; لماذا فشلت الحداثة بعد نصف قرن من ظهورها؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا فشلت الحداثة بعد نصف قرن من ظهورها؟

الكاتب محمد عبدالشافى القوصي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-2000

مشاهدات 63

نشر في العدد 1415

نشر في الصفحة 53

الثلاثاء 29-أغسطس-2000

  • د. شوقي ضيف: للإنسان العربي خصائص ترفض الإكراه والضغوط.

بدأت معركة الحداثيين مع تراث الأمة وحضارتها وهويتها منذ ما يقرب من نصف قرن من الزمان استخدموا خلالها جميع أنواع الأسلحة، وجندوا في كتائبهم العشرات والمئات من العملاء والمخدوعين من المستغربين والمستشرقين وضعاف النفوس والمراهنين على ضياع الأمة وتمزيق كيانها وتذويب هويتها، وتهميش دورها. 

كما أقام الحداثيون خلال هذه المرحلة الندوات والمؤتمرات للترويج لهذا الهوس الفكري والفوضى الثقافية، وقاموا بطبع أعمالهم في البلاد العربية والأوروبية وغيرها، وتوزيع الجوائز والنياشين، وعقد ألوية الشعر لأنفسهم.. إلى غير ذلك.

بعد هذا الاقتتال الشرس، وبعد تلك المعارك الحامية الوطيس التي خاضوها هنا وهناك، فضلًا من تلك الإمكانات المادية والمعنوية التي بذلوها.. فشلت تلك الدعاوى، وذهبت ريحها، وانفض جمهور الحداثة غير مأسوف عليه، ولم تستطع تلك الفلسفة الوافدة أن تفرض نفسها على الساحة العربية، ولم تفلح محاولات زحزحة الثقافة العربية الأصيلة من مكانها، بل ازداد الشعر العربي الأصيل صمودًا في وجه تلك الأعاصير.

لماذا فشلت مذاهب الحداثة الفكرية والثقافية على أرضنا بعد نصف قرن من الزمان.. هذا السؤال يجيب عنه النقاد:

أمة ذات رسالة

يقول الدكتور شوقي ضيف -رئيس المجمع اللغوي بالقاهرة- إن هذه الدعاوي الزائفة التي أسموها «حداثة»، والتي استعاروها من الغرب والشرق لم تكن لتصلح في هذه الأرض العربية الملامح ذات الجذور الإسلامية التي هي مهد الرسالات السماوية والعقائد الراسخة.

 ونحن نسمع عن هذا الضجيج والصخب منذ قرابة خمسة عقود خلت ولم تأبه به أبدًا، ولم نلق له أذنًا، وفي رأيي أن هذا أمر طبيعي وليس بمستغرب أن تتعرض لغتنا وثقافتنا وعقيدتنا للهجوم والتحدي، فهذا هو قدر الأمة منذ أن أخرجت الناس.

أيضًا، فالمواطن العربي له خصائص نفسية مميزة، كما أن له أذنًا موسيقية لا تقبل ما لا يعجبها ويطربها حتى لو أكرهت عليه وفرض عليها فرضًا، والدليل على ذلك أن الناس لا يزالون إلى يومنا هذا وبعد مرور حوالي ألفي عام يرددون أشعار الجاهليين ومآثرهم وطرائفهم، في الوقت نفسه لم تتحرك أذانهم لهذه الطنطنة الجوفاء الفارغة التي أسموها الحداثة الشعرية.

ويتساءل د. عبد الباسط بدر -الأستاذ بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة- قائلًا المدهش أن هذه الشعوب المغلوبة على أمرها، وعلى ضعفها وتخلقها، ما زالت تتعرض للغزو الفكري من كل حدب وصوب، وإلى حملات تنفق فيها الأموال الطائلة، وتبذل لها الجهود الضخمة، لقتل ما بقي من شخصيتها الإسلامية والمحاصرة إسلامها في زوايا المسجد وعزله عن الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية ولتصويره في أحسن الأحوال على أنه تراث مجيد لا يصلح للحياة المعاصرة. 

ومن أشكال هذه المحاصرة أيضًا: تطبيع الفرد المسلم بطابع المدنية الغربية، وملئه بقيمها وتصوراتها، وتغيير ثقافته وآدابه وفنونه، وتحويلها إلى مُسخ تقلد الآخرين. 

