; ثقافة الاستهلاك والتسوق | مجلة المجتمع

العنوان ثقافة الاستهلاك والتسوق

الكاتب أ. د. زيد بن محمد الرماني

تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1997

مشاهدات 31

نشر في العدد 1268

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 23-سبتمبر-1997

تتميز العادات الاستهلاكية الحديثة عن تلك التي كانت سائدة في عصور سابقة بأن الناس اليوم أكثر ثراء من أسلافهم، وبالتالي فإن لنا تأثيرات أكثر تدميرًا للبيئة، وليس من شك في وجود قدر كبير من الحقيقة في تلك النظرة، إلا أن هناك أيضًا سببًا في الاعتقاد بوجود قوى معينة في العالم الحديث هي التي تشجع الناس على التصرف إزاء رغباتهم الاستهلاكية تصرفًا كان نادر حدوثه من قبل.

توجد خمسة عوامل حديثة مميزة يبدو أنها تلعب دورًا في غرس الشهوات الجشعة في النفوس، وهي: تأثير الضغوط الاجتماعية على المجتمعات البشرية، والإعلانات، وثقافة التسوق والشراء، والسياسات المختلفة للحكومة، وتغلغل سوق الجملة في دنيا المنازل وفي الاعتماد الذاتي المحلي.

ولقد عبّر مصرفي يعمل في وول ستريت لصحيفة نيويورك تايمز قائلًا: إن قيمة الصافية تساوي القيمة الذاتية، بمعنى أن قيمتك الحقيقية هي قيمة ما تملك من مال، وبناءً على هذا التعريف يصبح الاستهلاك طاحونة دوّارة، حيث يقدّر الناس حالتهم الاجتماعية بمدى غنى أو فقر كل واحد منهم.

وتؤكد البيانات السيكولوجية الصادرة من دول عديدة أن الرضا المستمد من المال لا يتحقق من مجرد حيازته، وإنما يتحقق من امتلاك أموال أكثر من الآخرين، ومن امتلاكها في هذا العام أكثر من العام الماضي.

ولعل من الأمور الأكثر غرابة أن غالبية البيانات السيكولوجية توضح أن المقومات الرئيسية للسعادة في الحياة لا ترتبط بالاستهلاك على الإطلاق، فمن أبرز هذه المقومات الرضا بالحياة الأسرية ثم الرضا بالعمل، ووقت الفراغ، والصداقات.

وفي استقصاء شامل عن العلاقة بين الرخاء والرضا، لاحظ جوناثان فريدمان أنه فوق مستوى الفقر، فإن العلاقة بين الدخل والسعادة ضئيلة على نحو ملحوظ.

يقول ألان درتنج: لقد أصبح شراء الأشياء برهانًا على الاحترام الذاتي، ووسيلة للمقبول الاجتماعي، أي علاقة مميزة لما أسماه الاقتصادي ثورستين فيبلين «اللياقة المالية».

ولقد وجد أخصائيو التسويق وسائل تتزايد دومًا لترويج سلعهم، فالإعلانات تذاع بواسطة أكثر من 10 آلاف محطة تلفزيون وراديو في الولايات المتحدة مثلًا، وهي تلصق على لوحات الإعلانات، وفي الملاعب الرياضية، وترسل حول الأرض من الأقمار الصناعية، وفي محطات مترو الأنفاق، وعلى شاشات فيديو بعرض الحائط في الأسواق التجارية، والإعلانات تدلف إلى حجرات الدراسات وعيادات الأطباء، وتوضع على لوحات المباريات الرياضية.

لقد أصبح الإعلان واحدًا من أسرع الصناعات نموًا في غضون نصف القرن الماضي، ففي الولايات المتحدة مثلًا ارتفعت مصروفات الإعلانات من 198 دولارًا بالنسبة للفرد في الخمسينيات إلى 498 دولارًا في الثمانينيات أي إنها تنمو بأسرع من الإنتاج الاقتصادي.

كذلك فقد أدى تكاثر مراكز التسوق، بطريقة ملتوية، إلى تشجيع الإجبار على الشراء، وكثير من النقاد يعتقدون أن تصميم ساحات المحلات التجارية، في حد ذاته، يشجع على التهور الاقتنائي.

إن الأهداف الاقتصادية الوطنية تبنى صراحة على أن الأكثر هو الأفضل، وعلى سبيل المثال، تشير الإحصائيات الوطنية إلى الناس بوصفهم مستهلكين لا مواطنين في أغلب الأحوال، ولما كانت السياسة الاقتصادية تبنى على نظام الاقتصاديات الحديث، فإنها تعتبر الاستهلاك المفرط والمحموم بمثابة نمو صحي.

وجدير بالذكر القول بأن صناعة الإعلان تعتبر عدوًا لدودًا للبشر، فهي تتغلغل في كل أرجاء العالم، ولكنها تكون قابلة للانتقاد حينما تلح على سلع تعرض الحياة الإنسانية للخطر، والإعلانات عن السجائر ينطبق عليها هذا القول، ولذا ينبغي أن تُلغى من التلفزيون في كل أرجاء العالم.

والخلاصة، فإن كبح الذات سوف يكون قليل الأثر ما لم يقترن بخطوات سياسية جريئة في مواجهة القوى المشجعة على الاستهلاك، إضافة إلى الدعوة المتكررة للإصلاحات البيئية والاجتماعية اللازمة لتحقيق أهداف متواصلة، مثل ترشيد أنظمة الطاقة، وموازنة النمو السكاني، وإنهاء الفقر. ويلزم اتخاذ إجراءات للحد من الإفراط في الإعلان، وكبح ثقافة التسوق، وإلغاء السياسات التي تدفع الاستهلاك.

إننا يمكن أن نكون أكثر سعادة لو كان استهلاكنا أقل..

الرابط المختصر :