; بعد أربعة أشهر من إعلانها: الرئيس الجيبوتي يحـرك مبادرته للمصالحة الصومالية | مجلة المجتمع

العنوان بعد أربعة أشهر من إعلانها: الرئيس الجيبوتي يحـرك مبادرته للمصالحة الصومالية

الكاتب مصطفى عبدالله

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-2000

مشاهدات 57

نشر في العدد 1385

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 25-يناير-2000

مقديشو: 

بعد أربعة أشهر من التريث والروية لترتيب الأوراق وبلورة التصورات، أو لجس نبض الدول المعنية بالقضية الصومالية، بدأ الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلي تحريك مبادرته في مشروع المصالحة الصومالية، والتي طرحها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أواخر سبتمبر الماضي.

بدأ الرئيس الجيبوتي تحركه بجولة طويلة بدأها من كينيا في الرابع عشر من يناير الجاري، ثم إثيوبيا، واليمن، ومصر، وغيرها، التقى خلالها مسئولي دول الجوار، ومن المقرر أن يلتقي مجلس التنسيق الذي يضم الدول والمنظمات المهتمة بالقضية الصومالية.

ولا غرو أن بدأ جولته من العاصمة الكينية نیروبي والتقى فيها الرئيس الكيني دانيال آرب موي، إذ من المعروف أن الأخير انزعج من هذه المبادرة، وسبب هذا الانزعاج بعض زعماء الفصائل الصومالية القلقين من المبادرة التي سحبت البساط من تحت أقدامهم واعتبرتهم «بارونات حرب» تجب مقاطعتهم، بل معاقبتهم إذا لم ينصاعوا لرأي الأغلبية.

وبسبب هذا التوريط كاد الرئيس الكيني أن يقاطع قمة الدول الأعضاء في منظمة «إيجاد» التي انعقدت في جيبوتي أواخر نوفمبر الماضي، لولا تدخل النواب الصوماليين في البرلمان الكيني.

كانت مبادرة الرئيس الجيبوتي قد لقيت ترحيبًا على أكثر من صعيد، فعلى الصعيد المحلي رحب الشارع الصومالي بمختلف فئاته بالمبادرة وعبر عن ذلك بمسيرات شهدتها العاصمة وغيرها، وحاول بعض زعماء الفصائل المسلحة تنظيم مظاهرات ضد المبادرة ولكنها لم تنجح.

وعلى الصعيد الإقليمي تحظى هذه المبادرة بتأييد دول المنطقة ومنظماتها الإقليمية على المستويين العربي والإفريقي، وقد تكون إريتريا الدولة الوحيدة في المنطقة التي لم تؤيد المبادرة لأسباب عديدة، وقد انزعج الرئيس الكيني من المبادرة - كما ذكرنا - ولكن بعد جهود النواب الصوماليين في البرلمان الكيني أبدى تأييده الشفهي والعملي معًا، ويلاحظ أيضًا أن دور الجماهيرية الليبية يبدو خارجًا عن التوجه العام، وقد ذكر السفير الليبي بالصومال في مطلع ديسمبر الماضي و حفظ بلده على المبادرة، إذ قال: «إن حكومته لا تؤيد هذه المبادرة الجيبوتية ولا تعارضها، لكن مصادر دبلوماسية جيبوتية رفيعة المستوى قللت من هذا التصريح واعتبرت أنه لا يترجم الموقف الحقيقي لحكومة ليبيا.

كما حظيت المبادرة بتأييد في المؤتمرات والمحافل الإقليمية والدولية: منها المنظمة الحكومية للتنمية ومحاربة التصحر «إيجاد»، وجامعة الدول لعربية والمجلس التنسيقي بين الدول والمنظمات  بالقضية الصومالية، ومجلس الأمن، وكان أخرها ذلك تأييد الأمين العام للأمم المتحدة لهذه المبادرة والذي أعرب عن ذلك في رسالة خاصة له بعثها إلى الرئيس الجيبوتي في الرابع عشر من يناير الجارى، ووعد أنه سيدعم المبادرة بخبراء في القضية الصومالية.

ولكن على الصعيد المحلي كيف تتعامل الحكومة الجيبوتية مع الأطراف الصومالية؟

 الشيء الوحيد الذي أعلنه الرئيس الجيبوتي هو عدم إعتباره زعماء الفصائل الصومالية مسؤولين عن المجتمع الصومالي، أو ممثلين له، لكن يرى المحللون أن هناك جملة من المشكلات تواجه المبادرة الجديدة، وأن نجاحها مرتهن بالتغلب على المشكلات وعلى رأسها كيفية اختيار ممثلين يتمتعون بثقة الشعب ليشاركوا في مؤتمر المصالحة القادم، وهناك مشكلات أخرى قد تكون أعقد من مشكلة التمثيل ولكنها قد تظهر أثناء المؤتمر  أو  بعده. 

ويظهر حجم مشكلة التمثيل وكيفية التعامل مع الأطراف الصومالية بعد أن نعرف أن الخارطة السياسية في الصومال في الظرف الراهن ليست على وتيرة واحدة، بل هناك خليط من ألوان الطيف وجمع من تناقضات معقدة.

الخارطة السياسية في المرحلة الراهنة

إذا حاولنا الوقوف على الخارطة السياسية يمكن أن نجمع المحافظات الصومالية في ثلاث مجموعات: المحافظات الشمالية الغربية، والشمالية الشرقية، والوسطى والجنوبية.

فأما المحافظات الشمالية الغربية، أو جمهورية أرض الصومال، والتي تضم خمس محافظات من مجموع المحافظات الصومالية الثمانية عشرة فهي تتسم بالاستقرار والأمن ولها إدارة منذ منتصف 1991م، بعد أن أعلنت نفسها جمهورية مستقلة عن بقية الجمهوريات الصومالية، بيد أنها لم تجد اعترافًا حتى الآن، والمرجعية التي ترتكز عليها والفلسفة التي تنطلق منها ترجع إلى حقبة الاستعمار، إذ كانت مستعمرة بريطانية انضمت إلى المستعمرة الإيطالية في الشطر الجنوبي وتكونت منهما جمهورية الصومال عام1960م، ويترأس هذه الجمهورية محمد حاج إبراهيم عقال.

وحسب المواقف المعلنة فإن هذه الجمهورية لا تقبل المساومة على «استقلالها»، ولا تقبل المساس بـ «سيادتها»، ومن ثم فلا ناقة لها ولا جمل في المؤتمرات التصالحية التي تعقد للفصائل الصومالية بين حين وآخر، ولكن بعد استقراء سلوكيات إدارة هذه المحافظات - وكما يعتقده أغلب المحللين - فإن السيد عقال ينتظر أي مشروع تصالحي فعال، ولكنه لا يريد أن ينزل إلى مستوى الفصائل المسلحة التي تصول وتجول في المحافظات الوسطى والجنوبية، وقد ألمح عدة مرات إلى أن «جمهوريته» مستعدة للتفاوض مع الشطر الجنوبي في رسم مستقبل الصومال بعد تكوين إدارة موحدة في الشطر الجنوبي.

أما المحافظات الشمالية الشرقية أو «ولاية أرض البخور» بونت لاند، والتي تضم محافظتين وأجزاء من محافظات ثلاث أخرى، فقد تكونت منتصف 1998م كرد فعل عنيف لاتفاقية القاهرة والمرجعية التي ترتكز عليها والفلسفة التي تنطلق منها هي العلاقة العشائرية بين أغلب سكان تلك المحافظات، إذ ينتمون إلى قبيلة واحدة، ومن ثم لا تتقيد بالحدود الجغرافية، ولذلك ترى هذه الولاية أو الحكومة الإقليمية أن أجزاء من محافظتي سول وسناق جزء لا يتجزأ من أراضيها مادامت وشائج القربى تربط بينهم، في حين أن جمهورية أرض الصومال ترى أنها جزء لا يتجزأ من أراضيها أيضًا، وقد أدى ذلك إلى توتر كاد أن يتطور إلى مواجهات مسلحة.

أما المحافظات الوسطى والجنوبية «ثلثا المحافظات الصومالية» فليس فيها أي نوع من الإدارة المدنية، ووضعها يختلف من محافظة إلى أخرى، بعض منها منغمس في حقبة ثوران الجبهات المسلحة، وبعض منها قد يئس من المواجهات، ويشهد استقرارًا نسبيًا ولكنها لم تتطور بعد إلى تكوين إدارة محلية، وبعض آخر متوتر جدًا، وقد يتدهور إلى مواجهات دامية، وخلاصة ذلك أن هذه المحافظات ليست فيها إدارة مدنية معتبرة.

ما دامت هذه هي الخارطة السياسية والتي تجمع في داخلها تناقضات عديدة- من منطقة تقول إنها جمهورية مستقلة إلى منطقة لا يوجد فيها أي نوع من الإدارة - فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يتم التعامل مع هذا المزيج من التناقضات؟ وما المعايير والموازين التي تعتمد لاختيار الممثلين؟ أهي تقسيمات جغرافية صرفة مثل المحافظات، أم تقسيمات عشائرية بحتة أم الفاعليات والشرائح التخصصية للمجتمع، مثل المجتمع المدني؟ أهي معايير مختلفة حسب المناطق أم معايير موحدة؟ أسئلة صعبة ولكن لا بد من الإجابة عنها.

وفي هذا الصدد فقد صرح الرئيس الجيبوتي بأنه يكون لجنة استشارية صومالية تتكون من عناصر نزيهة وشخصيات وطنية ذات خبرة ومعرفة تعمل مع الفريق الجيبوتي الخاص بالملف الصومالي، وتدعم مشروع المصالحة الصومالية بالفكرة والرأي، وتساهم في حل المعضلات وتذليل العقبات التي تظهر أثناء هذه المسيرة التصالحية المعقدة، وفي الوقت الراهن تجري استشارات واسعة حول عناصر تلك اللجنة، وقد وعد الرئيس الجيبوتي بأن يدعو هذه اللجنة الاستشارية المزمع تكوينها إلى الاجتماع في جيبوتي في غضون أسابيع.

لكن مسألة التمثيل ومعايير اختيار الممثلين تظل من أعقد المشكلات التي تواجه المبادرة الجيبوتية في مرحلة تحضيرها لمؤتمر المصالحة الوطنية.

الرابط المختصر :