أوامر الحبس لجميع المتهمين، فيما كانت المحاكمات السابقة تفرج عن بعض المتهمين، وتسمح لهم بحضور الجلسات والعودة لمنازلهم، بل إن المحكمة لم تفرج عن الأستاذ حسن زلط، وهو الذي قبض عليه وهو مريض بالقلب، وسبق أن أجرى أكثر من عملية جراحية في القلب، وقد بقي معنا في السجن ثلاثة أيام فحسب, ثم أصيب بأزمة قلبية حادة، فجرى نقله إلى مستشفى المنيل الجامعي؛ حيث بقي فيه إلى اليوم في مكان مغلق تحت الحراسة، وأثناء ذلك دخل غرفة العناية الفائقة أكثر من مرة.

ورغم حاجته الملحة إلى إجراء عملية قلب مفتوح، وإصابته بمضاعفات مرض السكري التي تهدده بفقد البصر، إلا أن ذلك لم يشفع له عند المحكمة.

كيف نتعامل مع المحكمة العسكرية؟

قررت المحكمة تجديد حبس الجميع لمدة ستة أسابيع، وأثناء ذلك جرى نقاش بيننا حول طريقة التعامل مع القضية، وقد كانت هناك وجهتا نظر:

 الأولى: ترى أن القضية محسومة مسبقًا، وأن الأحكام جاهزة ومعروفة، وأن تجارب المحاكمات السابقة تؤكد أنه سواء ترافع المحامون ودافعوا أم لم يفعلوا، فلن يؤثر ذلك في النتيجة بشيء، وأن كثيرًا من المحامين أدركوا هذه المسلمة، وقد اعتذر بعضهم عن المشاركة في الدفاع عنا بعد أن ترسخت لديهم القناعة بعدم جدوى الحديث، ويرى البعض أن ما يحدث في مثل هذه المحاكمات لا يمت للقضاء بصلة, وأن أفضل وسيلة في مواجهة مثل هذه المهزلة هو مقاطعتها.

وحتى المحامين الذين قبلوا المشاركة في الدفاع، فإن عددًا منهم يفعل ذلك من باب أداء الواجب المهني تجاه إخوانه؛ إذ لا يجوز التخلي عنهم.

أما وجهة النظر الثانية فترى أن علينا أن نأخذ بالأسباب، وأن الدفاع واجب علينا تجاه أنفسنا وأهلينا وإخواننا وقضيتنا، وأن هناك من يراقب جلسات المحكمة «وربما على الهواء مباشرة»؛ إذ توجد كاميرا فيديو تصور كل ما يدور في القاعة طوال الجلسات، كما أن هناك عددًا من المراقبين الذين يتبعون بعض الجهات الرسمية يحضرون الجلسات بانتظام, ويكتبون تقاريرهم عن سير المحاكمة ونحن حريصون على أن تصل وجهة نظرنا إلى تلك الجهات، وأن تنكشف أمامهم المهزلة، والدس الرخيص، والمخالفات الدستورية والقانونية، ومعذرة إلى الله, ولعلهم يكفون.

 وقد جرب الإخوان في محاكمات سابقة انسحاب المحامين، فكانت النتيجة أن تم لفلفة القضية وسلقها في عدد محدود جدًا من الجلسات، وعند انسحاب المحامين تقوم المحكمة بندب محامين عسكريين لاستيفاء الشكل فقط، وفي الحالات التي تم فيها ذلك كان المحامون المنتدبون يسيئون للمتهمين أكثر مما يدافعون عنهم، وربما لجأ لإلصاق التهمة بمتهم آخر, من باب الدفاع عن المتهم الذي تولى الدفاع عنه.

وعلى الرغم من عدم السماح بدخول وسائل الإعلام، فإن ما يدور بداخل الجلسة يتم تناقله خارجها عن طريق المحامين والأهالي، وقد نشرت بعض الصحف ومواقع الإنترنت تقارير عن مجريات المحاكمة، فضحت العوار الذي شابها والأخطاء الواقعة فيها، وإن كان من الملاحظ أن هناك تعتيمًا شديدًا ومتعمدًا على أخبار القضية وسيرها .

كما حاول العديد من مسؤولي منظمات حقوق الإنسان والمراقبين الدوليين حضور جلسات المحكمة، وقد منعوا من دخول قاعة المحكمة، وأدلوا بتصريحات تدين إحالة المدنيين للمحاكمة العسكرية، وتدين التعتيم الإعلامي المفروض على القضية، كما اطلعوا على كثير من الجوانب المتعلقة بالخصومة السياسية القائمة بين النظام والإخوان, وقدم بعضهم تقارير لجهات دولية وأخرى رسمية في بلادهم، وتحدثوا لوسائل الإعلام عما رأوه وشاهدوه بأنفسهم. 

و«المجتمع» ، ماثلة للطبع

أصدرت المحكمة العسكرية أحكامها على قيادات الإخوان المعتقلين ظلمًا نتناول الموضوع بالتحليل في العدد القادم إن شاء الله.

الرابط المختصر :