; قصة أوزبكستان مع كريموف | مجلة المجتمع

العنوان قصة أوزبكستان مع كريموف

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 28-مايو-2005

مشاهدات 74

نشر في العدد 1653

نشر في الصفحة 18

السبت 28-مايو-2005

  • - سلخانة تعذيب بشعة للإسلاميين. وملاذ آمن للصهاينة

  • - ربع مليون مواطن في قوائم أعداء النظام السوداء

  • - إغلاق أكثر من ٣ آلاف مسجد من بين 5 آلاف.

  • - وتحويل بعضها إلى مكتبات ومقاه ومستودعات!

  • - لماذا رحب الغرب والشرق بالثورات «الوردية» و«البرتقالية» و«الصفراء» ورفض «الحمراء»؟!

  • - الأحداث تكشف: الأمريكان يقبلون الحوار مع الإسلاميين ولا يمانعون من حزب لهم، لكنهم يرفضون وصولهم للسلطة.

  • - تتمتع أوزبكستان بثروات طبيعية كبيرة من الذهب والفضة، واليورانيوم، والنحاس، وغيرها.

  • - افتتاح فرع للوكالة اليهودية في طشقند لتنظيم هجرة اليهود الأوزبك إلى الكيان الصهيوني. 

منذ تولي الرئيس إسلام كريموف الحكم عام 1989م، وهناك صراع ممتد بينه وبين المعارضة التي تقول الحكومة أن حزب التحرير الإسلامي يتزعمها رسميًا. وتقول مصادر أوزبكية أنها امتداد لتيارات إسلامية مختلفة يجمعها هدف رفض ممارسات كريموف التي تقود حملة شعبية لوقف الفساد وتدهور الاقتصاد وتفشي الفقر والبطالة بين السكان، لكن النظام الحاكم يواجه هذه المعارضة بالقمع والعنف بدعوى مواجهة التطرف.

ولذلك لم يكن ما جرى في مدينة "أنديزان" أو "أنديجان" التي تقع شرق أوزبكستان إحدى جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية السوفيتية السابقة في منتصف مايو 2005 سوى محاولة لرفض هذه المظالم الاجتماعية والسياسية المتعاظمة، حيث خرجت المظاهرات لأول مرة، وتطورت للهجوم على سجن حكومي وتحرير المعتقلين فيه.

أيضاً لم يكن الصمت الغربي والروسي على القمع الوحشي للمظاهرات -إلى حد ضرب المتظاهرين بالرصاص وإيقاع قرابة 500 قتيل غير المصابين مفاجئًا لأحد؛ لأنهم صمتوا من قبل على اعتقال أكثر من 120 ألف شخص وقتل واختطاف للمعارضين وصل لكبار علماء المسلمين بزعم محاربة الإرهاب والتطرف. 

والأهم أن لهم مصالح حيوية وقواعد عسكرية في المنطقة!

فقد زاد عنف النظام تجاه الحركة الإسلامية والشعب الأوزبكي عقب أحداث 11 سبتمبر والحملة الأمريكية ضد ما يسمى الإرهاب حيث استغل نظام كريموف هذه الحرب للقيام بمزيد من القمع والاعتقالات واختطاف معارضيه وقتلهم بمن فيهم علماء كبار خاصة بعد تحالفه مع أمريكا وفتح قواعده العسكرية لها لضرب أفغانستان، بما ضمن له صمت واشنطن عن فظائع حقوق الإنسان هناك بعدما كانت من أشد معارضيه خلال الحكم الشيوعي السوفييتي! 

ويبدوا أن المعارضة فاض كيلها مع توالي الاعتقالات والمحاكمات وآخرها محاكمة 23 شاباً تتهمهم السلطات الأمنية الأوزبكية بأنهم إرهابيون فخرجت في أول مظاهرة ضمت ألف شخص في ١٢ مايو الجاري 2005. وساعد على تحركها في هذه المدينة «أنديجان»التي تعد رابع أكبر مدن أوزبكستان أنها تقع على الحدود مع جمهورية قيرغيزستان «التي قلبت نظام حكم رئيسها عسكر أكاييف في مارس الماضي »

سيناريو ضرب الثورة الحمراء

سيناريو المواجهة بدأ -وفق موقع أوزبكستان المسلمة- باقتحام العشرات من المسلحين المنظمين ليلة الجمعة ١٢/٥/٢٠٠٥ سجناً كبيراً في مدينة أنديجان وتحرير آلاف السجناء منه، ثم اقتحام ثكنة عسكرية في المدينة والاستيلاء على الأسلحة الخفيفة والمتوسطة فيها، ثم التوجه إلى المبنى في المدينة واقتحامه والقبض على من فيه مسؤولي الحكومة وقواتها، واحتجاز الرهائن من الشرطة والجيش.

وقد طالب المسلحون من البداية بوساطة روسية لإجراء المفاوضات وإرجاع الحقوق المنتهكة من قبل الحكومة الظالمة. 

وكانت مطالبهم واضحة ومحددة هي: إطلاق سراح ۲۳ من الإسلاميين المسجونين من منظمة الإكرامية «نسبة إلى أكرم يولداشوف العضو السابق في حزب التحرير الإسلامي في مدينة أنديجان»، دون أي ذنب، وإطلاق سراح عدد آخر من المسجونين ظلمًا، وفتح مجالات التجارة التي أغلقت جميع طرقها، لكن روسيا رفضت التدخل بحجة أنه نزاع داخلي. واكتفت واشنطن بإعلان القلق لإخراج المعتقلين من السجن الذي جرى اقتحامه.

وحركة «الأكرمية» التي تتهمها الحكومة بقيادة التمرد الأخير يصفها أبناء أوزبكستان بأنها أشبه بالجمعيات الخيرية أكثر منها جماعة دينية سياسية أو جهادية. 

واسم الأكرمية ينسب إلى أكرم يولداشيف مدرس الرياضيات المتهم بالمشاركة في سلسلة اعتداءات بالقنابل في العاصمة الأوزبكية طشقند عام ۱۹۹۹ قتل خلالها ۱۸ شخصًا ويقضي حاليًا عقوبة بالسجن مدتها ١٧ عامًا، والذي يقال انه انضم إلى حركة حزب التحرير عام ١٩٨٦، ولكنه غادر صفوفها بعد 10 أعوام بسبب خلافات معهم. 

وفي عام ۱۹۹۲ نشر يولداشيف كتابًا يحمل اسم طريق الإيمان يقول فيه: إن الإسلام يجب أن يعود بطريقة طبيعية إلى أوزبكستان وأغلب أعضائها من أصحاب المحال التجارية الصغيرة و٢٣ الذين طالب المتظاهرون بإطلاق سراحهم هم من أصحاب هذه الشركات الصغيرة والمتوسطة والذين يبدو أن محاكمتهم أشعلت الأزمة الحالية في أوزبكستان

 ومع الرفض الأمريكي والروسي التدخل بدا واضحًا أن هناك تحالفا أمريكيا / روسيا. لا لمساندة الرئيس الأوزبكي فقط، ولكن لمنع سيطرة المعارضة خصوصًا «الإسلامية» على السلطة وتهديدها بالتالي مصالح واشنطن وموسكو في المنطقة، وقد فهم الرئيس كريموف هذه الرسالة. فأغلقت السلطات الحكومية جميع الطرق المؤدية إلى المدينة المتمردة «أنديجان». وأغلقت الحدود المشتركة مع دول الجوار، ورفعت حالة التأهب الأمني في جميع المدن ونشرت الآلاف من رجال الشرطة والمخابرات في جميع المدن. إلى أن حاصر الجيش هؤلاء المسلحين بالدبابات والمدرعات وتم إطلاق النيران من كل اتجاه ليسقط مئات القتلى والجرحى، وخرج الرئيس الأوزبكي ليتهم حزب التحرير الإسلامي بالمسؤولية. وينفي أنه هو الذي أمر بإطلاق النار على المتظاهرين.

ولأن أوزبكستان تشتهر عن بقية دول آسيا الوسطى الخمس بأنها الدولة الأكثر دموية لمعارضيها، بدأ الحديث عن سيناريو مشابه لثورات باقي دول الجوار. 

وعلى غرار ثورة الورود في جورجيا، والثورة البرتقالية في أوكرانيا، والثورة الوردية الصفراء في قيرغيزيا، تبدو هذه الثورة "ثورة حمراء دموية" بعدما بدأت قوات كريموف استخدام السلاح والقتل. 

وبدأ الشعب يتململ بسبب تصاعد مؤشرات الفقر وعدم انتظام دفع رواتب موظفي الدولة، وتوجيه موارد الدولة لجهاز الأمن الذي يعد الأكبر في العالم ويضم ثلاثة أرباع المليون جندي.

قائمة سوداء

هذه الانتهاكات الضخمة التي اقترفها الرئيس الأوزبكي -إسلام كريموف وحكومته والتي أدانها العديد من منظمات حقوق الإنسان كانت التيارات الإسلامية والعلماء ضحيتها دومًا، حيث تشير تقديرات الجمعيات الإسلامية هناك إلى أن أعداد المعتقلين في عام 2000 وحده وصلت نحو 10 آلاف معتقل، وأن أعنف حملة للاعتقالات بدأت بعد التفجيرات الكبيرة التي حدثت في 16/2/1999م في مدينة طشقند عاصمة أوزبكستان وأنها مستمرة حتى الآن، حيث اتهمت الحكومة من تسميهم بـ "المتطرفين الإرهابيين" بالمسؤولية.

 وبلغ عدد المطلوبين للدولة فيما يسمى القائمة السوداء ٢٥٠ ألفًا بوصفهم أعداء للدولة. 

وهذه القوائم اصطلح على تسميتها بالقوائم السود، وقد ضمت هذه القوائم في منطقة طمنغان وحدها ما يزيد على 2000 شخص وصفوا بأنهم أعداء الدولة المتطرفون. 

 وتفيد تقارير قادمة من أوزبكستان نشرها موقع أوزبكستان المسلمة أن إدارة مسلمي أوزبكستان التي تشرف على المساجد والتابعة للنظام أغلقت بعد الاستقلال أكثر من 3 آلاف مسجد من بين 5 آلاف، وحول بعضها إلى مكتبات ومقاه ومستوصفات ونواد ومستودعات وأن عدد المساجد التابعة للإدارة الخاضعة للحكومة لا يزيد على ألف مسجد. 

وأغلقت حلقات تحفيظ القرآن التي كانت موجودة في المساجد في السابق بدعوى عدم استغلال الإسلاميين لها.

منظمات أمريكية تتهم واشنطن بالتواطؤ!

وقد أدى تصاعد عمليات القتل في أوزبكستان إلى إثارة الاهتمام الدولي، ونبهت منظمات حقوقية إلى أن حكومة طشقند تسعى لتبرير القمع الديني ضد المسلمين هناك بادعاء أنهم إرهابيون، وأنها استفادت من الحملة الأمريكية في القيام بالمزيد من القمع، حيث قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن الحكومة الأوزبكية قامت باعتقال وتعذيب الآلاف من المنشقين المسلمين المسالمين الذين يمارسون عقائدهم الدينية خارج الإطار الديني الخاضع لسيطرة الدولة «على حد تعبير المنظمة»، وقالت في تقرير أصدرته في يونيو ٢٠٠٤ بشأن هذه الحملة من الاضطهاد الديني إن أوزبكستان حليف وثيق للولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية القوية، ولكن لا يمكنها التستر وراء الحرب العالمية على الإرهاب لتبرير القمع الديني.

وشرحت المنظمة في هذا التقرير الذي يقع في ۳۱۹ صفحة والصادر تحت عنوان خلق أعداء للدولة، الاضطهاد الديني في أوزبكستان بالتفصيل ما يتعرض له المسلمون من الاعتقال والتعذيب في إطار حملة مستمرة تستهدف المسلمين الذين يرفضون أن تقتصر ممارساتهم الدينية على مظاهر شكلية مشوهة داخل المؤسسات الدينية الحكومية وضمن قوانين صارمة لا تسمح لهم بحرية العبادة، ولا تتيح لهم أبسط الحقوق الدينية التي تقر بها حتى الدول الغربية.

وكشفت المنظمة عن أن امرأة في الثانية والستين من عمرها تدعى «فاطمة مخاضروفا» أدينت بتهمة التطرف الديني بعد أن تحدثت جهارًا عن تعذيب ابنها ووفاته في الحجز وكان ابنها قد زج به في السجن بتهمة التطرف الديني. ولقي حتفه في السجن في أغسطس ۲۰۰۲. بعد تغطيسه في ماء مغلي على ما يبدو وأطلقت السلطات سراح مخاضروفا في أعقاب عاصفة من الاحتجاج الدولي غير أن حملات الدهم والاعتقال لا تزال مستمرة بلا هوادة.

ويستند تقرير هيومن رايتس ووتش الأخير إلى أبحاث أجرتها المنظمة على مدى خمس سنوات في شتى أنحاء أوزبكستان بما في ذلك مقابلات مع نحو ٢٠٠ من الضحايا المسلمين المستقلين وأقاربهم فضلًا عن غيرهم من شهود العيان، والمدافعين عن حقوق الإنسان والمسؤولين الحكوميين، وفي إطار الأبحاث اللازمة لهذا التقرير حضرت منظمة هيومن رايتس ووتش أيضًا العشرات من المحاكمات وجمعت وثائق الشرطة والمحاكم المتعلقة بقضايا أكثر من ٨٠٠ شخص وراجعت المئات من المستندات المؤيدة للأدلة، بما في ذلك السجلات الطبية وشهادات الوفاة، ورسائل الضحايا، والردود عليها من الأجهزة الحكومية. وتقول المنظمات الحقوقية أن الحكومة الأوزبكية تصف هؤلاء الإسلاميين بأنهم متطرفون أو وهابيون. وهي صفة ازدرائية تخلعها الحكومة الأوزبكية عليهم للإيحاء بأنهم أصوليون. وليس للإشارة إلى كونهم في الواقع من أتباع المذهب الوهابي. 

وتزج السلطات بهؤلاء في السجون بتهمة التخريب أو التعدي على النظام الدستوري.. أو ممارسة أنشطة مناهضة للدولة، ويلقى القبض عليهم. ثم يتلقون محاكمات فادحة الجور تنتهي بتوقيع عقوبات السجن عليهم لمدد قد تصل إلى ٢٠ عامًا، ومن بين المستهدفين للاعتقال أشخاص تعتبرهم الدولة من غلاة المتدينين. بما في ذلك أولئك الذين يصلون في بيوتهم أو يطلقون لحاهم. باعتبار ذلك مؤشرًا على تدينهم!

وقد ساهمت الحملة الأمريكية ضد ما يسمى الإرهاب في توجه الحكومة الأوزبكية أكثر نحو مزيد من التضييق على القوى الإسلامية وزيادة الاعتقالات بتهمة الإرهاب والانتماء إلى القاعدة وابن لادن. ودخلت طشقند أكثر تحت العباءة الأمريكية. وصمتت واشنطن عما يجري من انتهاكات عديدة لحقوق الإنسان مما دعا منظمات حقوقية أمريكية لانتقاد حكومتهم التي اضطرت مؤخرًا لتجميد جزء من معوناتها إلى الحكومة الأوزبكية لحفظ ماء الوجه بدعوى أن أوزبکستان لم تقم بالإصلاحات الدستورية والديمقراطية المطلوبة منها!

 فقد زعم ريتشارد باوتشر «الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية» قبل بضعة أشهر أن أوزبكستان نجحت في تحقيق بعض التقدم على صعيد انتهاكات حقوق الإنسان إلا أنها خيبت أمل واشنطن فيما يتعلق بالإصلاحات الديمقراطية والاقتصادية!! ولهذا لم يكن غريبًا أن تبلغ قيمة المساعدات الأمريكية التي قدمت لأوزبكستان خلال العام الأخير وحده حوالي ٨٦ مليون دولار تمت المصادقة عليها من قبل مجلس الشيوخ الأمريكي الكونجرس، ولكن تصاعد الانتقادات الدولية لما يجري من انتهاكات ضد الحركة الإسلامية والمعارضة هناك من اعتقال وتنكيل وتعذيب دفع أمريكا لتجميد مبلغ يقدر بـ ۱۸ مليون دولار بدعوى أن طشقند لا تقوم بإصلاحات سياسية واقتصادية. وجرى غض الطرف عن التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان.

اختطاف العلماء والشباب المسلم!

وترصد المنظمات الحقوقية وجماعات طلاب العلم المسلمين في أوزبكستان العديد من الممارسات الغريبة التي يلجأ لها النظام من أجل ضرب التيار الإسلامي منها اختطاف العلماء وقادة الحركات الإسلامية وطلاب العلم وتغييبهم في سجون وحشية، وقد بدأت هذه السياسة منذ سنة ١٩٩٢م، وكان من أوائل المختطفين المسلمين رئيس حزب النهضة الإسلامية الشيخ عبد الله أوتا الذي لم يعثر له على أثر من وقتها.

وفي سنة ١٩٩٥م اختطف الشيخ العلامة عبد الولي قاري مع مرافقه محمد رمضان من مطار طشقند حينما كانا متجهين إلى مؤتمر إسلامي عالمي في موسكو. 

وخلال أقل من شهرين عام ٢٠٠٤ اختطفت أجهزة الأمن الأوزبكية عددًا من المسلمين الأبرياء من أشهرهم أحسن الدين، نجل الشيخ عابد قاري، وكذلك فروخ حيداروف خريج الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. والذي كان يعمل مدرسًا في معهد اللغة العربية التابع للسفارة المصرية وعاقل يونسوف.

ومن تلك الطرق أيضًا دس بعض المواد المحظورة في القانون كالمخدرات وكذلك الأسلحة في منازل بعض النشطاء المسلمين. ومن ثم اعتقالهم بتلك التهمة الباطلة التي كانت تنطوي على السذج من الناس. وهي طريقة صهيونية سبق استخدامها مع فلسطينيي ١٩٤٨ من الحركة الإسلامية. والشيخ رائد صلاح عدة مرات كما حكي لي هو خلال لقاء سابق بالقاهرة قبل اعتقاله.

ولما كثرت الاعتقالات العشوائية لشباب الصحوة الإسلامية وغيرهم، ولم تعد الحجج الواهية والتهم الباطلة تقنع الرأي العام الداخلي والخارجي خططت الحكومة للانتقال مرحلة جديدة وأسلوب جديد في إهدار دماء المسلمين، فدبرت تفجيرات طشقند عام 1999م ونسبتها إلى الإسلاميين المتشددين مباشرة ودون أي دليل، وباشرت بناء سجون عديدة لاستقبال آلاف المعتقلين الجدد. 

وبتحليل أسماء المعتقلين والمطلوبين من القوائم السود لأجهزة الأمن الأوزبكية، يمكن تصنيف المعتقلين والمطلوبين من الإسلاميين وغيرهم -وفق المصادر الأوزبكية- إلى الأقسام التالية:

  1. المجموعة الأولى من ينتمي حقيقة إلى تنظيمات إسلامية، سواء كان سياسيًا كحزب النهضة الإسلامي، أو كان فكريًا كحزب التحرير. أو كان جهاديًا كالحركة الإسلامية لأوزبكستان، وهذه المجموعة لا يزيد عددها على ۲۰ ألفًا معظمهم من حزب التحرير

  2.  المجموعة الثانية: كل مسلم متدين وهم يشكلون مئات الألوف. كما أنهم أيضًا يشكلون أكثر السجناء وإن كان معظمهم سجن بتهم ملفقة متنوعة إما بتهمة العضوية في حزب التحرير أو الوهابية أو الإرهاب أو غير ذلك، وهم جمهور الصحوة الإسلامية التي قادها مشايخ أوزبكستان الكبار، مثل الشيخ عبد الولي ميرزايف (إمام أنديجان وعالمها)، والشيخ عبد الأحد قاري «إمام نمنغان»، وهؤلاء المشايخ لم يشكلوا أية أحزاب أو جماعات، وإنما كانوا يبلغون دين الله ويؤدون واجبهم ويعلمون عقيدة أهل السنة جماعة فقط، ويربون الناس بالتربية الإسلامية الصافية.

  3. المجموعة الثالثة وهم المعارضون السياسيون، وهم قلة وإن كان الإعلام يضخمهم وأكثرهم من الديمقراطيين والقوميين كحزب "برليك" القومي وحزب "إيرك" الديمقراطي ونحوهما. 

إسرائيل. صديق مخلص لكريموف!

وحيثما تكون هناك حكومة دكتاتورية تعادي المسلمين، ولها مصالح مع الغرب يظهر الكيان الصهيوني في الصورة، فالصهاينة كانوا أوائل المبكرين بالحضور إلى أوزبكستان أسباب دينية «١٢٠ ألف يهودي أوزبكي» سياسية واقتصادية، ولأن حكومة كريموف تاج لخبراتهم في قمع التيار الإسلامي للتعذيب والسجون فقد حدث تعاون كبير الطرفين خصوصًا في المجال الأمني.

فقد كان المدخل لهذا التعاون هو المخاوف المتزايدة لدى نظام كريموف مما يسمونه الخطر الأصولي الذي مثله النموذج الأفغاني بعد الإطاحة بنظام نجيب الله في كابول في آخر أبريل عام ۱۹۹۲ وإصرار فصائل المجاهدين وخاصة الحزب الإسلامي بزعامة الجنرال عبد الرشيد دوستم من العاصمة الأفغانية، وتزايدت هذه المخاوف مع قدوم طالبان للحكم. ولهذا تعاونت أوزبكستان بقوة مع أمريكا في فتح قواعدها لضرب أفغانستان

وقد استفاد الكيان الصهيوني من هذه المخاوف وسعيها لتكون قنطرة اتصال بين أمريكا وحكومة طشقند. وقامت بتنظيم دورات لتدريب كوادر أجهزة المخابرات في دول آسيا الوسطى -وفي مقدمتها أوزبكستان على أساليب مكافحة الإرهاب- مستندة في ذلك إلى خبرتها في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية وحركات «حماس» و «الجهاد» و «حزب الله».

وجاء ظهور حركة طالبان في أفغانستان واستيلاؤها على كابول وصولًا إلى الحدود الأوزبكية عام ۱۹۹۷، ليزيد إلى أقصى حد من مخاوف نظام كريموف من احتضان طالبان ومنظمة القاعدة للحركات الأصولية في أوزبكستان، وليزيد بالتالي من اندفاع طشقند نحو تعزيز علاقات تعاونها الأمني مع تل أبيب ثم مع واشنطن.

وزادت مخاوف كريموف أكثر مع النمو الكبير للقوة العسكرية لحركات أصولية أوزبكية مثل «جند الله» و «حزب التحرير الإسلامي» و «حزب الله». والحركة الإسلامية الأوزبكية بزعامة طاهر يولداشيف ومحمد صالح «القيادة السياسية» وجمعة نمانجاني قائد الجناح العسكري للحركة الذي يضم ما لا يقل عن 1000-1500 مقاتل مما دفعه للتعاون بلا حساب مع الصهاينة والأمريكان لمساندته. 

أيضًا أغرى الصهاينة تمتع أوزبكستان بثروات طبيعية كبيرة من الذهب والفضة واليورانيوم والنحاس والزنك فضلًا عن الغاز الطبيعي والنفط والفحم وغيرها، وفضلًا عن كونها سادسة دول العالم في إنتاج الذهب طنًا سنويًا» ، ورابعتها من حيث احتياطيات ذلك الخام الفضي «٤ ملايين طن». إضافة إلى امتلاكها لليورانيوم.

 بعد أقل من ثلاثة أشهر على انهيار الاتحاد السوفيتي كان الكيان الصهيوني قد نظم في العاصمة الأوزبكية طشقند أول مؤتمر اقتصادي مشترك بينه وبين دول آسيا الوسطى في مارس ۱۹۹۲م لبحث احتياجات تلك الدول من المشروعات والمساعدات الاقتصادية، والدور الذي يمكن أن تقوم به الدولة الصهيونية في تلبيته. وخلال الشهور والأعوام التالية كانت هذه المشروعات قد بدأ يجري تنفيذها بالفعل وقد قام الرئيس الأوزبكي كريموف بزيارة للكيان الصهيوني في أكتوبر عام ١٩٩٢م حين تم الاتفاق على تطوير التعاون بين البلدين في شتى المجالات، وشملت المشروعات المشتركة مجالات تمتد من الري والزراعة والصناعات الزراعية إلى الصناعات السياحية والاتصالات وبناء الفنادق والمقاولات، وباستثمارات صهيونية أو مشتركة ساهم فيها رجال الأعمال الجدد من يهود أوزبكستان كما قام الصهاينة بتمويل أمريكي بتنفيذ برامج للتعاون الفني وتدريب الكوادر في مجالات الزراعة والري خصوصًا والإدارة والبنوك وغيرها من مجالات بناء الدولة الحديثة واقتصاد السوق.

أيضًا تم افتتاح فرع للوكالة اليهودية في العاصمة الأوزبكية طشقند لتنظيم هجرة اليهود الأوزبك إلى الكيان الصهيوني كما تم افتتاح مركز ثقافي صهيوني في طشقند يقوم بالترويج للثقافة والأفكار الصهيونية بين اليهود وغيرهم من مواطني أوزبكستان فضلًا عن تنظيم دورات لتعليم اللغة العبرية.

إن أحد أبرز الدروس المستخلصة من تجربة الغرب مع أوزبكستان انه إذا كان الغرب وروسيا قد سمحوا بثورات وردية وبرتقالية وصفراء في جورجيا وأوكرانيا وقيرغيزستان متوافق مع مصالحهم في المنطقة، فليس من صالحهم أن يصل إسلاميون إلى الحكم في إحدى هذه الدول خصوصًا جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية القريبة من أوروبا « سبق أن رفضوا دولة إسلامية في البوسنة وآخر في كوسوفا»، وهو درس واضح واختبار عملي لمدى صدق المقولات الأمريكية عن الحوار مع ..الإسلاميين أو السماح لهم بحزب .. أما حكمهم فلا؟!

الرابط المختصر :