; من الحياة.. الشات والهوس العاطفي | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة.. الشات والهوس العاطفي

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2007

مشاهدات 72

نشر في العدد 1748

نشر في الصفحة 56

السبت 21-أبريل-2007

أجرى المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة دراسة علمية على مرتادي الإنترنت من الشباب العربي. وقد أشارت هذه الدراسة إلى أن ٦٥% من الشباب العربي الذين يتحدثون عن طريق الدردشة الإلكترونية الشات عبر الإنترنت هدفهم الأول هو تكوين علاقة عاطفية، دون أن يرى معظمهم الطرف الآخر في هذه العلاقة على الإطلاق، وخلصت الدراسة إلى أن وسائل الاتصال الحديثة. كالإنترنت والهواتف المحمولة. أصابت كثيراً من الشباب العربي بنوع من الهوس العاطفي، يؤدي إلى الاستغراق في أحلام اليقظة غالباً، حيث يحاول الشاب أو الفتاة تحقيق ذاته نفسياً وعاطفيا عبر التكنولوجيا، خاصة إذا فشل في تحقيق أحلامه العاطفية على أرض الواقع.

ويبدو لي أن النتيجة التي توصلت إليها هذه الدراسة قريبة من الحقيقة، وهي في الوقت ذاته تدق ناقوس الخطر، وتنذر بشرر وشر خطير، فقد قرأت بنفسي على أحد مواقع الإنترنت - ASSI haimaal-islam.com عنوان: صرخة فتاة من ضحايا الشات، قصة حقيقية تحكي فيها الفتاة مأساتها التي تقطر ألماً. إنها فتاة عربية عمرها سبعة عشر عاماً كانت متدينة، وكانت تكره الفتيات اللواتي يحادثن الشباب، فلما تعرفت على شاب وحادثته على الإنترنت وقع كل منهما في حب الآخر، على حد قولها، كما ذكرت الفتاة أن هذا الشاب في البداية كان يرشدها إلى الصلاح والهدى، وكانا يصليان معا في أثناء لقائهما. وأصبح هذا الشاب يسيطر على تفكيرها، ولم تعد قادرة على التركيز في دراستها، ثم تطور الأمر إلى المحادثة على الهاتف المحمول، وكذلك عبر هاتف المنزل، وعرف كل منهما مكان إقامة الآخر، وطلب منها أن يتقدم لخطبتها، فوافقت برغم أنها مخطوبة لابن خالها، لكنها فكرت في الأمر بعد ذلك فخشيت معارضة أهلها وعقابهم. فاعتذرت إليه عن عدم قبول الزواج فهددها بالاتصال على أهلها لفضح أمرها!! وهي الآن تخشى أهلها، وهي حائرة لا تدري ماذا تفعل. وخائفة وتريد الرجوع إلى الله، لكنها تخشى تهديد هذا الشاب، ولديها رغبة شديدة في الهداية بعد أن حرمت من مذاق الطاعة والعبادة، لأنها تركت الصلاة والعبادة، ويئست من الحياة وتود أن تموت اليوم قبل الغد على حد قولها!!

وثمة مواقف كثيرة أخرى طالعتها بنفسي منها ما علمته من خلال تصفحي لمواقع الإنترنت التربوية الهادفة التي تتصدى لعلاج مثل هذه المشكلات، وتلك التي كنت أقدم فيها الاستشارة، ومنها ما ذكر لي وعرض علي في دورات تربوية.

وفيما يلي سوف التقط للقارئ بعض هذه المواقف من واقع الحياة دون أن أذكر أسماء، ضحايا مرضوا نفسياً نشرت صحيفة الجزيرة حالات أصيبت بمرض نفسي من مستخدمي الإنترنت استخداماً سيئاً:

 (1) الحالة الأولى لشاب عمره أربعة وعشرون عاماً، يعترف أنه في طريقه إلى الهوس بالفعل، نتيجة حلمه الواقعي بإحدى الفتيات عبر الهاتف والشات منذ ثلاث سنوات، والغريب أنه لم يرها، لأنه في دولة وهي في دولة أخرى، ويقول منذ أن تعرفت عليها عن طريق الشات وأنا أعيش معها وحدها، أذهب إلى العمل وهي في مخيلتي، أعود إلى بيتي لأمارس كل حياتي معها لدرجة أنني أنادي أمي وأخواتي البنات باسمها، وذات مرة عندما كنت في حوار غاضب معها. استفزتني فصفعتها على وجهها، ولما أفقت اكتشفت أنني صفعت أختي في الحقيقة، لأن حبيبتي لم تكن معي في الواقع، بل كانت أختي هي التي بجواري مما دفع والدي إلى الذهاب بي رغم أنفي. إلى عيادة الطبيب النفسي، ولقد أكرمني الله وشفاني من هذا المرض، لأنني كنت ذا إرادة قوية للخروج من هذه الحالة، وقد شخص الطبيب حالتي بأنها هوس عاطفي، نتيجة الحرمان العاطفي على أرض الواقع.

(۲) فتاة لها عشرة فوارس هذه الحالة لامرأة عمرها خمسة وثلاثون عاماً، روى قصتها أحد الأطباء المعروفين، انطوائية بطبعها.

ولكنها أمام شباب الشات لا تجد أي حرج، فقد كانت تحلم دائماً بمواصفات معينة لفارس أحلامها، فوجدت تلك المواصفات في أكثر من شاب على الشات، حين تتحدث معهم، ويعددون لها مزاياهم، فترتبط بهم عاطفيا جميعا، حتى وصل عدد الفرسان إلى عشرة غير الذين تساقطوا في الطريق، أي اختفوا من على الشات أو لم يعودوا يتحدثون معها، وكان من أثر ذلك كله أن أصيبت بنوبات حزن وفزع أدت إلى نوع من الاكتئاب، أصابها بهوس عاطفي حقيقي.

(۳) دنجوان عصره: وفي حالة ثالثة يعاني صاحبها الاستغراق في أحلام اليقظة، ولا يعيش الواقع إلا نادراً، ذكر صاحبها أن سبب هذه الحالة أنه كان يحلم بأنه دنجوان عصره بحق، وفصل ذلك بقوله كنت أحلم بأنني الشاب الوسيم الجذاب جداً، كالفنان أحمد رمزي في شبابه، أو مثل عمر الشريف أو رشدي أباظة عندما تراني أية فتاة تنهار وتخر تحت قدمي وأنا لا أهتم لها.

وقد بدأ هذا الحلم معي وأنا في سن الخامسة عشرة من عمري، والآن عمري ثلاثة وعشرون عاماً، ولم يتحقق هذا الحلم إلا مؤخراً بعدما تحدثت على الشات مع الفتيات وكنت أعطيهن مواصفات لي تفوق الخيال، وأقول لهن معسول الكلام، وأغزل لهن أحلاماً وردية، فكن يرتبطن بي على الشات فقط، ولكنني في الواقع فشلت في الارتباط بأية فتاة منهن، لأنهن في الواقع لم يبدين أي انبهار بي، ولم تخر إحداهن تحت قدمي، لأنني أشترط ذلك للارتباط بفتاتي، وهو المستحيل بعينه، وبرغم أنني أعرف ذلك جيداً، لكنني لم أستطع الخروج من هذه الحالة، فجئت إلى الطبيب للعلاج.

(٤) تعيش حياة وردية: وفي حالة رابعة عاشت إحدى الفتيات حياة وردية خيالية، رسمها لها أحد شباب الشات وصور لها أنها تعيش معه في قصر ويخدمها الخدم والحشم، فكانت أمها تراجعها وتريد أن تردها إلى واقعها، وتقول لها إن هذا ضرب من الخيال يستحيل تحقيقه، فكانت الفتاة ترد على أمها قائلة أنتم تحقدون علي ولا تريدون لي الخير. وقد شخص الطبيب حالتها بالاستغراق في أحلام اليقظة التي صورها لها هذا الشاب، كما أصيبت بغرور من إفراط الشاب في الثناء عليها والتغزل بها حتى أشعرها بأنها ملكة متوجة، وليس من حق أي شاب أن يتقدم إليها، ومن ثم كانت ترفض أي شاب يتقدم لخطبتها، لأنها تعيش في أحلامها حياة القصور والتنعم والخدم والحشم مع هذا الشاب.

(٥) الحب الإلكتروني يتبخر في حالة أخرى. ومن خلال الدردشة الإلكترونية الشات، مال أحد الشباب إلى فتاة، وأحبها على حد قوله بل التقى معها على أرض الواقع، وكان لا يظن أبدا أنه يقدر على فراقها، لكنه عندما التحق بالجامعة أحب إحدى زميلاته. كما ذكر. فأنساه حب الجامعة حبه الإلكتروني الذي أصبح عبئا عليه، لأنه أيقن أنه ليس حباً حقيقياً، وإنما هو مجرد تجربة عابرة.

 (٦) هلوسة الحب وحتى صفوة المثقفين لم يسلموا من هلوسة الحب على الشات إلا من رحم ربي، فهذا طبيب يتردد على صديق له صاحب مقهى إنترنت، فلما ذهب الطبيب إلى صديقه بمقهاه وجده يتحدث مع إحدى فتيات الشات، ويحكي لها عن حبه لها ثم انقطعت العلاقة بينهما، وكأن شيئاً لم يكن، بل أعطى صاحب المقهى صديقه الطبيب بريدها الإلكتروني، كي يتسلى معها، على حد قوله. وبالفعل بدأ يلتقي معها من خلال الشات وهي لا تعرفه ومع مرور الوقت تطورت العلاقة بينهما. وهو الآن أمام مشكلتين، إحداهما مع أهله وكيف يصارحهم بهذه العلاقة، والثانية ترتبط بصديقه الذي كان يغازلها ويلاطفها، كيف يصارحها بأنه صديقه ؟ كما كان يخشى كمية الهواجس والمخاوف التي تساوره من عودتها إلى صديقه، ومن ثم تكون الخيانة.

(۷) فخ الهلوسة: أختم هذه القصص الواقعية بموقف عجيب لفتاة - أحبت كما تزعم شاباً من خلال الشات والتقيا على أرض الواقع وتواعدا بالزواج، ولكنها ارتابت في كونه على علاقة بعدد من الفتيات الأخريات، فغيرت اسمها ودخلت تتحدث معه على أنها فتاة ترغب في التعرف إليه ودار الحوار بينهما، وانتهت بإبداء الإعجاب، وتكررت اللقاءات على الشات ثم نصبت له الفخ بعد أن حصلت على رقم هاتفه، حيث أوهمته بأنها جميلة جداً، وتعيش بمفردها، وأنها راقصة مشهورة، وتريد منه أن يزورها الليلة في تمام الساعة الثالثة ليلاً، وأعطته عنواناً لبيت بجوار بيت عمها، وخططت للمبيت عند عمها في هذه الليلة، وتربصت به وفي تمام الثالثة ليلا كانت قد أعدت عدتها هاتف محمول به كاميرا، فلما جاء المخبول أطلت من شرفة غرفة عمها والتقطت له صورة لتواجهه بجريمته!!

وبعد هذه الوقائع أود أن أرسل إلى شبابنا وفتياتنا ورجالنا ونسائنا الرسائل التالية:

۱. احذروا خداع العواطف، فما يسمى الحب على الشات، أو على الخط عبر الهاتف ليس حباً حقيقياً هو خداع إلكتروني تكنولوجي، لأن الحب إحساس ومشاعر نبيلة تداعب الوجدان، وليس شفرات وذبذبات وكلمات من خلال جهاز وأسلاك، بل في كثير من الأحيان هوس عاطفي وهلوسة الكترونية تكنولوجية تؤدي بصاحبها في النهاية إلى مستشفى الأمراض النفسية.

٢. إن هذا الهوس العاطفي ليس حباً، ولا يمكن أن يؤدي إلى بناء علاقة أسرية ناجحة سعيدة، لأن الحياة الأسرية السعيدة تقوم على الثقة المتبادلة وأن يأمن كل طرف الطرف الثاني وهذا صعب إن لم يكن مستحيلاً، كما أن من العقل أن نعمل بتوجيه رسولنا الكريم. دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فبدلاً من اللجوء إلى تلك الوسيلة لتحقيق الزواج وإقامة الأسرة. وإن جاز ذلك. وفي ذلك ريبة، فلتكن الوسائل التي لا ريبة فيها.

0٣ للهوس العاطفي الإلكتروني مخاطره من التطرق إلى الألفاظ الجارحة التي تدغدغ مشاعر المراهقات أو العوانس فتدمر القيم والأخلاق، وتبلد المشاعر والأحاسيس فتصيبها ببرود عاطفي.

4. إن التعبير عن الحب من خلال التكنولوجيا ليس عيباً في حد ذاته، فقد يستخدم مع الزوجة أو من الزوجة مع زوجها في إطاره الخاص المنضبط، لكنه عندما يستخدم في علاقات غير شرعية فذلك هو الخطر المدمر.

5. إن الهوس العاطفي الإلكتروني هوس مشاع. على عكس الحب الحقيقي الذي يتمكن من قلب المحب فيظل معه حتى إذا افترق الجسدان.

٦. إن أحلام اليقظة هروب من الواقع، حتى يحقق الفرد الرضا، لكنه عندما يزيد على حده يتحول إلى مرض، لأنه يبالغ في تعويض حرمانه الواقعي في خيال واسع. فيكون كالمد من تماماً، مما يؤثر في ضعف الانتباه والتركيز أو يؤدي إلى الفشل الدراسي لدى الطلاب، كما يؤدي إلى ضعف الإنجاز لدى الكبار.

7. أن يسعى كل قائد بيت إلى إشاعة الحب بكل أنواعه بين أفراد البيت كل حسب علاقاته، فمن الأب والأم والأولاد مما يكون حب العطف والرحمة والشفقة، ومن الأولاد لأبويهم يكون حب التوقير والاحترام والتقدير، وبين الزوج وزوجته الحب الرومانسي القائم على المودة والرحمة والاستلطاف، وذلك لأن الحرمان العاطفي يكون سبباً رئيساً في ذلك الهوس العاطفي وتلك الهلوسة الخيالية.

الهوامش

  • http://saaid. Net/ dot/ assuhaim/ 125.htm.

  • http://www.al-jazirah.com sa/ magazine 21/10/2004/ karg 13htm.

  • http://www.islamonline.net/arabic/in_depth/cyber_counselor First_ Love/topic_ 02/0.. 5/4/20077

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 461

84

الثلاثاء 04-ديسمبر-1979

لقطات ووقفات.. العدد 461

نشر في العدد 1532

79

السبت 28-ديسمبر-2002

المجتمع الأسري (العدد 1532)