; قطار التضييق وصل إليها..  مشروع قانون جديد يحاصر العمل في الأردن | مجلة المجتمع

العنوان قطار التضييق وصل إليها..  مشروع قانون جديد يحاصر العمل في الأردن

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر السبت 15-يناير-2005

مشاهدات 54

نشر في العدد 1635

نشر في الصفحة 18

السبت 15-يناير-2005

  • القانون الجديد يجعل الوزارة الخصم والحكم ويمنع الجمعيات من فتح فروع لها في بقية المحافظات.

  • الإسلاميون هم المستهدفون بالدرجة الأولي والحكومة تجس النبض.

مشروع قانون جديد متشدد يجري إعداده لتنظيم عمل الجمعيات الخيرية في الأردن وبحسب مختصين فإن من شأن إقراره وتطبيقه،فرض الكثير من القيودعلى العمل الخيري التطوعي وتحجيمه ومحاصرته والحاق الضرر بمصالح الفقراء والمحتاجين الذين يستفيدون من خدمات تلك الجمعيات،وتعجز المؤسسات الحكومية وحدها عن تحقيق حاجاتهم ويؤكد العاملون في مجال العمل الخيري أن الفقراء والمسحوقين سيكونون الخاسر الأكبر من إقرار القانون وليس الجمعيات الخيرية أو أي جهات أخرى.

وقد لزمت الحكومة التي نشرت النص الكامل لمشروع القانون في الصحافة شبه الرسمية الصمت ولم تعلق حتى كتابة هذه السطور على ردود الفعل التي صدرت حول مشروع القانون،وثمة من يقول إن الحكومة أرادت جس النبض ومعرفة ردود الفعل المتوقعة على القانون قبل دفعه بصورة رسمية إلى مجلس النواب كي يمر في مراحل التشريع القانونية.

الخصم والحكم

مشروع القانون الجديد منح الحكومة عبر وزارة التنمية الاجتماعية صلاحيات واسعة تتيح لها السيطرة على العمل الخيري وعلى الجمعيات الخيرية وحولها ممارسة العديد من المهام والسلطات في آن واحد فقد أعطاها سلطة الرقابة على الجمعيات الخيرية وتفتيش مقارها في أي وقت وصلاحية التدقيق في كافة وثائقها،كما منحها صلاحية التحقيق وإصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات في أي خلافات أو نزاعات تنشأ بين الوزارة وبين تلك الجمعيات دون أي مرجعية قانونية مستقلة الأمر الذي يجعل من الوزارة الخصم والحكم في النزاع مع الجمعيات الخيرية،في حين يقتصر دور الوزارة في القانون المعمول به حالياً على الإشراف على عمل الجمعيات الخيرية حيث نصت المادة الرابعة منه على أن للوزارة الإشراف على الهيئات والمؤسسات المحلية والأجنبية والدولية الخاصة والعامة التي تقدم مساعدات مادية أو معنوية وتشتغل بالرعاية الاجتماعية وأعمال البر والإحسان وتشرف عليها. 

إلغاء الاستقلالية

ومشروع القانون الجديد،وفق ما يؤكد قانونيون يحرم الجمعيات والهيئات الخيرية من أي طابع خاص،ويلغي الكثير من هوامش الاستقلالية عن هذه الجمعيات كمؤسسات أهلية خاصة،ويحولها إلى مؤسسات حكومية أو شبه حكومية خاضعة بالمطلق لسيطرة الحكومة الأمر الذي يفرغ العمل التطوعي الخيري الخاص من مضامينه الحقيقية.

فمشروع القانون الجديد يتيح للحكومة وضع يدها على الهيئات والجمعيات الخيرية، ويمنح وزير التنمية الاجتماعية صلاحيات مطلق وينص على أن للوزير حلّ أي هيئة اجتماعية توجيه إنذار لها كما يملك الوزير تعيين لجا تدير شؤون الجمعية التي قرر حلها لمدة شهرير ويحق له التمديد لهذه اللجنة المعينة وغي المنتخبة لفترة غير مقيدة لا يحددها مشروع القانون

