العنوان علم الدعوة وقائد مسيرة الخير .. فارس الدعوة والإحسان . وداعًا
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 09-سبتمبر-2006
مشاهدات 58
نشر في العدد 1718
نشر في الصفحة 22
السبت 09-سبتمبر-2006
عزيز عليَّ أبا بدر أن
أنعيك، وأودع فيك الرجولة والأخوة والقدوة والريادة، عزيز عليَّ أن يفارقني بحر
العطاء الغزير، وجبل العزيمة الشامخ، عزيز علي أن تنطفئ شمس الدفء والنور
والإيمان، وأن تخبو سحائب الندى والجود والإحسان
عزيز علينا أن تفتقدك ساحة
الدعوة وهي في حاجة إلى قيادتك، وراية الإسلام وهي في حاجة إلى ريادتك والعالم
الإسلامي وهو في حاجة إلى عونك وحميتك، والحوادث الجسام وهي في حاجة إلى حكمتك
ومشورتك.
كان لي معه لقاء حدده،
فذهبت إليه فوجدته قد سبقني إليه بلحظات رحمه ربه، فارتاح الجسد المعنى، وسكن
القلب الكبير، وهدأت النفس المؤمنة، ورقدت الروح الطاهرة في جوار ربها، وظهر على
الوجه الصبوح الجلال، وعلى المحيا البشوش المهابة، وعلى الطلعة البهية الرضا
والطمأنينة، فذرفت عيني الدمع غزيرًا للفراق الصعب، والتاع قلبي كثيرًا للوداع
الأليم، وإن كان قد خفف عني صلاحه وتقواه وسيرته وهداه.
أذرف الدمع لاه. بل كفكفته
لا تقل مات. إنه
في الجنة
إنما روحه استفاضت سناء
في حنايا القلوب
ملء الأكنة
إنه الآن قد تهامس نحوي
في حنان في رقة
في غُنَّة
إنني الآن ها أراه مطلًا
بالصبوح المنير
وسط الدُّجَنَّة
في ابتسام كأنه لغة السحر
حلالًا من الخلود وأنّه
قارئًا آية السلام جهيرًا
فانصتوا فإنها لمرنّة
لقد كان الرجل يتحلى بصفات العظماء الكبار،
وبمواهب العباقرة الأفذاذ، فمن أي النواحي خبرته وجدته مثالًا، للحب لا الحقد
والشوق لا الوحشة، والعفو لا العقوبة والخبرة بالأمور لا البلاهة والنظر الثاقب لا
الرؤية الساذجة والبصيرة المتقدة لا الجبلة العمياء، والدربة والحنكة الفطرية،
والنورانية القلبية التي تضيء بتوفيق الله، ولهذا وغيره من الصفات الحميدة اجتمعت
القلوب على حبه، وتوحدت على الثقة فيه وانقادت له بالفضل والسبق والريادة
كأنه وهو
فرد من جلالته
في عسكر حين
تلقاه وفي حشم
كان للحق
سندًا لا يتضعضع، وصخرة لا تتزحزح، كان للدين ركنًا ركينًا، وإمامًا عظيمًا،
وللفقير معطاءً كريمًا سخيًا وفيًا أمينًا، يقصده المحتاج فيكفيه، والمسكين
فيأويه، باسط الكف وضّاح المحيا، متهللًا کشهاب تزيده العطايا بهاء، لا منًا ولا
شحناء.
أنت للحق
عدة وقواما
أنت للدين هاديًا
وإماما
كنت
للناس خادمًا ورفيقًا
مذ تواصيت ما خفرت ذماما
تقشع الظلم عن قلوب
الحياري
بين كفيك بارق يترامى
قصد الكل في رحابك رفدا
صدق الظن. قد
رأوك غماما
يعمل الناس للثراء وتأبى
عفة النفس. أن تذوق حراما
كنت العابد المتبتل والورع المتعفف والصوام
القوام، والمزكى المعطاء، والعارف الفاقه، كم نادتك المساجد في أنحاء الأرض فلبيت
النداء، فشهدت لك بصدق الإيمان وحب الإسلام: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ
اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى
الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ
الْمُهْتَدِينَ ﴾ (التوبة:18)
فسبحان
من سبقت محبته لأحبابه فمدحهم على ما وهب لهم، واشترى منهم ما أعطاهم، وقدم
المتأخر من أوصافهم لموضع إيثارهم، فباهى بهم في صومهم وأحب خلوف أفواههم يا لها
من حالة مصونة لا يقدر عليها كل طالب، ولا يبلغ كنه وصفها كل خاطب.
والواجب
على العاقل أخذ العدة لرحيله فإنه لا يعلم متى يفجؤه أمر ربه، ولا يدري متى
يستدعيه خالقه، فالعاقل الفاقه من أعطى كل لحظة حقها من الواجب عليه، فإن بغتة
الموت حق وإن حاد عنه: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ
تَحِيدُ﴾ (ق:19).
رجل قد
نجا من فتنة المال، والتشاغل باللذات. وهي من أعظم حبائل الشيطان ومكره، أن يحيط
أرباب الأموال بالآمال السراب، ويشاغلهم باللذات عن الصالحات وعن أعمال الآخرة،
فسبحان من حفظه بصلاحه، وصانه بصلاته وفلاحه.
