; المجتمع الثقافي (1555) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1555)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 14-يونيو-2003

مشاهدات 86

نشر في العدد 1555

نشر في الصفحة 48

السبت 14-يونيو-2003

الرافعي كيف رثى نفسه؟!

وماذا قال عنه كبار أدباء العربية؟

الشيخ محمد عبده: «أسأل الله أن يقيمك في الأواخر مقام حسَّان في الأوائل.»

صلاح حسن رشيد

تأتي ذكرى وفاة حجة العرب وإمام الأدب في القرن العشرين مصطفى صادق الرافعي (۱۸۸۰-۱۹۳۷م) هذا العام في ظل موجة عاتية من الضعف تسيطر على العالمين العربي والإسلامي، وحالة حد التردي والانسحاق الفكري والثقافي المسيطرة الآن على أرجاء العرب والمسلمين.

من كان سيواجه هذا الطوفان المدمر للعقلية العربية سوى الرافعي الذي خاض قلمه أعنف وأنبل المعارك الفكرية والأدبية والإسلامية دفاعًا عن التراث والهوية والإسلام واللغة العربية ضد الموتورين والمهرجين وأعداء القيم الإسلامية، والحاملين لأفكار وحياة الغرب على أرضنا العربية؟ وبمناسبة ذكرى وفاة الرافعي السادسة والستين تراجع بعض ما قاله عنه كبار أدباء وشعراء العربية في القرن العشرين سواء في حياته أم بعد وفاته، وما قاله هو عن نفسه:

بعد الموت.. ماذا أريد أن يقال عنى ؟

تحت هذا العنوان جاء مقال الرافعي في مجلة الرسالة المصرية عدد (٢٠٣) في ٢٤/٥/۱۹٧٣م، أي قبل وفاته بشهرين، بعدما سئل عن الموت، فأجاب: «ما الكلمات التي تقال عن الحي بعد موته إلا ترجمة في كلمات فمن عرف حقيقة الحياة عرف أنه فيها ليهيئ لنفسه ما يحسن أن يأخذه، ويعد للناس ما يحسن أن يتركه، فإن الأعمال أشياء حقيقية لها صورها الموجودة، وإن كانت لا ترى، وبعد الموت يقول الناس أقوال ضمائرهم لا أقوال ألسنتهم، إذ تنقطع مادة العداوة بذهاب من كان عدوًا، وتخلص معاني الصداقة بفقد الصديق، ويرتفع الحسد بموت المحسود وتبطل المجاملة باختفاء من يجاملونه وتبقى الأعمال تنبه إلى قيمة عاملها، ويفرغ المكان فيدل على قدر من كان فيه، وينتزع من الزمن ليل الميت ونهاره فيذهب اسمه عن شخصه، ويبقي على أعماله، ومن هنا كان الموت أصدق وأتم ما يعرف الناس بالناس، وكانت الكلمة بعده عن الميت خالصة مصفاة لا يشوبها كذب الدنيا على إنسانها، ولا كذب الإنسان على دنياه، وهي الكلمة التي لا تقال إلا في النهاية، ومن أجل ذلك تجيء وفيها نهاية ما تضمر النفس للنفس.

وماذا يقولون اليوم عن هذا الضعيف؟ وماذا تكتب الصحف؟ هذه كلمات من أقوالهم: حجة العرب، مؤيد الدين، حارس اللغة العربية صدر البيان العربي الأديب الإمام، معجزة الأدب! أما أنا فماذا ترى روحي وهي في الغمام؟ سترى روحي أن هؤلاء الناس جميعا كالأشجار المنبعثة من التراب عالية فوقه، وثابتة فيه، وستبحث منهم لا عن الجذوع والأغصان والأوراق والظاهر والباطن بل عن شيء واحد هو هذه السمرة السماوية  المسماة القلب، وكل كلمة دعاء، وكلمة ترحم، وكلمة خير، ذلك هو ما تذوقه الروح من حلاوة هذه الثمرة.

وقال عنه الإمام محمد عبده: «لله ما أثمر أدبك، ولله ما ضمن لي قلبك، لا أقارضك ثناًء بثناء، فليس ذلك شأن الآباء مع الأبناء، ولكن أعدك من خلص الأولياء، وأقدم صفك على صف الأقرباء، وأسأل الله أن يجعل الحق على لسانك سيفًا يمحق الباطل، وأن يقيمك في الأواخر مقام حسان في الأوائل».

وقال عنه الأديب عباس محمود العقاد: «إنه ليتفق لهذا الكاتب من أساليب البيان ما لا يتفق مثله لكاتب من كتاب العربية في صدر أيامها»

وقال عنه الزعيم الوطني المصري مصطفى كامل: «سيأتي يوم إذا ذكر فيه الرافعي قال الناس هو الحكمة مصوغة في أجمل قالب من البيان».

وقال عنه ربيبه وتلميذه ووارث علمه الأديب محمد سعيد العريان: «لقد عاش الرافعي غريبًا، ومات غريبًا، فكأنما كان رجلًا من التاريخ بعث في غير زمانه ليكون تاريخًا حيًا ينطق بالعبرة ويجمع تجارب الأجيال، ويذكر الأمة العربية والإسلامية بماضيها المجيد، ثم عاد إلى التاريخ بعدما بلغ رسالته، لقد خفت الصوت، ولكنه خلف صداه في أذن كل عربي، وقلب كل مسلم يدعوه إلى الجهاد المجد العرب وعز الإسلام».

 أما رائد الأدب الإسلامي نجيب الكيلاني فقال عنه: «لقد أدى الرافعي رسالة كبرى في معركته الفكرية الواسعة دفاعًا عن اللغة العربية وأصالتها ودفاعًا عن الإسلام وقيمه الغالية وحضارته الخالدة، وقد قرر في معظم كتاباته أن الحل الإسلامي هو الحل الصحيح لمشاكلنا، لكن ما معنى مؤامرة الصمت التي تقف اليوم إزاء تراث الرافعي العريق أهي جزء من المؤامرة الشاملة ضد الإسلام وأهله في هذا العصر أم هي مخلب من مخالب الغزو الفكري الذي يأبى إلا أن يطمس الحقائق النيرة الباهرة في تاريخنا الإسلامي المعاصر؟!.

أما أمير الشعراء أحمد شوقي، فقال فيه:

أعرني النجم أو هب لي يراعا  *** يزيد الرافعيين ارتفاعا

تأمل شمسهم وهدى ضحاهم *** تجد في كل ناحيـة شــعــاعــا

ورثاء الشاعر الكبير محمود حسن إسماعيل في عدد الرسالة (٢٥٥) في ٢٣ من مايو ۱۹۳۸ قائلًا:

لم يطب للنبوغ فيك مقام ***   لا عليك –الغداة– مني سلام

المنارات تنطفي بين كفيك! ***  ويزهو بشاطئيك الظلام

والصدى من مناقر البوم يحيا  ***    ويموت النشيد والإلهام

أنت يا «مصر» واصفحي إن*** تعتبت وأشجاك من نشيدي الملام

... قد رعيت الجميل في كل شيء ***    غير ما أحسنت به الأقلام

من روابيك خف للخلد روح***  قد نعاه لعصرك الإسلام

لبست بعده العروبة ثوبًا *** صبغ أستاره أسی وقتام

لم تفق من شجونها فيه «بغداد» ***  ولا صابرت أساها «الشام»

وعلى «بلدة المعز» دموع***    خلدت ذكره بها «الأهرام»

صاحب المعجزات أعيت حجا الدنيا   ***   وعيت عن كشفها «الأفهام»


  • ما وراء النص

في مجلة عربية مشهورة يحرص على مطالعتها العوام قبل الخواص، وجدت هذه الأسطر المسماة «قصيدة» تحت عنوان: «بيارق الفضيلة»، فقلت في نفسي:

ما أروعه من عنوان وبدأت أقرأ:

لا تثقبي رئتي يا نفسي الحزينة *** اشمخي بعنفوانك عاليًا

دعيه يرتقي ترقوة العنقاء  *** ولا تتشبهي بنؤنؤة النملة

تجاوزي حدود الانفصالية *** وترقبي دهدهات الفرح

وقطعت القراءة، وقررت أن أقابل هذا النص، والذي وقع تحت هذه الأسطر بعبارة: «الشاعر:...... »!! وتيسر لي اللقاء بعد أشهر عدة، وبعد حجز موعد مسبق عن طريق منسق مواعيد سعادة الأستاذ الشاعر!! بادرته بالكلام: لقد قرأت لسعادتكم بعض الأسطر، وأظن أن المحرر قد أخط ونشرها تحت مسمى «قصيدة».

ولا ... قاطعني قائلًا: اتهزأ بشعري؟!!

قلت: أبدًا - وأخرجت ورقة من جيبي – أنا أقصد هذه الأسطر، وقرأتها عليه.

فضحك بسخرية ثم أردف: وهل تسمي هذه اللآلئ الشعرية أسطرًا؟!! نعم هي شعر، بل أعذب الشعر.

تلعثمت وارتسمت على وجهي معالم الحيرة. ثم قال لي: يا بني تعلم، فنحن نرنو ونسعى إلى ما وراء النص.

قلت: ما وراء النص؟!

وأخذت أقلب الورقة وأنظر خلفها، ففهم ما أقصد وقال: الجاهل عدو نفسه.

فقلت له: عذرًا يا أستاذ، فإن كان الذي بين يدي علمًا، فالجهل به أسلم.

قال: ماذا تقصد؟

قلت أقصد أن هذه المجلة يطالعها عدد لا بأس به من شرائح المجتمع، فلم لا تخاطب الناس بما يناسب عقولهم وفهمهم، بدلًا من هذه الـ...

فقاطعني -بغضب-: بدلًا من ماذا؟!! عليك أن تفهم بأن العروض ليست حكرًا على أحد.

فقلت له: هذه دندنة معروفة، وعمومًا أشكرك على يراكك دحابير النوى.

فقال: وما هذه أيضًا؟! استهزاء أم شتم؟!! قلت: أبدًا، أبدًا، فأنا أشكرك ولكن بلغة «ما وراء النص»!!..


ومقال التاريخ: الله أكبر

شعر: د. محمد إياد العكاري

عظم الخطب والمصاب تجذر..*** وطغى الهول والمنايا تسعر..

وانتشى الظلم والرزايا جبال..***  جاثمات غربانها تتأمر

واشتكى الحال من ظلام مريع***  والخفافيش من رؤاه تبختر

ينعق البوم في الليالي نشيدًا***  فوق أوطاننا النعيب تنغر

مالها الساح بالدماء بحورًا؟!!***  والصواريخ في ثراها تفجر

وعيون البلدان تبكي عصورًا!!***  راعها درة الزمان تدمر

والحضارات أجهشت في عزاء!!*** حول أطلالها البيان تحجز

هذه الأرض قد تلوت وصاحت..*** تشتكي تشتكي وكم تتحسر؟؟

تشهد البغي قد تمادى فجورًا...*** تبصر الظلم واقعًا يتجبر

ومن الإفك والبلايا انشداه!!***  ومن البأس والدواهي تضور

أي هذا الطغيان آية جلي؟!***  تتراءى بعالم يتحدر

يتردى بحكمه أرطبونًا...******يحمل الصولجان كي يتصدر

يتمادى ولا يقيم كيانًا...******أمم الأرض دونه تتقهقر

يتألى على البسيطة قسرًا******لحقوق الشعوب كم يتنكر؟!

منطق ظالم وقطب مريد***   والمخازي بفسقه تتطور

للموازين كلها في ازدراء****** والقوانين بالعتاد تسطر

وسماع التصويت ما عاد يجدي*** والقرارات هكذا تتبخر

يعجب المرء والزمان عجيب!!***  والدواهي –والله– لا تتصور!

والرزايا تجتر أرضي وقومي!!***   والأمين التحرير ما عاد يظهر!!

والقرار القرار ما عاد حرًا******خطة أحكمت وأمر مدبر

يا لهذا السفور وجهًا قبيحًا***   والأيادي مما جنته ستخسر

تمتطي صهوة البلاد اغتصابًا***  فوق بنيانه الفساد تعمر

وتداعى القانون والأمن ولى***   مجلس صاغر وصرح يؤطر

وتبدى التحرير تبًا وسحقًا***   ما لهذا النظام كيف تحور!!

ومقام الأمين كيف تردى؟***   محن تجعل الجبال تفطر!!

فالعزاء العزاء يا صفو قومي***  أَليَل الليل والخطوب تنمر

والرؤى خيم الوجوم عليها***  والأحاسيس كالبراكين تضجر

حالنا يحفز الشعور قرارًا***   افترضي بواقع يتدهور؟!

تركب الوعر في الخطوب رجال*** لا تطيع الأهواء بالحق تزأر

ومن الدين تسترد شموسًا***   تبعث الهدي عالمًا يتحضر

همها ذروة العلاء امتطاًء***   تركب النجم والثريا تدثر

ترسم الدرب والقرار حكيم***  فالنواميس لا تحابي غضنفر

سيزول الطغيان والليل يمضي*** ومقال التاريخ: الله أكبر


مناقشة رسالة علمية تنقلب إلى مواجهة بين الإسلام والعلمانية: 

القاهرة: وصفي عاشور أبو زيد 

د. محمد عماره: الباحث عاش حربًا بين جبهتين.. جبهة البحث والتدقيق والمحنة النفسية مما قابله من افتراءات على القرآن.

تعرض القرآن الكريم لمناهضات عديدة منذ نزل على قلب محمد ، بداية من اللغو عند تلاوته حتى لا يتأثر الناس بهداه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾(فصلت:26) ومرورًا باتهامات مفتراة مثل قولهم: إنه سحر أو كهانة أو شعر أو جنون... إلخ، وانتهاء بمحاولات لمعارضته بكلام جاء في قاع الركاكة والسماجة، وظل القرآن يتعرض لمثل هذه المناهضات حتى عصرنا الحاضر، فإذا كان المشركون قالوا عن الوحي بأنه شعر فقد قال ورثتهم المعاصرون بأنه شعور داخلي، وإذا كان أولئك قالوا سحر فقد قال هؤلاء عبقرية وإذا كان أولئك قالوا كاهن فقد قال هؤلاء استبطان أو هذيان، وإذا كان أولئك قالوا جنون، فقد قال هؤلاء صرع أو هلوسة!

وهكذا فإن الشبهات التي طرحها أبو جهل، أو الوليد بن المغيرة أو اليهود القدماء يطرحها أتباعهم المعاصرون ولكن بصياغات جديدة وأشكال عصرية، تحاول أن تتسلل إلى العقول وتتسرب إلى الفكر، ولكن القرآن الكريم يظل -ولله الحمد- كالطود الشامخ لا يزيده الطعن والمناهضة إلا ثباتًا ورسوخًا. 

وفي هذا الإطار جاءت مناقشة رسالة علمية بقسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم بالقاهرة يوم ٣۱/٥/٢٠٠٣م، الموافق ٣٠ ربيع أول ١٤٢٤هـ. الرسالة عنوانها: «موقف الفكر العربي العلماني من النص القرآني، دعوى تاريخية النص نموذجًا» للطالب السوري أحمد إدريس الطعان الحاج، الموفد من جامعة دمشق، والذي حصل بها على درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى، وتكونت لجنة المناقشة من الأستاذ الدكتور السيد رزق الحجر أستاذ الفلسفة بدار العلوم مشرفًا، والأستاذ الدكتور حسن حنفي أستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة مناقشًا، والأستاذ الدكتور محمد عمارة مناقشًا.

وتطورت المناقشة من ملاحظات على الرسالة وتوجيهات للباحث إلى مواجهة بين تيارين فكريين التيار العلماني والتيار الإسلامي، ومثل التيار الأول حسن حنفي، ومثل التيار الإسلامي محمد عمارة. 

بدأ حنفي مناقشته، وبين أن الطالب يتخذ موقف الفقيه الأصولي الذي يحافظ على الهوية والثوابت، فهو يدق ناقوس الخطر في زمن كثر فيه الاجتهاد غير المنضبط غير أن هذا الموقف لا يتناسب مع موقف الفيلسوف العقلاني الذي كان ينبغي على الباحث أن يسلكه.

وأخذ على الباحث الجرأة الشديدة التي تتخذ مواقف مسبقة وتنطلق منها لتحكم على الأشخاص والأشياء، فالباحث يعلن أنه أصولي من البداية، وهذا في رأي الدكتور حنفي خطأ لأنه لا يتناسب وأصول البحث العلمي، فلنترك للقارئ في النهاية يحدد ما إذا كان الكاتب أصوليًا أو غير ذلك.

وأشار د. حنفي إلى أن الباحث في رسالته عادة ما يقسم الناس إلى ملائكة وشياطين ولا وسط بينهما، فالشيخ القرضاوي –حسب تعبيره– من الملائكة، والشيخ البوطي من الملائكة والشيخ عمارة كذلك، بينما حسن حنفي من الشياطين ونصر أبو زيد وغيره كذلك.

وشدد حنفي على اتهامات الباحث للعلمانيين بالغزو والتآمر بل بانهيار الأخلاق وأحيانًا بالشذوذ الجنسي، مشيرًا إلى أن الباحث يتخذ مواقف عدائية وهجومية ودفاعية، مما يتماشى –في رأي الدكتور حنفي– مع مواقف الفقيه الأصولي أكثر منه مع الفيلسوف العقلاني. 

ودعا إلى الحرية المطلقة في البحث العلمي التي ليس لها مرجعية عليا ولا قيود يتقيد بها مهما كانت بعيدًا عن العقائد والديانات والأصول والثوابت، فلا تبحث بصفتك مسلمًا أو نصرانيًا أو غير ذلك، إنما ينبغي أن تتجرد من كل هذا متبنيًا البحث والتدقيق بعيدًا عن خلفيات مسبقة أو مرجعيات معينة لأن الحق –كما يرى الدكتور حنفي– متعدد في كل المجالات بإطلاق، في الفروع وفي الأصول، فالبحث العلمي يجب ألا يكون إلا للبحث العلمي، وليس لعقيدة من العقائد أو ديانة من الديانات.

وزاد د. حنفي بقوله: «نحن نقبل كلام الله ونقبل كلام الشيطان، فهناك حرية مطلقة في الأقوال والأفعال وفي قبولهما، وأشار إلى أن الإنسان هو محور الكون على حساب التقديس الخاص الذي تتعامل به العقيدة مع الخالق سبحانه وتعالى، واستشهد بآيات تكريم الله للإنسان في القرآن الكريم ﴿۞وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾(الإسراء: ۷۰)، مشيرًا إلى أن لفظ الجلالة «الله» لا يعبر إلا عن وعي الإنسان، وما صفاته وأسماؤه -تعالى الله علوًا كبيرًا- إلا آمال الإنسان وغاياته التي يصبو إليها، وكل صفات العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة كلها صفات الإنسان الكامل فالحقيقة –عند د. حنفي– هي الإنسان والواقع الذي يعيش فيه، ولذلك فاصطلاح الإنسان الكامل أكثر تعبيرًا من لفظ الله!

والتوحيد -عند د. حنفي- ليس توحيد الذات الإلهية كما هو الحال في علم الكلام الموروث وإنما هو وحدة البشرية، ووحدة التاريخ، ووحدة الحقيقة، ووحدة الإنسان، ووحدة الجماعة، ووحدة الأسرة، فالمهم هو إيجاد الدلالة المعاصرة للموضوع القديم، وتخليصه من شوائبه اللاهوتية.

ويرى حنفي أن العقائد ليس لها صدق داخلي، ولا يوجد دين هو دين في ذاته، والوحي هو البناء المثالي للعالم، والمطلوب هو تحويل الوحي إلى أيديولوجية وإلى علم إنساني، والعلمانية هي أساس الوحي، فالوحي علماني

في جوهره والدينية طارئة عليه من صنع التاريخ، تظهر في لحظات تخلف المجتمعات وتوقفها عن التطور، والتراث عمومًا قضية وطنية لا دينية، ومادة التراث يجب أن نسقطها كلها من الحساب وتستبدل بها مادة أخرى جديدة من واقعنا المعاصر، والإلحاد –في رأيه– هو التجديد والتحول من القول إلى العمل، ومن النظر إلى السلوك، ومن الفكر إلى الواقع، إنه وعي بالحاضر ودرء للأخطار، بل هو المعنى الأصلي للإيمان!

وطريق الخلاص –كما رسمه حنفي– هو الانتقال من العقل إلى الطبيعة، ومن الروح إلى المادة، ومن الله إلى العالم، ومن النفس إلى البدن، ومن وحدة العقيدة إلى وحدة السلوك، ومن العقيدة إلى الثورة. 

وفي المواجهة تحدث الأستاذ الدكتور محمد عمارة، واقترح على الطالب أن يسمي رسالته «غلو الفكر العربي العلماني تجاه النص القرآني»

بدلًا من تسميتها: «موقف الفكر العربي العلماني من النص القرآني»، مشيرًا إلى أن هناك «العلمانية الشمولية»، و«العلمانية الجزئية» و«الغلو العلماني»، وأحيانًا يصل إلى الفجور العلماني، وبين الدكتور عمارة أنه خبر التيار الماركسي عشر سنوات، وكان فيهم زعيمًا وقائدًا أيام كانت الماركسية تهتم بالأمور الاجتماعية والعدل وغير ذلك، وحين سقط المشروع العلماني الماركسي لم يبق منه إلا الإلحاد والزندقة، فجرحوا في العقائد والثوابت، واستخدموا المصطلح الديني لتفريغ الدين من محتواه. 

وشدد الدكتور عمارة على أنه ينبغي أن يكون لنا انتماء لهذه الأمة، وأن تكون لنا ثوابت ننطلق منها وتعامل الأشخاص والأشياء بما تمليه هذه الثوابت التي تحفظ على الأمة شخصيتها وهويتها، وأشار إلى أن هذا الانتماء الإسلامي يقاتل اليوم في جبهتين: جبهة خارجية تمثلها القوى الغربية من سياسات عدوانية وفلسفات منحرفة، وجبهة داخلية تتمثل في النهوض بالعقل المسلم، والمحافظة على الهوية العربية والثوابت الإسلامية، ولا يجوز أن تنفلت بعيدًا عن عقيدتنا وهويتنا التي تحفظ على الأمة تفردها وتبقي لها شخصيتها، وبين الدكتور عمارة أن انطلاق بعض العلمانيين وراء فلاسفة الغرب دون وعي بعد منزلقًا خطيرًا، بل هو أخطر المنزلقات، وكارثة فكرية، ذلك أننا نردد ما يقوله الغربيون ونستعير منهجيتهم في التغيير حذو النعل بالنعل دون مراعاة للفوارق بين حضارتنا وحضارتهم. وأوضاعنا المختلفة وأوضاعهم لنطبقها على القرآن الكريم، وعقائد الإسلام وشرائعه وقيمه.

وأكد د. عمارة أن التأويل الغربي الذي اقتبسه العلمانيون العرب قد فرغ الدين من محتواه، وأخرج النصوص الدينية من الحقيقة إلى المجاز، وسعى إلى «أنسنة الدين» أو صبه في قالب إنساني بعيدًا عن الألوهية والقداسة، فهو شبيه بتأويل الباطنية الذين يرون لكل حقيقة مجازًا، ولكل ظاهر باطنًا، ولكل تنزيل تأويلًا بتعميم وإطلاق. 

وركز الدكتور عمارة على أن معارف شرائع الرسالات السماوية التي سبقت الرسالة المحمدية وشريعتها الإسلامية كانت موقوتة وليست خالدة وخاتمة؛ ولذلك فإن «التاريخية» واردة في هذه المعارف، أما في الشريعة الإسلامية الخالدة والخاتمة بكتابها الخالد والخاتم أيضًا، فإن التاريخية غير واردة عليها مطلقًا، خصوصًا وأن هذا النص قد وقف في التشريع عند فلسفة التشريع وقواعده الكلية، ولم ترد فيه تفاصيل التشريع ومتغيراته، أي أنه جاء بالثوابت وترك المتغيرات للفقه –علم الفروع– المرن والمتطور دائمًا في ضوء هذه الأصول والكليات، وعلى ذلك تكون استعارة «تاريخية المعرفة» -كما صاغتها فلسفة التنوير الغربي- إنما تغفل عن هذه الفروق بين الشريعة الخاتمة والشرائع الموقوتة والمرحلية وتسوي بين الشريعة التي وقفت عند الأحكام والثوابت، وعند فلسفات التشريع وكلياته، وبين الشرائع التي أتت بالأحكام التفصيلية للواقع المتغير، ولو أننا طبقنا «التاريخية» على الشريعة الخاتمة وعلى أصول الدين –كما حدث في الفلسفة الوضعية واللاأدرية– لأدى ذلك إلى تجاوز الدين عقيدة وشريعة وقيمًا وسلوكًا إلى رموز وفكر إنساني، أو في أفضل الحالات إلى ميتافيزيقا، وفي ذلك إزالة لكمال وختام حجة الله على عباده «دين الإسلام». 

وأشار الدكتور عمارة إلى أن الباحث عاش حربًا في جبهتين الجبهة الأولى هي جبهة البحث والتدقيق وتحقيق المسائل بين المصادر والمراجع المختلفة، والجبهة الثانية جبهة المحنة النفسية التي عانىٰ فيها الافتراءات والاعتداءات المختلفة على القرآن الكريم مما حمله على أن يعبر بألفاظ فيها بعض الجرأة وشيء من التجاوزات. 

وأشاد الدكتور عمارة بالرسالة وأنها جاءت على مستوى كلية دار العلوم التي أخذت على عاتقها منذ نشأتها الدفاع عن المقدسات، وحفظ الثوابت، وحراسة هوية الأمة، وشخصيتها في مواجهة العلمانيين والمتغربين .

صدر حديثًا:

«الأمن النفسي»:

إن الأحداث المحيطة بالأمة أحداث عظيمة والمتربصين بها كثر، والتهديدات التي تتهددها متنوعة من كل حدب وصوب، وهذا كله أمر يدعو للقلق والخوف، واليأس والإحباط، والوسوسة والتوهم، ولكن الله تبارك وتعالى لم يكن ليترك عباده المؤمنين يتخبطون في هذه الظلمات، بل إنه يثبتهم ويربط على قلوبهم ويطمئنهم، ويذهب عنهم الخوف والوجل، والقلق واليأس، ويفتح أمامهم أبواب الأمل، ففي الآيات القرآنية وثنايا السنة النبوية، الكثير من المبشرات والمثبتات لنا معشر المسلمين، فنحن حزب الله المنصورون، وجند الله الغالبون، والعاقبة لنا ولو بعد حين فلن يستطيعوا منع الشمس من الظهور، ولا نور الله تعالى من الانتشار. 

تقرأ في هذا الكتاب المراد بالأمن وأهميته، ثم تعرض المقومات الأمن النفسي من الإيمان العميق، والتوكل على الله، وذكر الله تعالى ودعاؤه والالتجاء إليه، ومعرفة شأن القضاء والقدر، وأهمية الصبر وأثره عند البلاء والامتحان، ثم يطلعنا على المبشرات والمثبتات من القرآن والسنة، وسير الصحابة والسلف وما في ذلك من طمأنينة الإنسان وتثبيته عند الأزمات.

الكتاب: الأمن النفسي - المؤلف: د.محمد موسي الشريف 

الناشر الأندلس الخضراء- جدة

بين العلم والحفظ:

د. حافظ جنيد

في الماضي كان يقولون: «العلم في الصدور لا في السطور»، أما اليوم فإن هذا القول لم يعد صحيحًا، فقد أصبح العلم في السطور لا في الصدور، وواضح أن سبب هذا الانقلاب لمعنىٰ العلم يعود إلى: أولًا لأنه لم يعد العلم استظهارًا حفظًا لما قاله الأولون، حيث كان معظم مجال العلم في الماضي محصورًا. في التصورات العقلية، بعيدًا كل البعد عن المجال الذي يعمل فيه العلم الحديث. وثانيًا فإن العلم الحديث قد كثرت معطياته وأرقامه بشكل كبير جدًا في كل من الحقول التي يعمل فيها المختصون، بحيث لا يفكر أحد من المختصين مثلًا في أن يحشو ذهنه بهذه الأرقام والمعطيات، لا سيما وأنه يستطيع أن يحصل عليها عند الحاجة إليها بسهولة وبسرعة ودقة كبيرة، إن العلم الحديث قائم على المشاهدة ودقة الملاحظة والتجربة إن العلم الحديث يخضع للقياس «للميزان» وكل ما لا يقاس أو لا يمكن قياسه فليس بعلم. لذا نجد أن العلم بمفهومه الغربي قد استبعد أمورًا كثيرة مهمة في حياة الإنسان وأخرجها من دائرة العلم لأنها لا تخضع للقياس بالمفهوم الذي وضعه، وهو المقياس المادي. لقد أخرج العلم الغربي الدين والأخلاق من دائرة العلم لأنها لا تخضع للقياس برأيه لأنها أشياء معنوية شخصية متباينة، نعم إننا نقر ونعترف بأن ما لا يخضع للميزان بالمصطلح القرآني وهو ما يقابل بالمقياس، ليس بعلم ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾(الرحمن:7)﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾(الحديد: ٢٥) إلا أن الميزان أو المقياس الذي لا يخطئ في هذه الأمور هو العاقبة أو العواقب أي النتائج، فإنها أفضل ميزان للحكم على صحة شيء من هذه الأشياء أو نفعها أو ضررها. 

إن مجال العلم الحديث هو الكون بشقيه المادي والمعنوي، وهو ما دعاه القرآن بآيات الأنفس والأفاق حيث قال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾(فصلت: ٥٣)

فآيات الآفاق «الكون المادي»، وآيات الأنفس «الكون المعنوي النفسي»، هي مجال عمل العلم الحقيقي الذي حدده القرآن، وليس هناك مجال آخر لعمل العلم، إلا أن الغرب قد حصر مجال عمل العلم في الجانب المادي فحسب، وهذا قصور في مفهوم العلم الغربي، لقد نجح الغرب نجاحًا باهرًا في هذا المجال، حيث سار على درب تسخير جميع ما خلق الله لهذا الإنسان من الكون المادي، من أجل رفاه الإنسان «وليس رفاه كل إنسان وإنما الإنسان الغربي فقط»، وعيشه المادي الرغيد، مع استبعاد وإغفال الجانب الآخر للعلم وهو المجال النفسي «الدين والأخلاق» ومن هنا سقط الغرب في رذيلة العلم رذيلة الاستكبار واستبعاد الناس له من دون الله، وهذا هو التأله والتربب على الناس﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۚ ﴾(القصص: ۷۸)، لقد أصبح العلم بهذا المفهوم الغربي مقصورًا على دراسة وكشف القوانين المادية التي تحكم الحياة والكون، من أجل تسخيرها لخدمة ورفاه فئة خاصة من الناس الغربيين وليس لجميع الناس، بل لفئة خاصة من الغربيين تطغى على الناس وتستعبدهم، ولا يتجاوز عددها ۲۰% من البشر، بعد هذه التطورات التي حدثت لم يعد العلم يعتمد كثيرًا على الحفظ، بل أصبح يهتم بالمحاكمة واكتشاف القوانين وتسخيرها لخدمة الإنسان.

ولعل مما قلل من أهمية الحفظ وضرورته، تلك التطورات المتتابعة التي طرأت على فن «صياغة» الكتب وتبويبها وفهرستها بحسب الموضوعات من جهة، وبحسب المكتشفات والمكتشفين والعلماء من جهة ثانية، بل وبحسب «الكلمات» العلمية المرجعية التي يحويها الكتاب كل ذلك في جدول خاص يأتي في آخر الكتاب ليدل على رقم الصفحات التي توجد فيها تلك المعلومات. كل هذا قد تم قبل اختراع «الكمبيوتر»، ذلك الابتكار الإنساني الخلاق، الذي إن دل على شيء في هذا الإنسان، فإنما يدل على أن فيه نفحة من روح الله، جعلته ذا قدرة على الإبداع والاختراع لقد فاقت طاقة هذا المخترع الإنساني، كل طاقات البشر مجتمعين من علماء وغير علماء، في حفظ المعلومات وتبويبها وفهرستها وإجراء المقارنات بينها والقيام بالحسابات العلمية الفلكية، وإعطاء المعلومات حول موضوع من الموضوعات بسرعة فائقة ودقة عالية تفوق كما قلنا دقة وسرعة جميع علماء الأرض المختصين مجتمعين، ثم تلا ذلك مجيء «الإنترنت» «شبكة المعلومات اللامركزية» التي تربط العالم من أقصاه إلى أقصاه بشبكة المعلومات التي يحتاجها الناس على اختلاف حاجاتهم وتخصصاتهم العلمية بكل فروعها والاقتصادية والتجارية والإعلامية والدعائية والترفيهية والتعليمية والتدريسية لمن يريدون التخصص في فن من الفنون إلى غير ذلك كثير إن «الإنترنت» هو هذا الأسلوب الجديد في التواصل بين بني البشر فهو يزودنا بأي معلومة نريدها، كما يوصل ما عندنا إلى الآخرين على الشكل الذي نريد مكتوبًا أو مقروءًا أو مسموعًا أو مرئيًا وخلال فترة وجيزة.

أين يتم تخزين المعلومات؟

لقد تطور معنى العلم تطورًا جذريًا بعد اكتشاف هذه التقانات وتعميمها بين الناس. لقد أصبح العلم يقاس عند الإنسان بقدرته وكفاءته على التعامل مع هذه التقنيات وتسخيرها لخدمته وخدمة الإنسانية جمعاء، إنها تقدم لنا المعلومات جاهزة على طبق من ذهب. 

لقد فات وذهب أوان «تخزين» المعلومات في الذاكرة، في ذاكرة الإنسان الضعيفة، ولئن كانت الذاكرة القوية عند الإنسان، هي من نعم الله على الإنسان في العلم، وأن آفة العلم -كما كانوا يقولون- النسيان، فإن من نعم الله التي لا تحصى هذه النعم الجديدة التقانات التي منَّ الله بها على الإنسان ليتمكن من الإقلاع في حمل الأمانة التي حملها هذا الإنسان، وأبَت السموات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها، وليؤدي دوره الذي اختاره الله له في أن يكون خليفته في الأرض. إن آفة العلم اليوم عجز كثير من الناس من أمثالنا أن نفيد من هذه النعم علينا. وكيف نفيد منها ونحن لم نعرفها أو نعلم بوجودها إلى وقت قريب مع أنه قد مضى على وجودها واستخدامها عقود، ونحن لا نزال نتشبث بمنعها وتحريمها لئلا تزعج النائمين وتعكر أحلامهم.

إن هذه التقنيات الحديثة قد وفرت للإنسان الحصول على ما يريد من معلومات بسرعة وسهولة كبيرة، وأعفته من بذل الجهد للتذكر والبحث الشاق عنها، بحيث أصبح بالإمكان تحويل تلك الطاقة اللازمة من أجل جمع المعلومات وترتيبها، ليفيد منها في إنتاج الجديد من العلم. 

لنعد بعد هذا التذكير السريع بالتطورات الجديدة التي حدثت في خدمة العلم، لنعد إلى البحث عن واجبنا نحن المسلمين تجاه ديننا وأمتنا والعالم أجمع علينا أن نسرع في الإفادة من هذه التقانات الحديثة ونسخرها لخدمة ديننا وكتاب ربنا علينا أن نوجه طاقتنا لتعلم واستعمال هذه المبتكرات الجديدة.

لم يعد العلم حفظًا، لم يعد العلم تكرارًا لما كتبه السابقون، لم يعد العلم نبشًا للتراث، العلم هو أن تحسن وتتمكن من الإفادة مما هو جيد وحسن ومفيد مما قدمه السابقون «التراث» واللاحقون مما قدمه ويقدمه غيرنا، لتنتقل إلى المشاركة في إنتاج العلم، وإبداع الجديد مما هو أحسن وأفضل بأقل زمن وأقل إنفاق للطاقة وهذا مدلول قوله تعالى: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ ﴾(الملك: ۲) إن من يطلع على ما حدث من تطورات ثقافية حديثة يعلم علم اليقين، أن الأمة وثقافة الأمة إلى ضياع وزوال إن لم تسرع هذه الأمة لتأخذ دورها ومكانها في استخدام وتوظيف هذه التقانات للحفاظ على بقائها، هذا هو دور العلم في الوقت الحاضر، انتهى دور الحفظ والاستظهار، دور الذاكرة البشرية، حتى لقد أصبح المهتمون المتابعون يخشون من حدوث تأثيرات عكسية على الإنسان مما يوقع الناشئين في سلبيات هذه التقانات.

إن المهتمين بفحص بنية المجتمع في الولايات المتحدة بدؤوا يشعرون بالخطر من تأثير هذه التقانات السلبية، حيث أخذوا يلاحظون أن كثيرًا من التلاميذ في المدارس لا يتقنون جدول الضرب ولا يحسنون إجراء العمليات الحسابية الأربع، إن هذا من السلبيات الخطرة لهذه التقانات إن لم ينتبه إليها، إن القاعدة العامة في ذلك –كما يعرف الجميع– أن لكل اختراع أو أي شيء مهما يكن إيجابياته وسلبياته، حتى الغذاء والدواء، والإنسان هو الذي عليه أن يفيد من الإيجابيات ويبتعد عن السلبيات ويحذر الوقوع بها ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ ﴾(الأعراف: ۳۱)

تربية الضمير.. أسمي درجات المراقبة:

قراءة في كتاب: «الرقابة الأسرية في عصر البث العالمي المباشر من وجهة نظر المعلمين»

عرض: أنور إبراهيم

من المهم الحديث عن دور الرقابة على التلفاز ومشاهدة الأطفال له، مما يدفع الخطورة عن الأمم ذات الخصوصية، وخاصة الخصوصية الدينية مثل البلاد الإسلامية، وهذا الكتاب يناقش موضوع الرقابة على التلفاز بإجراء دراسة ميدانية على مجموعة من معلمي المراحل المختلفة. ودورهم وطريقتهم في الرقابة على أولادهم وكيفية المنع «بالإقفال أحيانًا وبالمناقشة أحيانا أخرى» الكتاب يناقش مشكلة، كما ينتهي إلى عدد من النتائج والتوصيات. 

يقول الكاتب: إن الإعلام وجد بوجود الإنسان، والتلفاز من أكبر المؤثرات الإعلامية، ولقد لفتت السنة المطهرة الأنظار إلى أهمية الرؤية، فقال ﷺ: «رحم الله أخي موسى أخبره الله – سبحانه وتعالى – أن قومه قد ارتدوا فلم يلق الألواح، ولما رآهم ألقاها فليس المخبر كمن رأى» والأقمار الصناعية وطريقة البث المباشر جعلت التلفاز أداة جذابة تشغل الأطفال وتتأثر باهتمامهم.

وموضوع الدراسة هو الرقابة على التلفاز وأهميتها داخل الأسرة السعودية والدراسة محاولة للإجابة عن سؤال: ما مدى وجود الرقابة من قبل الأسرة على برامج التلفاز التي يشاهدها أبناؤها؟ وهل يترتب على عدم الرقابة أي أخطار؟ وما هي؟ وما الرقابة التلفازية؟ وهل يمارس أولياء الأمور من المعلمين الرقابة على التلفاز، وما وجهة نظرهم حيالها ؟

وأهمية الدراسة تنبع من أهمية موضوع الرقابة في المجتمع، حيث إن الأطفال يمكثون الساعات الطويلة أمام التلفاز، حتى إن إحدى الدراسات أثبتت أن الآباء لا يمنعونهم عن المكوث أمامه فترات طويلة مما يشير إلى انعدام الرقابة أو ضعفها الشديد.

الرقابة والبث المباشر:

الرقابة تقييد رسمي لأي تعبير عام يعتقد أنه يهدد السلطة الحاكمة أو نظام الآداب، وهناك نمطان للرقابة:

  • مانع: قبل النشر.
  • عقابي: بعد النشر.

والرقابة في المجتمع السعودي، وقاية وحصانة للمجتمع عمومًا بجميع مستوياته وأفراده من التأثير المضر. 

الرقابة والحرية: المعنى اللغوي للحرية: الشرف والطيب وكرم الأصل، فالأحرار من الناس أخيارهم، والمعنى الاصطلاحي القدرة على معرفة ما لا يضر الآخرين، والحرية قسمان:

  • مادي «المسكن والمهنة».
  • معنوي «الفكر والاعتقاد»، وفي الإسلام تعني التمتع بكامل الحرية، شريطة ألا تخرج عن حدود الله. 

خلفية تاريخية: عرفت الرقابة عند اليونان وفي بريطانيا، وارتبطت بالغرض السياسي والإسلام شرع الرقابة، وجعل في يد الرقيب نوعين من الروادع هما:

  • رادع شرعي غير خاضع للاجتهاد البشري ورادع خاضع للاجتهاد «التعزيزات»، والرقابة في الإسلام أنواع هي: رقابة الضمير من داخل الإنسان، ورقابة المجتمع برفض السلوك الشائن، وهذا ديدن المجتمع الإسلامي، وتنقسم رقابة المجتمع إلى:

رقابة عامة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، ورقابة خاصة، وهي مراقبة رب الأسرة للأطفال وهي موضوع الكتاب.

أهمية الرقابة: للرقابة أهمية كبيرة وضرورة لمنع خطر التلفاز ببرامجه التي تمتاز بقدر كبير من السطحية والتفاهة، كما أن رقابة الأطفال لها أهمية أيضا لأن التلفاز يسيطر على أذهانهم إذ يشاهدونه يوميًا، ويعتبر وسيلة ترفيه مهمة عندهم، ولذا كانت المراقبة تربي الطفل إيمانيًا وخلقيًا وعقليًا وعلميًا، وبذلك تكتمل نفسية الطفل.

يتحدث الكاتب عن إيجابيات البث، ومنها جعل الصلة بين المشاهد والبرامج أكثر حرارة، ومتابعة أحداث العالم أولًا بأول، وله أيضا سلبيات منها أن بعض البرامج تشرف عليه الكنائس، وهو ترسيخ للهيمنة الفكرية الغربية وتشجع الطلاب على تناول المخدرات والجريمة، ويتحدث الكاتب عن السياسة الإعلامية في السعودية، وأن هدفها تأصيل مبادئ الإسلام وترسيخ العادات العربية، وتدعو إلى التضامن العربي .

المؤلف هليل بن محيسن بن سراج العميري 

الناشر: جامعة أم القري سلسلة الرسائل العلمية

الرابط المختصر :