ويمعن المشروع في إلغاء الاستقلالي والخصوصية عن الجمعيات الخيرية فيض قيوداً على الأفراد الذين يترشحون لانتخابا هيئاتها الإدارية،ويشترط عليهم الحصول عل موافقة أمنية شهادة) عدم محكومية) كي يسمح لهم بالترشح للانتخابات،وحتى بعد تحقيق لهـذه الشرط والفوز بعضوية الهيئة الإدارية في مشروع القانون يخوّل الوزير والجهات الأمنية صلاحية الموافقة أو الاعتراض على اعتماد عضوية الأعضاء المنتخبين،ليس هذا فحسب، بل إن مشروع القانون الجديد يحرم رئيس الجمعية الخيرية من ترؤسها لأكثر من دورتين كما يحرمه من رئاسة جمعيتين خيريتين في واحد حتى وإن اختلفتا في الاختصاصات ومجالات الخدمة التي تهتمان بها.

والغريب أن القانون الذي يتشدد بقسوة مع الجمعيات الخيرية المحلية يتعامل بتساهل كبير مع المؤسسات الخيرية الأجنبية،حيث تغيب عنه الأحكام التي تنظم عمل الجمعيات الخيرية المرتبطة بالحكومات الأجنبية وبأجهزتها وبالوكالات التابعة لها .

كما لا يضع القانون قيوداً على عدد فروع الجمعيات الأجنبية التي تفتح في الأردن في حين أن مشروع القانون يمنع أي جمعية خيرية داخل الأردن من فتح فروع لها في بقية مناطق المملكة،مما يحصر نشاطها وتأثيرها في بقعة جغرافية صغيرة وفي فرع واحد ويحرمها من بسط خدماتها لتشمل مناطق متعددة داخل الأردن،وهو ما يرى فيه العاملون في مجال العمل الخيري محاولة واضحة لمحاصرة أنشطة الجمعيات الخيرية التي يتعامل معها مشروع القانون بحذر وتوجس وبنيات غير إيجابية وكأنها جمعيات مشبوهة ومتهمة عليها أن تثبت براءتها،بدل دعمها وإسنادها وتقديم التسهيلات لها لكونها تساعد الحكومة في تقديم الخدمات الاجتماعية للمواطنين وتخفف العبء الكبير عنها.

توجه دولي

وفيما لا يرى رموز العمل الخيري التطوعي في الأردن حاجة لوضع قانون جديد لتنظيم عمل الجمعيات الخيرية فإنهم يبدون استغرابهم من تفرد الحكومة بوضع مشروع القانون الجديد،دون أي تشاور مسبق مع القائمين على هذه الجمعيات على الرغم من أنها المعنية بالدرجة الأولى بالقانون وبتأثيراته وانعكاساته على أوضاعها ویرى الكثيرون أنه لا يمكن عزل مشروع القانون الجديد الذي يسعى إلى محاصرة العمل الخيري في الأردن وتحجيمه عن السياق والتوجه الدولي بل إن أوساطاً سياسية وبرلمانية أردنية تحدثت بوضوح عن أن مشروع القانون الجديد يأتي استجابة لضغوط خارجية تصاعدت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من أجل محاصرة العمل الخيري في العالم العربي والإسلامي وتحجيمه بحجة أن بعض الجمعيات الخيرية الإسلامية متورطة في دعم الإرهاب والغريب أن مشروع القانون الجديد لتنظيم عمل الجمعيات الخيرية في الأردن يأتي في ظل حديث متزايد عن الانفتاح والعولمة،وتوجه قوي متسارع ومندفع في السنوات الأخيرة باتجاه خصخصة كافة القطاعات وتعزيز أدوار ومبادرات القطاع الخاص في الأردن والعمل بصورة تدريجية من أجل إنهاء سيطرة الدولة على الكثير من الجوانب المهمة،الأمر الذي يجعل من إصرار الحكومة على وضع مشروع القانون الجديد الذي يقيد العمل الخيري ويفرض عليه وصاية ورقابة حكومية صارمة توجهاً مناقضاً ومخالفاً لسياق التوجه العام للخصخصة في الأردن.

محاصرة للعمل الشعبي

وإضافة للعامل الخارجي والسياق الإقليمي والدولي المتوجس من كل أشكال العمل الخيري المستقل في العالم العربي والإسلامي ترى أوساط سياسية في الأردن أن هناك عوامل محلية تقف وراء التوجه الحكومي نحو محاصرة العمل الخيري تتعلق بشعور الحكومات بنوع من المنافسة مع مؤسسات القطاع الخاص لا سيما الإسلامية منها.

أوساط إسلامية قالت إن التوجه الحكومي المحاصرة العمل الإسلامي الشعبي وتحجيمه مستمر منذ سنوات،ويجري تنفيذه تدريجياً على مراحل حيث تم إقصاء الإسلاميين عن المجالس البلدية بعد أن قامت الحكومة قبل سنوات بحل المجالس المنتخبة التي سيطر الإسلاميين على عدد منها في المدن الرئيسة وقامت الحكومة بوضع قانون جديد يعطيها حق تعيين نصف عدد أعضاء المجلس البلدي إضافة إلى الرئيس،ما يعني بسط السيطرة الحكومية على كافة المجالس البلدية وهو ما أدى إلى مقاطعة الإسلاميين لتلك الانتخابات والأمر نفسه جرى مع العمل الطلابي في الجامعات،حيث شهدت المجالس الطلابية ضغوطا شديدة لإقصاء الإسلاميين عنها وحرمانهم من السيطرة عليها،فتم اعتماد قانون الصوت الواحد في بعض الجامعات،إلى جانب قانون التعيين الذي يخول رئيس الجامعة تعيين رئيس المجلس الطلابي ونصف عدد أعضاء المجلس كما تعرض الناشطون في مجال العمل الإسلامي الطلابي لضغوط متعددة وصلت إلى حد الفصل والحرمان من الدراسة.

وانتقل الدور إلى جمعية المحافظة على القرآن الكريم التي انتشرت فروعها بشكل واسع في كافة مناطق الأردن خلال السنوات الماضية وباتت تشكل ظاهرة لافتة من حيث حجم تأثيرها وأعداد الملتحقين بها فبعد أن كانت الجمعية تخضع بموجب ترخيصها إلى وزارة الثقافة حيث الإشراف شكلي ومحدود،قررت الحكومة إخضاعها بصورة مشددة لإشراف ورقابة وزارة الأوقاف بصورة تصل حد إلحاقها بها.

ولم تسلم النقابات المهنية التي سيطر الإسلاميون على غالبية مجالسها المنتخبة من ضغوط الحكومة ومحاولاتها تحجيم ومحاصرة العمل الإسلامي فيها بدعوى تجاوزها لدورها النقابي وانشغالها بالهم السياسي الذي هو من اختصاص الأحزاب السياسية،وصدرت عدة تحذيرات حكومية من إمكانية وضع قوانين تلغي إلزامية الانتساب إلى النقابات من أجل الضغط عليها للتخلي عن أدوارها السياسية.

وترى أوساط إسلامية أن الدور جاء هذه المرة على ما يبدو إلى جمعية المركز الإسلامي الخيرية كبرى الجمعيات الخيرية في الأردن والتي يتبعها عشرات المدارس والمستوصفات والمشافي المنتشرة في مختلف محافظات الأردن وتقدم خدمات واسعة لشرائح كبيرة من المجتمع حيث يسود اعتقاد بأنها المستهدف الرئيس بالدرجة الأولى من مشروع القانون الجديد للجمعيات الخيرية لا سيما أن ضغوطاً حقيقية بدأت تمارسها وزارة التنمية الاجتماعية في الأسابيع الأخيرة ضد الجمعية.

تجدر الإشارة إلى أن العمل الخيري تعرض في العديد من الدول العربية والإسلامية إلى إشكال مختلفة من التضييق خلال السنوات الأخيرة وتم إغلاق عدد من الجمعيات الخيرية وحتى في فلسطين المحتلة التي يعيش الشعب الفلسطيني فيها أوضاعاً صعبة في ظل الحصار الصهيوني المتواصل خلال انتفاضة الأقصى فإن العديد من الجمعيات الخيرية الإسلامية التي تقدم المساعدات للفقراء والمحتاجين تعرضت للإغلاق من قبل حكومة محمود عباس أبو مازن قبل عدة أشهر بفعل ضغوط خارجية مما الحق الضرر بعدد كبير من المستفيدين من خدماتها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل