; الثورات العربية تهدم القوالب الغربية الجاهزة عن أمتنا | مجلة المجتمع

العنوان الثورات العربية تهدم القوالب الغربية الجاهزة عن أمتنا

الكاتب شادي الأيوبي

تاريخ النشر السبت 05-مارس-2011

مشاهدات 62

نشر في العدد 1942

نشر في الصفحة 10

السبت 05-مارس-2011

  • أثبتت الثورات العربية أن الأنظمة الشمولية كانت مسؤولة بشكل كبير عن معظم مآسينا وخلافاتنا.
  • كان الإعلام الغربي يروج أن التنظيمات المتشددة تسيطر على أفكار الشباب العربي والمسلم, ويفسر كل حركة يقومون بها على أنها انعكاس لأفكارها.
  • وأسرف في استعمال مصطلح «إسلامي» بدل مسلم لأن الثاني يدل على انتماء الفرد إلى الإسلام أما الأول فيظهر سعيه إلى «أسلمة» الغرب!
  • حرص الثائرون على الأمن العام ونظموا حركة السير ودافعوا عن المؤسسات العامة وقاموا بتنظيف الشوارع بعد انتهاء ثورتهم.

منذ أكثر من عقد من الزمان والمحللون والمتابعون الغربيون، ومعهم لفيف من المتغربين من أمتنا، يصنفون كل حركات وسكنات أمتنا ضمن قوالب جاهزة من التطرف والراديكالية ومعاداة الغرب وغيرها من القوالب الجاهزة.

فالذي يطالع عناوين ومقالات الصحف الغربية والعربية التي تنسج على منوالها خلال السنوات الماضية، يلاحظ مدى التضخيم والتهويل الذي كان واضحا في كل حدث أو تطور له علاقة بالعرب والمسلمين، ومحاولة ربطه بشكل أو بآخر بخطين معاديين للغرب - ظاهريًا على الأقل - ومعاديين أحدهما للآخر أيضًا، وإن كانت هذه العداوة محل شك في كثير من الأحيان.

الخط الأول: هو الخط الثوري الإيراني المصدر للثورة، والذي أريد له أن يشكل «فزاعة» تستخدمها الأنظمة العربية المستبدة لتخويف الغرب والمجتمع الدولي من كل مطلب عادل لشعوبها، وهذه النظرة كانت واضحة بشكل كبير أثناء الثورة المصرية حيث نشرت عشرات المقالات والتحليلات السياسية والمقابلات في الصحف الغربية، تخوّف من وصول الإخوان المسلمين بشكل خاص إلى الحكم ليشكلوا نموذج حكم شبيها بـ«النموذج الإيراني» و«حكم آيات الله»، أن العديد مع المحللين الغربيين العارفين بالمنطقة كتبوا مقالات جادة عن تفاهة هذه المقارنة وافتقادها للموضوعية، وعن الفروق الجوهرية بين الحالة المصرية والحالة مع الإيرانية، وانعدام أي علاقة بينهما. 

أما الخط الثاني: فهو خط الحركات المتشددة التي يُطلق عليها مصطلح الحركات الجهادية، وهو وصف مجانب للصواب حيث كانت خطايا وأخطاء كثيرة تلقى على شماعة هذه الحركات، وتُنسب بالتالي إلى العرب والمسلمين، ليظهر فيما بعد أن الكثير من تلك الخطايا جاء بتدبير من الأنظمة الشمولية؛ لكي تخوف المجتمع الدولي من شعوبها، وتُظهر نفسها في دور المدافع عن أقليات الشرق الأوسط في وجه «التطرف الإسلامي».

وأوضح مثال على ما نقول محاكمة وزير الداخلية المصرية السابق «حبيب العادلي» بتدبير تفجير كنيسة الإسكندرية، بعدما كان قد اتهم مجموعة من غزة بالجريمة.

لعبة المصطلحات

ترى هل كان محض مصادفة تسليط هذه القوالب الجاهزة على رقاب شعوبنا، لترمينا بالولاء لتيارين لا ثالث لهما، مع ملاحظة وجود ألف خط أحمر على مدى مصداقيتهما، حيث صار معروفا للجميع مدى اختراقهما من العديد من الجهات الأمنية والسياسية؟ 

لقد كان الإعلام الغربي يصور أن التنظيمات المتشددة تسيطر على أفكار الشباب العربي والمسلم، وكان يفسر كل حركة يقومون بها على أنها انعكاس لأفكار تلك التنظيمات وتأثر بها، حتى وصل الأمر إلى تصوير وصول المهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا بأنه عملية غزو إسلامية للقارة المسيحية، مع أنهم ليسوا إلا مجموعات من الشباب اليائس من الحياة الكريمة في وطنه، والساعي إلى حياة أفضل في بلاد تحترم كيانه.

وفي سبيل هذه الغاية، كان لا بد من إسقاط مصطلحات وتحييد أخرى؛ لكي تصبح التهم أكثر التصاقًا وفعالية، فأصبح الإعلام الغربي يزيد من استعمال مصطلح «إسلامي» بدل «مسلم»، لأن الثاني يدل على مجرد انتماء الفرد إلى دين الإسلام، أما الأول فيُظهره على أنه يتحرك ويخطط لـ«أسلمة» المجتمع الغربي وتغييره ولو بالعنف أو المراوغة!

كما كثر في الفترة الأخيرة اللعب على وتر الاستطلاعات والأرقام، فانتشرت استطلاعات الرأى التي تظهر عدم تقبل مسلمي أوروبا للاندماج في المجتمعات الأوروبية، ورفضهم لقيم الحرية والديمقراطية والمساواة بين الجنسين.

وظهرت أيضًا التقارير المغرضة التي تُظهر التنامي الكبير للمسلمين في الغرب، حتى يُخيَّل للمراقب أنهم «سيلتهمون» أوروبا خلال أعوام!

أبعاد عديدة

لقد أثبتت الثورات العربية، التي أشعلها الشباب وأكملتها الشعوب، مدى خطأ وتجنّي هذه النظرة، فلا الثورة شبيهة بما جرى في إيران من قريب أو بعيد، ولا شبابها كانوا على أي صلة بالتنظيمات المتشددة، وإن كانوا متدينين بفطرة العربي المتدين، بل إنها أخذت طابع الثورة على الظلم بكل أشكاله، ليشترك فيها المسلم والمسيحي والمتدين والعلماني والرجل والمرأة. 

وأثبتت الثورات العربية بعدًا ثانيًا، هو أن الأنظمة الشمولية كانت مسؤولة بشكل كبير عن معظم مآسينا وخلافاتنا، فالذي ينظر إلى مشهد «ميدان التحرير» في القاهرة، وصلاة المسلمين والمسيحيين فيها، يدرك أن معظم تلك الخلافات والاعتداءات التي كانت تُضخّم بين المسلمين والمسيحيين المصريين، كان من فعل النظام الذي كان يلعب على أوتار «الطائفية وينفخ في نارها، ليعيش فوق النار والدماء من الفريقين.

وكان من فضل ووعي الثورات أنها هدمت بعدًا ثالثًا آخر من القوالب الغربية الجاهزة وهو العربي المسلم الذي يرمي نفسه في مراكب متهالكة في البحر مع أول أزمة سياسية أو اقتصادية، ليصل إلى فردوس الغرب، وهو ما تم الترويع منه مع الثورة المصرية، فقد انتشرت مخاوف في الإعلام الغربي من مئات القوارب التي تحمل اللاجئين المصريين إلى أوروبا»، والتي بددتها الوقائع فيما بعد، وأظهرت هشاشتها وبعدها عن الواقع.

غيض من فيض

في المقابل، قدمت تلك الثورات نماذج «تصحيحية للعمل الثوري، فبدلًا من الفوضى التي يصنعها الثوار كما هو معروف حتى اليوم أصبح الثائرون هم الحريصون على الأمن العام ومنظمو حركة السير والمدافعون عن المؤسسات العامة والذين قاموا بتنظيف الشوارع بعد انتهاء ثورتهم. 

كما هدمت الثورات أخيرًا فكرة كانت غاية في السلبية عن منطقتنا، وهى أنها لا يمكن أن تتغير إلا بقوة السلاح أو إرادة الحاكم، وها هي اليوم قد تغيرت بقوة الإرادة وعزم الشباب، وردت على العنف والقتل بالصمود والتحدي حتى هزمته، رغم أنها لم تحظ بحماية غربية ودولية شأن الثورات البرتقالية الناعمة التي قامت في بعض الدول. 

هذا غيض من فيض القوالب الجاهزة التي هدمتها هذه الثورات المباركة، ويبدو أنها في طريقها إلى هدم المزيد منها. 

الرابط المختصر :