كما أفلت
بعقله وجهده وعزمه من الزهادة الكاذبة، ومن مخاطر الفقر المقعد عن الفضائل
والطيبات، فعلم أن الواجب على العاقل أن يحفظ ما معه، وأن يجتهد في الكسب ليربح
مداراة ظالم، أو مداهنة جاهل، فما الفقر إلا مرض العجزة والصابر على الفقر كالصابر
على العلة المقعدة والداء الوبيل مع وجود الدواء. اللهم إلا أن يكون جبانًا عن
التصرف، مقتنعًا بالكفاف للبله والكسل، وليس ذلك من مراتب الأبطال، بل هو من
مقامات الجبناء والزهادة الكاذبة، ولهذا وجب الكسب ليكون هو المعطي لا المعطى،
والمتصدق، لا المتصدق عليه، وهذا من مراتب الشجعان الفضلاء.
وقد كان
فقيد الإسلام والدعوة على الطريق الصحيح والجادة المستقيمة، والفهم الرصين، كان
صاحب اليد العليا دائمًا نافعًا للإسلام، جابرًا لكسر المسلمين، معينًا للنوائب،
مفرجًا للأزمات، وشهد الله أن الرجل كان في هذا الباب كالريح المرسلة. وكالموج
المتدفق والمعين الذي لا ينضب، كان منتصرًا على نفسه، ومن انتصر على نفسه كان على
غيرها أقدر، فلا يتبع النفس الهوى، ولا يتمنى على الله الأماني الكذاب وصدق رسول
الله ﷺ: العاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.
كان
الرجل تاجرًا، ولكنه فقيه، وقد كان أبو حنيفة والفقهاء كذلك، متدينًا ويفهم
الإسلام على وجهه الصحيح، ماله في يده وليس في قلبه، إحساسه مع رسالته، وعقله مع
أمته، يفهم واقعه وأوانه، ويحيط بمخططات أعدائه، ومكر المتربصين بأمته. كما يلم
بأمراضها وعلل شعوبها ويعرف العقبات والسدود والقيود التي تحول دون التقدم والفوز،
وكانت قرة عينه وبهجة نفسه أن ينادى في الناس بكلمة الله وأن يحكم فيهم كتابه، وأن
يعرف الناس ما في الإسلام من بهاء وجمال وجلال، ويدركوا ما فيه من إصلاح وبعث
وإحياء، كان رحمه الله فكرة تمشي على قدمين، وعقيدة تتحرك في دروب الحياة، وعبقرية
تستطيع أن تقدر لكل أمر قدره، لا متسرعًا، ولا متوانيًا، ولا متهورًا ولا متكاسلًا،
أو متبلدًا أو متفلتًا متخلفًا.
صاحب
فكرة متوازنة يعيش فيها بقلبه ويحيا فيها بعقله ونفسه ووجدانه وشعوره وعصبه ولحمه
ودمه، مبادئها عنده هي الحق والثواني عنها جريمة، وهي في محياه النواميس العملية
الأصيلة، وما سواها وهم خادع. وسراب لا معول عليه وكم كان يتفاعل معها حتى تظن
أنها الهواء الذي يتنفسه، والماء الذي يرتوي به من الظمأ، والدم الذي يجري في
عروقه فأقول: سبحان الله أين العلماء الساهون المضيعون؟ وأين الحكام النائمون
المترهلون الذين لا يعرفون قدر الرجال أو حيويتهم وعطاءاتهم؟! إن فقيدنا الكريم
كان رجل قرن، وتربية سنين، وعطاء دعوة وحنكة فترة زاهرة هل يجود الزمن بمثلها.
وعصاميتها وإخلاصها، وحدبها، وريادتها؟ إنها نتاج الإسلام العظيم وثمرة الدعوة
المباركة. وقد ذهب إلى ربه راضيًا مرضيًا مستقيمًا سويًا.
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا
تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا
وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ
أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا
تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ
رَحِيمٍ﴾ (فصلت:30:32)
إن الرجل
الصالح هو طيف من النور يلم بهذه الدنيا إلمام الغريب الطارئ، أو الطيف العابر، ثم
يتركها ويمضي إلى وعد ربه وإلى عمله الصالح تحفه الملائكة ويكسوه الجلال، فماذا
يأخذ الطيف من الدنيا، أو ماذا يجمع لنفسه منها إلا العمل الصالح، أما ما يأخذ
الناس منه فهو العمل الصالح والأسوة الحسنة، وهي تدر عليه الأفضال والعطاءات: «فمن
سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة».
فكم سننت لنا من السنن الطيبة! وكم علّمت ووجهت
ودربت ونصحت، فجزاك الله خير الجزاء، وعوضنا عن مصيبتنا فيك خيرًا، وأفضل ما نقدمه
له ونحيي به ذكراه أن ننسج على منواله ونترسم خطا صلاحه، ونتمسك بآداب الإسلام، ونعتصم
بحبل الأخوة، ونخلص العمل والنية.
ولا يسعنا والقلوب في لوعة الفراق وحسرة الوداع إلا الدعاء له والترحم عليه فاللهم أكرم نزله، وأعل مرتبته واجعل الجنة مثواه ومستقره، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله، وبلغه أمله بالقرب من رسولك: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء:69) وسلام عليك فارس الدعاة وأمير الإحسان والبذل والعطاء. ووداعًا يا أعز حبيب، وأفضل الرجال، وسلام عليك في كل صباح ومساء إلى يوم الدين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل