العنوان مع رئيس اتحاد طلبة جامعة الخرطوم
عنوان تمهيدي لقاءات المجتمع
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-مايو-1973
مشاهدات 15
نشر في العدد 152
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 29-مايو-1973
المعروف أن حركة الطلبة في السودان تتسم بالطابع الإسلامي وتتميز عناصرها بالولاء للإسلام الذي يشكل العصب المركزي للثقافة والتوعية هناك.
وظلت
قياداتها في معظم المراحل التاريخية تتمتع بدعم كبير من القاعدة الطلابية ووفقًا
للقيم الإسلامية الجريئة التي تطرحها أسهمت في بلورة الذاتية السودانية التي تتعرض
لتلاقح الثقافات الإسلامية والأفريقية والعصرية.
وقد كان
للمواقف الصادقة التي وقفها شباب الحركة الإسلامية أثر كبير في الثقة الواسعة التي
منحتها لهم القاعدة الطلابية.
وكان
للمجتمع لقاء مع الأستاذ أحمد عثمان مكي -رئيس اتحاد طلبة جامعة الخرطوم -أجاب فيه
على ثلاثة أسئلة هامة حول علاقة شبابنا الجديد بالدين الإسلامي والأستاذ أحمد ليس
بجديد على قرائنا فهو أحد كتاب «المجتمع» منذ فترة بعيدة.
●
ما موقف الشباب العربي المعاصر من قضية الدين عامة.. والإسلام بصفة خاصة؟
-أود أولًا
أن أؤكد حقيقة تاريخية ثابتة عن موقف الشباب من الدين قبل الخوض في الحديث عن
الشباب المعاصر.. فلو عدنا قليلًا إلى تاريخ الأديان السماوية لنتفرس العنصر
السائد الغالب من حملة الرسالات ومن اتباعهم الذين آمنوا فيهم لوجدنا الشباب يشكل
دعامة في مواكب الدعوات.. فمن إبراهيم عليه السلام يقول القرآن: ﴿قَالُوا
سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ (الأنبياء: 60)، وعن أهل
الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ (الكهف: 13)، وعن يحيى عليه
السلام: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم: 12).. ولو تصفحنا كتب التراجم
والسير لوجدنا أكثر جند دعوة الإسلام كانوا شبابًا بين الثامنة عشر ودون
الأربعين.. فعبد الله بن عمر كان يوم فتح مكة في العشرين من عمره.. والزبير بن
العوام شهد بدرًا وهو ابن تسع وعشرين.. وعبد الله بن سعد بن خيثمة شهد الحديبية
وهو ابن ثمانية عشر عامًا.. ونجد معاذ المشهور.. معاذ بن جبل مات عن أربع وثلاثين
عامًا.. وغيرهم كثيرون فهذا للمثال وليس الحصر.. ومن ذلك يتضح لنا أن إقبال الشباب
على الدين وتمسكهم به ليس بدعة ولا أمرًا مستحيلًا كما يشيع البعض..
ولكن
هناك بعض العوامل التي برزت في القرنين الأخيرين أثرت تأثيرًا ظاهريًا على هذه
الحقيقة - حقيقة الموقف الطليعي للشباب من قضية الدين - ولنأخذ لذلك مثالًا
المجتمعات العربية والإسلامية.. فقد كانت هذه المجتمعات في القرنين الماضيين في
حالة «القابلية للاستعمار» كما يسميها المفكر الجزائري مالك بن نبي.. حيث كانت هدفًا
سهلًا للغزو الحضاري الغربي الذي تعدى تأثيره الآلات إلى الأفكار والقيم والمفاهيم
وقد أحدث ذلك الغزو هزة نفسية وفكرية عنيفة في أوساط الشباب.. خاصة بعد التدهور
الذي دب في كيان الإمبراطورية العثمانية في أواخر القرن الثامن عشر.. وكان من
نتائج تلك الهزة أن تناولت الأسس الحضارية التي يمتد إلى جذورها أصل المجتمع
العربي وتركيبه.. فتناولت معتقداته وقيمه ومفاهيمه ثم أخلاقه وسلوكه.. ونحن لا
ننكر أن الآثار التي خلفها ذلك الغزو كانت ذات درجة متفاوتة متباينة بين المجتمعات
الإقليمية المختلفة في المنطقة الإسلامية تتفاوت فيها قابلية الأخذ والرد..
والتمحيص والفناء.. بين الطبقات المختلفة لكل مجتمع على حدة.. فإذا أخذنا
المجتمعات التي شهدت ثورات أو حركات إصلاح ديني مسلح كحركة السنوسي في ليبيا في
النصف الأول من القرن التاسع عشر.. وحركة محمد بن عبدالوهاب في نجد وحركة المهدي
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بالسودان لوجدنا أن هذه الحركات قد حدت كثيرًا
من التأثير المتوقع نتيجة للغزو الحضاري الغربي وقللت درجة تأثيره على الشباب خاصة..
إذ لم يذهب التأثير عمق ما ذهب عند رصفائهم في المجتمعات العربية المجاورة.. وأدى
ذلك بالتالي إلى شعور بالنفور والاشمئزاز، بل ووقوف قطاعات كبيرة من الشباب
المعاصر موقف المعارض لحركة الاستغراب (Westernization) سلبًا ذلك كان، أما إيجابًا فقد وقفت قطاعات منهم موقف المؤيد
للدين المساند له، وليس أدل على ذلك من قيام منظمات وجماعات عقائدية تحمل فكرة
الإسلام وطابعه وينخرط في صفوفها الآلاف من الشباب كجماعة الإخوان المسلمين وأنصار
السنة المحمدية والجماعة الإسلامية.. أما المظاهر التي تبدو وكأنها سمة من سمات
بعض أجيال الشباب في عدد محدود من أقطار الوطن العربي والإسلامي.. والتي لا تلتقي
مع مبادئ الإسلام وأهدافه فهي لا تمثل رفضًا للدين الإسلامي ولا تبين -حسب تقديري-
موقفًا معاديًا للدين.. إذ إنها لا تعدو عن كونها حالة عارضة سببها فراغ فكري يعمد
صاحبه إلى البحث عن أيديولوجية غريبة تلبي يسيرًا من طموحه.. والحالة المعارضة
دائمًا لا تكون مقياسًا دقيقًا.. ويمكن أن تزول عند أول شكة.. ولهذا فإننا نجدهم
سرعان ما يعودون إلى الموقف الطبيعي الفطري الذي ذكرته في بداية حديثي عندما
يكتشفون اصطدام ما يتبنون من أيديولوجيات مع فطرتهم وواقعهم..
●
المسلم المعاصر ضائع بين نموذج التقليد القديم وبين الحياة المعاصرة.. من المسلم
الجديد الذي يعيش جوهر الدين كاملًا في مجتمع حديث متغير؟
- المسلم
المعاصر إنسان محظوظ.. فقد ورث تراثًا غنيًا من أعمال السلف.. وآلت إليه كل
الثقافات والعلوم والمعارف منذ العصر العباسي وعهود الازدهار في الإسلام.. كما فرض
عليه واقعه أن يعيش في عصر إبداع مادي متفوق.. ولكن هذا الحظ وهذه النعمة قد
انقلبا إلى سوء طالع ونقمة لدى البعض ممن لم يستطع التوفيق بين كليهما مما جعله
يشعر بضياع سرعان ما أدى به إلى نسيان أحدهما والتزام الآخر والفناء فيه.. ومن هنا
نشأ مذهبان متطرفان.. التزمت الفكري والعقدي والميوعة الفكرية والمذهبية.. ومنشأ
هذين هو سوء تقدير عند الأول للواقع المَعِيش.. وإهمال عند الثاني لضوابط العقيدة
وحدودها.. وقد نتج عن ذلك خطران: أولهما تشويه نقاء العقيدة الإسلامية ووضعها في
موضع الشبهات التي تثار للنيل من دين الإسلام بعدم مواكبة تطور الفكر البشري
وإبداعه في شتى سبل الحياة وجوانبها.. أما الخطر الثاني فهو إبراز صورة غير صادقة
للمراقبين من غير المسلمين عن أثر عقيدة الإسلام في نفوس المؤمنين بها وإحاطتها
بالتصرف السلوكي والأخلاقي والفكري عند التطبيق.. وبسبب هذين الخطرين وقفت بعض
طبقات المثقفين في أجزاء من الوطن الإسلامي موقف المتردد من الدين أحيانًا.. وموقف
المساوي له بغيره من النظريات أحيانًا أخرى..
وبين هذا
وذاك تضيع الحقيقة الخالدة.. وهي أن لا تعارض ولا تضاد بين طبيعة التفكير المتقدم
زمنًا -وأقصد بذلك الذي يرد الأمور إلى أصول العقيدة- وبين أنماط الحياة المعاصرة..
ومن هنا يمكننا أن نتحدث عن المسلم الجديد المعاصر الذي يعيش جوهر الدين في مجتمع
حديث يختلف عن ذاك الذي عاشه سلفه قبل قرون عدة.. والتعبير عن المسلم بالجديد
المعاصر تعبير دقيق.. إذ إن الكائن البشري يتجدد دائمًا بتجدد الأزمان.. فلو
تابعنا التسلسل التاريخي لحياته الاجتماعية والثقافية لوجدناها عاملًا يؤثر في
الحياة من حوله ويتأثر بها.. ولما أن كانت الحياة تسير في مراحل وأطوار تتقدم
بتقدم الزمان فلا بد أن تتبع هذه المراحل والأطوار تغييرات جذرية في حياة وسلوك
الكائن البشري ونظرته للواقع وتقييمه لأحداثه.. وهو في ذلك يختلف عن غيره من
المخلوقات.. فالأسد مثلًا لن يعيش اليوم تمامًا كما كان يعيش قبل ألف سنة أو مائة
ألف سنة دونما تغيير في أسلوب حياته أو حركته في الغاب.. إذن فالبشر يختلفون عن
غيرهم من الكائنات في هذا الجانب ولذا لزم القول بـ«الجديد» عند الحديث عن المسلم
المعاصر.. أعود للمسلم الجديد المعاصر ولدعواته الإسلامية.. فالإسلام الذي يتمسك
به المسلم كما أنه رسالة إلهية عقائدية فهو رسالة عقلية فكرية.. تساير العقل
وتفكيره.. وتوائم بين ذلك وبين العلم.. وكثيرًا ما يحتكم القرآن إلى العقل ويثيره
للبحث عن أصول الأشياء.. وهو يعد بذلك العقل إعدادًا ناضجًا للانتفاع بالوجود من
حوله.. ويعرف الإنسان بمنزلته في الكون وقيمته في الحياة الدنيا ودوره في إعمارها:
﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي
الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةًۗ وَمِنَ النَّاسِ
مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ (لقمان:
20)، ويتحدث القرآن أيضًا: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا
فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك:
15). فهو إذن رسالة شاملة.. يتجلى شمولها في أنها لا تتعرض بالذكر للتفاصيل
الجزئية وإنما تتعرض للأمور الكلية العامة حتى تتوافق مع كل زمان ومكان.. وحتى
تكون مرشدًا وموجهًا للإنسان في نظام حياته العام ومن ذلك تبرز قيمة الرسالة
الإسلامية في احتوائها على كل مقومات الصلاحية والبقاء لجميع الشعوب والأزمان..
والمسلم الجديد هو الذي يستطيع إدراك هذه الحقيقة وهو الذي يفهمها فهمًا واسعًا
شاملًا.. عقيدة تحيا بها النفوس وتصل الإنسان بالوجود الأزلي وتربي فيه الإحساس
بوجود قوة عليا تدبر أمره وترقب حركته.. وهو الله جل شأنه.. وتحمل في ذات الوقت
برامج عملية لإسعاده في الحياة.. وهو الذي يدرك أيضًا رحابة صدر الإسلام حين يعيش
الواقع ليبني مجتمعًا قويًا متكافلًا فيتحرر من كل قيد أو أثر للعقائد الدنيوية
التي تحاول معالجة مشاكل المجتمعات من زاوية مادية تهمل فيها الفرق بين منزلة
الإنسانية ومنزلة البهيمية فيضيع التوازن بين الجسد والروح.. وينشأ بسبب ذلك
الفراغ المميت والخَوَاء القاتل رغمًا عن الإبداع المادي.. ثم هو فوق ذلك الذي
يستطيع أن يبسط ما يعتقد على الواقع الذي يعيش فيه.. والعبء الأكبر لتحقيق هذا
الفهم يقع على حَمَلة الفكر الإسلامي الذين يحملون فكرة متكاملة عن دور الإسلام في
الحياة.. ودور هؤلاء يكمن في كشف حقيقة الإسلام.. ويكمن في تحرير ذلك إبراز الصيغة
الملائمة لما أسميناه بالفكر السلفي ليتناسب مع الحياة المعاصرة..
●
ماذا يعني وجود عناصر إسلامية في قيادة حركة الطلاب السودانيين؟ هل هي مناورات
تكتيكية ناجحة للاتجاه الإسلامي؟ أم انتصار ديني يعني تعاظم الشعور الديني وتغلغل
الفكر الإسلامي في أوساط الطلاب؟
- إن
الاتجاه الإسلامي في السودان.. والذي تمثله جماعة الفكر الإسلامي في الحقل الطلابي
يؤمن بالإسلام عقيدة وفكرة ونظام حياة.. ونحن نضع ما نؤمن به على ساحة الواقع حتى
يتم التمازج بين الفكرة والتطبيق.. ولهذا تصدى الإسلاميون للعمل في المجالين
الاجتماعي والسياسي اقتناعًا بما يؤمنون به وليس تكتيكًا للوصول إلى أهداف بعينها.
وفي سبيل ذلك قدموا العديد من التضحيات ولاقوا كثيرًا من العقبات التي لم يقفوا
أمامها حيارى بل تخطوها مستفيدين من تجاربها.. وقد شهد لهم تاريخ السودان القريب
مواقف صلبة في مجال العمل الطلابي ونشاطاته كان الدافع من ورائها صدق العقيدة
وأمانة المسؤولية.. وكلما دخلوا في معترك شريف ضد غيرهم من الجبهات لتحمل أعباء
قيادة الحركة الطلابية وقف الطلاب إلى جانبهم.. وذلك لاجتماع سببين هامين كان لهما
أثرهما في نفسية جماهير الطلاب مما جعلهم ينجذبون نحو قيادة الحركة الإسلامية في
محيط الطلاب.. هذان السببان هما:
أولًا:
اقتناع الطلاب بصلابة العناصر الإسلامية وأمانتها في التصرف في ممتلكات الاتحادات
الطلابية.. وذلك بعد أن عانوا كثيرًا من الجبهات والأحزاب التي لا وازع لها ولا
ضمير.. ولا تبالي في تسخير إمكانيات الحركة الطلابية المادية لمصالحها الحزبية..
أما السبب الثاني: فهو الشعور السايكولوجي الذي يربط بين الغالبية العظمى من الطلاب وبين أهداف الاتجاه الإسلامي.. وهو خيط دقيق رفيع يبحث عنه أعداء الحركة الإسلامية ولا يجدونه.. وأعني بذلك رباط الفطرة الدينية وهي من مميزات شبابنا في السودان وخاصة قطاعات الطلاب في الجامعات والمعاهد العليا.. وتتمثل هذه الفطرة في إيحاء شعوري عند أولئك الذين لم يسبق لهم الالتزام بالحركة الإسلامية.. فيلتزمون جانبها ويدورون في فلكها اطمئنانًا لها وثقة بجديتها.. ومن هنا لا أخالني يجانبني الصواب إن قلت إنما هو منة من الله على الإسلاميين أن ينصرهم بذلك الرصيد الضخم الذي وثق بهم وأنزلهم منزلة الريادة..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل