العنوان جريمة قطع «الطرق الحرابة».. في ميزان الاقتصاد الإسلامي
الكاتب د. حسين شحاتة
تاريخ النشر الأربعاء 01-يناير-2014
مشاهدات 67
نشر في العدد 2067
نشر في الصفحة 60
الأربعاء 01-يناير-2014
اقتصاد
• المحافظة على الدين والنفس والعرض والمال تحقّق الاستقرار والتنمية الاقتصادية.
• جريمة الحرابة تسبب خللا في الحقوق الاقتصادية وتسبب الفوضى والخوف والذعر في المعاملات الاقتصادية.
جاءت الأديان الإلهية من أجل الإنسان لتوجيهه إلى طريق الخير، ولتحفظه، وتحقق له حياة كريمة، حتى يعبد الله عز وجل، والإسلام وهو الخاتم والمهيمن على جميع الأديان، أتى بشريعة كاملة ودائمة وعالمية للناس جميعاً، ومن مقاصدها توفير الحاجات الأصلية للإنسان، وهي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ العرض. وحفظ المال، وعندما تحفظ هذه الحاجات يتحقق الأمن والأمان والحياة الكريمة للناس جميعاً، ويعيش الإنسان آمنا في سربه معافى في بدنه عنده حاجاته المعيشية.
وهناك علاقة سببية قوية بين نقص هذه الحاجات الأصلية وبين الجرائم والأخلاق السيئة والسلوكيات العدوانية.. يقول العلماء إن الفقر والعوز رذائل اقتصادية، وإذا نقص أو ضعف عنصر منها أثر على بقية العناصر، فعلى سبيل المثال: إذا ضاع العقل بالإدمان والخمور ونحو ذلك يعرض النفس للهلاك، ويضيع الدين، ويعتدي على العرض وتسلب الأموال، وتهلك الزروع والثمار، وتبدأ سلسلة المفاسد الاقتصادية.
وكذلك إذا لم يلتزم الإنسان بالقيم الدينية والأخلاقية فمن نتائج ذلك الاعتداء على النفس وضياع العقل والاعتداء على الأعراض، وهلاك المال، وقد أشار الرسول ﷺ إلى ذلك في حديثه الشريف: «لا يسرق السارق وهو مؤمن، ولا يزني الزاني وهو مؤمن».. (متفق عليه)، وهذا - كذلك - يؤدي إلى مفاسد اقتصادية.
واستنباطاً من ذلك، فإن المحافظة على الدين والنفس، والعرض، والمال، تحقق الاستقرار والتنمية الاقتصادية، وإذا لم يتم ذلك يكون الفساد في الأرض ومنه الفساد الاجتماعي والفساد الاقتصادي، ويرى علماء الاقتصاد الإسلامي أن تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية يقود إلى الرخاء والتنمية والحياة الكريمة الرغدة للإنسان، فلا اقتصاد بدون أمن للنفس وأمن للعرض وأمن للمال.
قياساً على ذلك، فإن جريمة قطع الطرق «الحرابة» تسبب خللاً في الحقوق الاقتصادية. حيث إن هذه الجريمة من أخطر الجرائم التي تسبب فوضى وخوفاً وذعرا في المعاملات الاقتصادية. وتسبب التخلف والحياة الضنك، وذلك على النحو الذي سوف نفصله.
يرى فقهاء الإسلام أن جريمة قطع الطريق هي الحرابة التي أشار الله إليها في القرآن الكريم في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة: 33).
ولقد بين رسول الله ﷺ أن قاطع الطريق والاعتداء على الناس رافعاً السلاح ليس من المسلمين، ودليل ذلك قوله: «من حمل علينا السلاح فليس منا» (رواه البخاري).
ومن صور الحرابة المعاصرة ما تقوم به العصابات، مثل:
- القتل بدواع عنصرية أو للاستيلاء على المال أو هتك الأعراض أو نحو ذلك، أو خطف الأطفال لطلب المال أو للإتجار بهم.
- السطو على الناس لسلب أموالهم ومتاعهم.
- الاعتداء على البنوك والمؤسسات المالية والاقتصادية لسلب الأموال ونحو ذلك.
- قطع الطريق وخطف البنات والفجور بهن.
- إتلاف الحرث للمكيدة والعنصرية.
- اغتيال بعض الناس بسبب الاختلاف في العقيدة أو الرأي أو نحو ذلك.
عقوبة الحرابة
وهذه الجرائم تدخل في نطاق الحرابة المحرمة شرعاً، ولها عقوبات:
عقوبة القتل: وتطبق على من قتل.
عقوبة الصلب: وتطبق على من قتل وسلب المال وهتك العرض.
عقوبة قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى: وتطبق على من سلب المال ولم يقتل.
عقوبة النفي: وتطبق على من روّع الناس.
ويترك تقدير هذه العقوبات للقاضي العادل ويرجع في ذلك إلى كتب أصول الفقه الإسلامي - باب حد الحرابة - المعرفة المزيد من التفصيل عن الضوابط الشرعية لتطبيق كل عقوبة، حيث إن هذا خارج نطاق البحث، حيث تركيزنا على الجوانب الاقتصادية لهذه الجريمة، وكيف نعالجها من منظور الاقتصاد الإسلامي.
الأبعاد الاقتصادية للحرابة
هناك أسباب شتى لظاهرة قطع الطريق «الحرابة»، منها ضعف القيم الإيمانية والفساد الأخلاقي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي ومن معالم الفساد الاقتصادي الذي يسبب قطع الطريق الفقر والبطالة وضعف التربية والعشوائيات والفوارق بين الطبقات.. ونحو ذلك.
هذه المفاسد الخطيرة تؤثر على رجال الأعمال والمستثمرين والمتعاملين في البورصة، وعلى المستهلكين، وترفع تكلفة التأمين وتؤدي إلى هروب المال إلى المكان الآمن، وهذا كله يقود إلى سلسلة من المضاعفات السيئة تنتهي إلى التخلف والمزيد من الفقر والبطالة والحياة الضنك للفقراء.
وعندما يوجد مجتمع لا تحترم فيه حقوق المواطنين الاقتصادية ولا سيما الطبقة الفقيرة المهمشة نجد بعض الشباب ينحرف ويضل الطريق المستقيم.. فعلى سبيل المثال: عندما يتخرج الشاب من المدرسة أو المعهد أو الجامعة، ولا يجد عملا يتكسب منه رزقاً حلالاً لتوفير الحاجات الأصلية له، ويجد على يمينه وشماله الفساد بكل صوره فإن هذا الشاب المسكين ينحرف، ويزين له الشيطان طرق الفساد، فقد يمارس الحرابة أو يزني أو يسرق أو يشرب المدمنات، أو يلعب الميسر أو يكون عميلاً الأعداء الدين والوطن، أو يعتدي على مال الآخرين ويكون من قطاع الطرق، وهذا هو الشائع والأعم ولذلك يجب على ولي الأمر أن يركز على أسباب الظاهرة وعلاجها أولاً، ويكون العلاج من خلال تحقيق الأمن وتوفير الغذاء والشراب والملبس والعمل والمسكن والعلاج والتعليم وحفظ الفرج.. ونحو ذلك من الحاجات الضرورية للإنسان.
المنهج الاقتصادي الإسلامي لمعالجة المشكلة
يهتم المنهج الاقتصادي الإسلامي بالإنسان يبدأ به ليعمل عملاً حلالاً، ليعمر الأرض ويعين غيره ليعمل وغايته عبادة الله ومن أهداف الاقتصاد الإسلامي ضبط المعاملات بقواعد وأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية ليحيا الإنسان حياة كريمة طيبة ويفوز برضاء الله في الآخرة.
ويمكن معالجة مشكلة قطاع الطرق من المنظور الاقتصادي الإسلامي على النحو التالي:
أولاً: الاهتمام بالقيم الإيمانية والأخلاقية للشباب لأنهم أساس البناء والتطوير والإصلاح، ولا يمكن فصل الاقتصاد عن الإيمان والأخلاق وهذا يقود إلى تحقيق الأمن المعنوي.
ثانياً: تيسير فرص العمل أمام الشباب العاطل مع الفهم السليم بأن العمل عبادة وفريضة وواجب وقيمة وشرف والمهن والحرف من الأعمال التي حث عليها الرسول ﷺ: «أفضل الكسب، كسب الرجل من عمل يده» (متفق عليه).
ثالثاً: توجيه الاستثمارات للمشروعات التي تنتج الضروريات والحاجيات لأنها تستوعب أكبر قدر من العمالة، وذلك وفقاً لسلم الأولويات الإسلامية، وتوفر للإنسان حاجاته الضرورية.
رابعاً: التعاون والتضامن والتكافل بين أفراد الوطن، وبين الغني والفقير ضرورة شرعية، وحاجة إنسانية، فقد ورد في الأثر: «إنما يشقى الفقراء بصنيع الأغنياء، ومن سبل ذلك تطبيق نظام زكاة المال والصدقات والوقف الخيري، وكذلك نظام التكافل الاجتماعي، وتوجيه الحصيلة إلى سد حاجات الفقراء والمساكين ونحوهم.
خامساً: الاستخدام الرشيد للموارد الطبيعة التي سخرها الله والاهتمام بتسخيرها لتشغيل العاطلين، ولا يجوز تصديرها إلا بعد تصنعيها .
سادساً: إعادة النظر في مناهج ونظم التعليم لتتضمن من النشأة تربية وتعليم وتدريب الطفل على ممارسة بعض المهن حتى يجمع بين النظر والتطبيق.
سابعاً: تطهير وسائل الإعلام من الفساد. وتسخيرها لتوجيه الشباب إلى الطهر والعمل وخدمة النفس والمجتمع والوطن.
عندما تتفاعل هذه المحاور مع بعضها بعضاً، يكون الشاب الصالح العامل، والأسرة القدوة المربية والمجتمع الفاضل، ويختار منه الراعي والنظام الحاكم الذي يلتزم بالقرآن دستوراً، وبالرسول قدوة ويتحقق الخير ونستحق أن يرزقنا الله من الطيبات مصداقاً لقوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (الأعراف : ٩٦).