ويضيف د. عبد الباسط بدر: والحداثة ما هي إلا واحدة في سلسلة طويلة من الصراع المرير بين الحق والباطل، ولكن الصحوة الإسلامية الواعدة هي التي أبطلت مفهوم الحداثة المعاصرة وقتلته قبل أن يولد، وتصدت لأدعيائه في كل موقع.

إلى ذلك.. هناك الوعي الإسلامي المتزايد بين المثقفين خاصة وانتشار الكتاب الإسلامي على نطاق واسع، والعمل على إبراز الشخصية الإسلامية في مجالات الحياة كلها، وتزويد الفرد المسلم بالنظريات الإسلامية لتحصينه ضد الغزو الفكري الشرس.

ويختتم حديثه قائلًا: ورغم كل الحملات التي قادها الحداثيون ضد الأصالة في الأدب العربي القديم إلا أنها باءت بالفشل، ولم تبق إلا الشخصية الإسلامية الأصيلة.

خطر الحداثيين على الأمة: ويرى الدكتور عبد العظيم المطعني أن للإبداع مصادر أجمع عليها الفكر الإنساني الأدبي منذ أقدم العصور، وفي أمم الحضارة كلها، وهي الموهبة الفطرية ثم الصقل والتهذيب، وإذا كانت الموهبة من الله وحده لا دخل للإنسان فيها، فإن الصقل والتهذيب هو عمل المبدع، ومؤداه تحصيل المعارف الإنسانية الراقية، وحفظ النماذج الأدبية الرفيعة، والإلمام بثقافات الأمم، وبخاصة الثقافات المعاصرة للمبدع، ثم الممارسة والمعاناة.

ومن هنا -والكلام للدكتور المطعني- يتبين لنا أن محاولات مزوري مصادر الإبداع وربطهم بين الإبداع والانحراف واغتيال الفضائل وتغييب العقل وتدمير اللغة والإباحية، هذه الظاهرة تحاول قلب الأوضاع وقتل كل شيء جميل في الحياة، ونماذجهم كانت وليدة لهذه التصورات، خلت من الإبداع الذي من أجله ارتكبوا كل الحماقات الشائعة، وما رأينا لأحد من دعاة الحداثة نموذجًا واحدًا يحمل طابع الإبداع مع ممارستهم الحرية الكاملة -أو قل الهمجية الكاملة- وهم يصنعون كل نماذجهم من الهلوسة والغموض والنعيق، فلا هم مبدعون فيما أغمضوا فيه ولا هم مبدعون فيما أوضحوا فيه.

.. سموم

هذا مع فساد استدلالهم على الغموض وعلى تدمير اللغة، فلم يبق لهم من مدعياتهم شيء على الرغم مما أتيح لهم من فرص على امتداد الوطن العربي كله ينفثون فيها سمومهم، فمن صحف وإعلانات يصدرونها ويسيطرون عليها طولًا وعرضًا إلى مؤلفات تصدر عنهم تباعًا، إلى مؤتمرات يعقدونها أو يشاركون فيها، إلى صفحات وأبواب في الصحف يتفردون بتحريرها.

ويؤكد الدكتور المطعني أن الحداثيين أشد خطرًا على ماضي الأمة وحاضرها ومستقبلها من أعداء الأمة من الخارج المتربصين بها الدوائر والتصدي لهم جهاد مقدس، ينبغي أن ينهض به كل ذي قلم وكل في علم. 

ويضيف الدكتور المطعني: وما دمنا لا نملك اتخاذ القرار بوقف أنشطتهم الهدامة فإن صيحات الإنكار، وفضح أساليبهم في مؤلف يكتب، أو خطبة تقال، أو مقال يُنشر، أو محاضرة تلقى هي شغلنا الشاغل، وينبغي ألا نمل ولا نيأس حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، ولا يفت في عضدنا أنهم يمتطون أعلى المناصب المؤثرة في تكوين الرأي، وأنهم يحصلون على جوائز ونياشين وشهادات تقدير، فهذا كله كسب رخيص، وأن للباطل جولة ثم ينتكس، وإن ربك لبالمرصاد.

الرابط المختصر :